سورة ص

ซูเราะฮ์ที่ 38 · ตอน 2/3 · เล่ม 7 หน้า 66–80

123
ج7 · ص66

اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى (١) عوضه الله تعالى ما (٢) هو خير منها وهي (٣) الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل (٤)

وقال (٥) الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال (٦) عن أبي قتادة وأبي الدهماء -وكانا يكثران السفر نحو البيت-قالا أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى وقال: "إنك لا تدع شيئا اتقاء الله (٧) ﷿-إلا أعطاك الله خيرا منه" (٨)

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾

يقول تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: يعني شيطانا. (ثُمَّ أَنَابَ) أي: (٩) رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته.

قال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخرا. قاله ابن عباس، وقتادة. وقيل: آصف. قاله مجاهد وقيل: آصروا. قاله مجاهد أيضا. وقيل: حبقيق. قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.

وقد قال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة: قال أمر سليمان، ﵇ ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يُسمَعُ فيه صوت حديد. فقال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه. فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له: "صخر" شبه المارد. قال: فطلبه وكانت عين في البحر يَردهُا في كل سبعة أيام مرة فنزح ماؤها وجعل فيها خمر، فجاء يوم ورْده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ثم أتاها (١٠) فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فَذَلَّ. قال: وكان ملكه في خاتمه فأتي به سليمان فقال: إنه

(١) في ت، س: "﷿".

(٢) في ت، س: "بما".

(٣) في ت، س، أ: "وهو".

(٤) وهذا هو الصواب، وانظر كلام القرطبي في: الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ١٩٥، ١٩٦).

(٥) في ت: "وروى".

(٦) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".

(٧) في أ: "لله".

(٨) المسند (٥/ ٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٩٦): "رجاله رجال الصحيح".

(٩) في ت، س: "ثم".

(١٠) في أ: "أتاه".

ج7 · ص67

قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان [﵇] (١) إذا أراد أن يدخل الخلاء -أو: الحمام-لم يدخل بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة قارف فيه (٢) بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونزع مُلك سليمان منه وألقي على الشيطان شَبَه سليمان. قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسُلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه. قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن نبي الله. وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: والله لأجربنه. قال: فقال: يا نبي (٣) الله -وهو لا يرى إلا أنه نبي الله-أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى (٤) عليه بأسا؟ فقال: (٥) لا. قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم، (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: هو الشيطان صخر (٦)

وقال السدي: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ) أي: ابتلينا سليمان، (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: جلس الشيطان على كرسيه أربعين يوما. قال: وكان لسليمان ﵇ مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها: "جرادة"، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة (٧) نزع خاتمه ولم يأتمن (٨) عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فقال: هاتي الخاتم. فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا. وخرج مكانه تائها. قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما، قال: فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوا (٩) فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوا. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه. ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي (١٠) البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه. فاستطعمهم من صيدهم وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته. قال: إنه

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "فيها".

(٣) في أ: "أنبي".

(٤) في ت: "ترى".

(٥) في ت، س: "قال".

(٦) تفسير الطبري (٢٣/ ١٠١).

(٧) في أ: "حاجته".

(٨) في ت: "يأمن".

(٩) في أ: "أتوه".

(١٠) في ت، س، أ: "صيادين".

ج7 · ص68

زعم أنه سليمان. قال: فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شط البحر فشق بطونهما فجعل يغسل [دمه] (١) فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان ﵇ فقام القوم يعتذرون مما صنعوا [به] (٢) فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال: فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة. وكان اسمه حبقيق قال: وسخر (٣) له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٤)

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) قال: شيطانا يقال له: آصف. فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن -ولم يقربنه وأنكرنه. قال: فكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني أنا سليمان فيكذبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا فجعل يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر فارا.

وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم:

حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس [﵄] (٥) (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه -وكانت الجرادة (٦) امرأته وكانت أحب نسائه إليه-فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه. فلما لبسه دانت له الإنس والجن (٧) والشياطين فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. قالت: قد أعطيته سليمان. قال: أنا سليمان. قالت: كذبت لست سليمان (٨) فجعل لا يأتي أحدا يقول له: "أنا سليمان"، إلا كذبه حتي جعل (٩) الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأى ذلك عَرَف أنه من أمر الله ﷿. قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن: أتنكرن من سليمان شيئًا؟ قلن: نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له (١٠) ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس. وقالوا:

(١) زيادة من أ.

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت، أ: "وسخرت".

(٤) تفسير الطبري (٢٣/ ١٠١).

(٥) زيادة من أ.

(٦) في ت: "جرادة".

(٧) في أ: "والجن والطير".

(٨) في ت: "بسليمان".

(٩) في أ: "جاء".

(١٠) في ت: "أنه فطن له".

ج7 · ص69

بهذا كان يظهر سليمان على الناس [ويغلبهم] (١) فأكفر الناس سليمان ﵇ فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: بكم؟ قال بسمكة من هذا السمك. قال: فحمل سليمان ﵇ السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه. قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وَهَرب الشيطان حتى دخل جزيرة (٢) من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطانًا مريدًا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يومًا نائمًا فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنماط معه من الرصاص قال: فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به فنقر (٣) له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) قال: يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.

إسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس -إن صح عنه-من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇ فالظاهر أنهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور أن (٤) ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﷺ، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متُلقًّاة من قصص أهل الكتاب والله أعلم بالصواب.

وقال يحيى بن أبي عمرو السيباني: وجد سليمان خاتمه في عسقلان، فمشى في خرقة (٥) إلى بيت المقدس تواضعا لله ﷿، رواه ابن أبي حاتم.

وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان ﵊ خبرا عجيبا فقال: حدثنا أبي ﵀، حدثنا أبو صالح كاتب الليث أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار؛ أنه لما فرغ من حديث "إرم ذات العماد" قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان بن داود وما كان عليه؛ ومن أي شيء هو؟ فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مُفَصّصًا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ. وقد جُعل له درجة منها مُفَصّصة بالدر والياقوت والزبرجد ثم أمر بالكرسي فحُفّ من جانبيه بالنخل، نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ. وجعل على رءوس النخل التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جعل على رءوس النخل التي على يسار الكرسي نسور من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى

(١) زيادة من أ.

(٢) في ت: "لحق بجزيرة".

(٣) في ت: "فثقب".

(٤) في أ: "فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من السلف أن".

(٥) في أ: "بحرقة".

ج7 · ص70

شجرتا صنوبر من ذهب، وعن يسارها أسدان من ذهب وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد وجعل من جانبي الكرسي شجرتا كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درا وياقوتا أحمر. ثم جُعل فوق دَرَج الكرسي أسَدَان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكا وعنبرا. فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان (١) فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان ﵇، ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان. ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرا من ذهب ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد [سليمان] (٢) على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة. فقال معاوية ﵁: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسْدُ والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن على رأس سليمان [ابن داود] (٣) عليه (٤) السلام وهو جالس ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان ﵇. ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراةَ فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان على الناس.

وذكر تمام الخبر (٥) وهو غريب جدا.

(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) قال بعضهم: معناه: لا ينبغي لأحد من بعدي أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه كما كان من قضية (٦) الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية وبه (٧) وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ.

قال (٨) البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد (٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتا من الجن تَفَلَّت عليّ البارحة -أو كلمة نحوها-ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي)

(١) في ت: "يقفان".

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "عليهما".

(٥) في ت: "الحديث".

(٦) في ت: "في قصة"، وفي أ: "من قصة".

(٧) في ت، س، أ: "وبذلك".

(٨) في ت: "فروى".

(٩) في ت: "بإسناده".

ج7 · ص71

قال روح: فرده خاسئا (١)

وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به (٢)

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المُرَادي حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يَزيد عن أبي إدريس الخولاني (٣) عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك". ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" -ثلاثا-وبسط يَدَه كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك؟ قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك -ثلاث مرات-ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخْذَه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان (٤) أهل المدينة" (٥)

وقال (٦) الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد حدثنا ميسرة بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي، فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال (٧) حدثني (٨) أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام يصلي (٩) صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت بَرْدَ لعابه بين أصبعي هاتين -الإبهام والتي تليها-ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح (١٠) مربوطا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل".

وقد روى أبو داود منه: "من استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل" عن أحمد بن أبي سُرَيج عن أبي أحمد الزبيري به (١١)

وقال (١٢) الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد (١٣) عن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف يقال له: "الوهط"، وهو مُخَاصر فتى من قريش يُزَنّ بشُرْب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث أنه "من شرب شربة خَمْر لم يقبل الله ﷿-له تَوبَةً أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه وإنه من أتى بيت المقدس لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج

(١) صحيح البخاري برقم (٤٨٠٨).

(٢) صحيح مسلم برقم (٥٤١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٤٠).

(٣) في ت: "بإسناده".

(٤) في ت، س، أ: "ولدان".

(٥) صحيح مسلم برقم (٥٤٢).

(٦) في ت: "وروى".

(٧) في ت: "بإسناده".

(٨) في ت: "عن".

(٩) في ت: "فصلى".

(١٠) في ت: "أصبح".

(١١) المسند (٣/ ٨٣) وسنن أبي داود برقم (٦٩٩).

(١٢) في ت: "وروى".

(١٣) في ت: "بإسناده".

ج7 · ص72

من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق. فقال عبد الله بن عمرو (١) إني لا أحل لأحد أن يقول عَلَيّ ما لم أقل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن (٢) عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد -قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة-فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من رَدْغَة الخبال يوم القيامة" قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك (٣) أقول جف القلم على علم الله ﷿" وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سليمان سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم (٤) ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله تعالى (٥) قد أعطانا إياها" (٦)

وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ﷿ خلالا ثلاثا … " وذكره (٧)

وقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁، بإسناد وسياق غريبين فقال الطبراني:

حدثنا محمد بن الحسن بن قُتَيْبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سُوَيْد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن أبي عَبْلَة عن أبي الزاهرية (٨) عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﷿ لداود ﵇: ابن لي بيتًا في الأرض. فبنى داود (٩) بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه: يا داود نصبت بيتك قبل بيتي؟ قال: يا رب هكذا قضيت (١٠) من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلاثا فشكا ذلك إلى الله ﷿ فقال: يا داود (١١) إنك لا تصلح أن تبني لي بيتًا قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء. قال: يا رب أو ما كان (١٢) ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه فأوحى الله إليه: لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان. فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله إليه: قد أرى سرورَك ببنيان بيتي فسلني أعطك. قال: أسألك ثلاث خصال حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتي هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه

(١) في أ: "عمرو ﵄".

(٢) في أ: "وإن".

(٣) في أ: "ولذلك".

(٤) في ت، س، أ: "مثل يوم".

(٥) في ت، س، أ: "﷿".

(٦) المسند (٢/ ١٧٦).

(٧) سنن النسائي (٢/ ٤٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٠٨).

(٨) في ت: "وروى الطبراني بإسناده".

(٩) في ت: "داود ﵇".

(١٠) في ت، س، أ: "هكذا قلت فيما قضيت".

(١١) في ت، أ: "فأوحى الله إليه"

(١٢) في ت، س، أ: "أو لم يكن".

ج7 · ص73

خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال رسول الله ﷺ: "أما ثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة" (١)

وقال (٢) الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا عُمَر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا دعاءً إلا استفتحه بـ "سبحان الله ربي الأعلى العلي الوهاب" (٣)

وقد قال (٤) أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن بَرْقان عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود أوحى الله إلى ابنه سليمان عليهما (٥) السلام: أن سلني حاجتك. قال: أسألك أن تجعل لي قلبا يخشاك كما كان قلب أبي وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي. فقال الله: أرسلت إلى عبدي وسألته (٦) حاجته فكانت [حاجته] (٧) أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني لأهَبَنّ له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. قال الله تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) والتي بعدها، قال: فأعطاه [الله] (٨) ما أعطاه وفي الآخرة لا حساب عليه.

هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵇ في تاريخه (٩)

وروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود [﵇] (١٠) أنه قال: "إلهي كن لسليمان كما كنت لي": فأوحى الله إليه: أن قل لسليمان: يكون لي كما كنت لي، أكون له كما كنتُ لك.

وقوله: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) قال الحسن البصري ﵀: لما عقر سليمان الخيل غضبا لله، ﷿ عوضه الله ما هو خير منها وأسرع الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر.

وقوله: (حَيْثُ أَصَابَ) أي: حيث أراد من البلاد.

وقوله: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ) أي: منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر وطائفة غواصون في البحار يستخرجون مما (١١) فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ) أي: موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تَمَرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى.

(١) المعجم الكبير (٥/ ٢٤) قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٨): "فيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي وهو متهم بالوضع".

(٢) في ت: "وروى".

(٣) المسند (٤/ ٥٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٥٦): "فيه عمر بن راشد اليمامي وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح".

(٤) في ت: "وروى".

(٥) في ت، أ: "عليه".

(٦) في ت، س: "أسأله".

(٧) زيادة من ت، س.

(٨) زيادة من أ.

(٩) تاريخ دمشق (٧/ ٥٦٩) "القسم المخطوط".

(١٠) زيادة من ت، س، أ.

(١١) في ت: "ما".

ج7 · ص74

وقوله: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلتَ فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب. وقد ثبت في الصحيحين (١) أن رسول الله ﷺ لما خُيِّر بين أن يكون عبدًا رسولا -وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس ما أمره الله به-وبين أن يكون ملكا نبيا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل فقال له: تواضع فاختار المنزلة الأولى لأنها أرفع قدرا عند الله وأعلى منزلة في المعاد وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبه على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضا، فقال: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) أي: في الدار الآخرة.

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾

يذكر تعالى عبده ورسوله أيوب ﵇ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق من جسده مَغْرز إبرة سليما سوى قلبه ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة (٢) وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة. وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فَسُلبَ جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحا و[لا] (٣) مساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبًا. فلما طال المطال واشتد الحال وانتهى القدر المقدور وتم الأجل المقدر تضرع (٤) إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وفي هذه الآية الكريمة قال: رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب، قيل: بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله. ففعل فأنبع الله عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى (٥) ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت ما كان في باطنه (٦) من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)

(١) في أ: "الصحيح".

(٢) في أ: "بالأجر".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في ت، س: "ضرع".

(٥) في ت، س: "ما كان به من الأذى".

(٦) في أ: "بباطنه".

ج7 · ص75

قال (١) ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب (٢) عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله-لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشفَ ما به (٣) فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله ﷿، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان (٤) يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله تعالى إلى أيوب، ﵇، أن (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) فاستبطأته فتلقته تنظر فأقبل (٥) عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال: فإني (٦) أنا هو. قال: وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير ﵀ (٧)

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَر عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدثنا (٨) أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثو في ثوبه فناداه ربه (٩) يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك".

انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به (١٠)

﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾

ولهذا قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ) قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم.

وقوله: (رَحْمَةً مِنَّا) أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته (وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ) أي: لذوي العقول ليعلموا أن عاقبةَ الصبر الفرجُ والمخرجُ والراحة.

(١) في ت: "روى".

(٢) في ت: "بسندهما".

(٣) في أ: "ما به من مرضه".

(٤) في أ: "وكان أيوب".

(٥) في أ: "وأقبل".

(٦) في أ: "فقال إني".

(٧) تفسير الطبري (٢٣/ ١٠٧) ورواه البزار في مسنده (٢٣٥٧) "كشف الأستار" وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٤) من طريق سعيد ابن أبي مريم عن نافع بن يزيد به. قال البزار: "لا نعلم رواه عن الزهري عن أنس إلا عقيل، ولا عنه إلا نافع ورواه عن نافع غير واحد" وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٠٨): "رجال البزار رجال الصحيح".

(٨) في ت: "وروى القاري".

(٩) في ت، س، أ: "ربه ﷿".

(١٠) المسند (٢/ ٣١٤) وصحيح البخاري برقم (٢٧٨).

ج7 · ص76

وقوله: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) وذلك أن أيوب ﵇ كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته. قيل: [إنها] (١) باعت ضفيرتها (٢) بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة. وقيل: لغير ذلك من الأسباب. فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله ﷿ أن يأخذ ضغثًا -وهو: الشِّمراخ-فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد بَرّت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه ولهذا قال تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي: رَجَّاع منيب ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]

وقد استدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها وأخذوها (٣) بمقتضاها [ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك، وقالوا: لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع أيوب، ﵇، فلذلك رخص له في ذلك، وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة] (٤)

﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ﴾

يقول تعالى مخبرا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ) يعني بذلك: العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (أُولِي الأيْدِي) يقول: أولي القوة (وَالأبْصَارِ) يقول: الفقه في الدين.

وقال مجاهد: (أُولِي الأيْدِي) يعني: القوة في طاعة الله (وَالأبْصَارِ) يعني: البصر (٥) في الحق.

وقال قتادة والسدي: أعطُوا قوة في العبادة وبَصرًا في الدين.

[وقوله] (٦) (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) قال مجاهد: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمّ غيرها. وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها.

وقال مالك بن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها. وكذا قال عطاء الخراساني.

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في أ: "ضفيرتيها".

(٣) في ت، س: "وأخذوا".

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) في أ: "البصير".

(٦) زيادة من ت، س، أ.

ج7 · ص77

وقال سعيد بن جُبَيْر: يعني بالدار الجنة يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها (١) وقال في رواية أخرى: (ذِكْرَى الدَّارِ) عقبى الدار.

وقال قتادة: كانوا يذَكّرون الناس الدار الآخرة والعمل لها.

وقال ابن زيد: جعل لهم (٢) خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة.

وقوله: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ) أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.

وقوله: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ) قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة "الأنبياء" بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وقوله: (هَذَا ذِكْرٌ) أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر.

وقال السدي: يعني القرآن.

﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾

يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في [الدار] (٣) الآخرة (لَحُسْنَ مَآبٍ) وهو: المرجع والمنقلب. ثم فسره بقوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب.

والألف واللام هنا (٤) بمعنى الإضافة كأنه يقول: "مفتحة لهم أبوابها" أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها.

قال (٥) ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب الهَبَّاري حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا عبد الله بن مسلم -يعني: ابن هرمز-عن ابن سابط (٦) عن عبد الله بن عمرو [﵄] (٧) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة قصرا يقال له: "عدن" حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبَرَة لا يدخله -أو: لا يسكنه-إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل". (٨)

وقد ورد في [ذكر] (٩) أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.

وقوله: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) قيل: متربعين فيها على سرر (١٠) تحت الحجال (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ)

(١) في ت: "أخلصناهم بذكرهم لها".

(٢) في ت: "لها".

(٣) زيادة من س، أ.

(٤) في ت: "هاهنا".

(٥) في ت: "روى".

(٦) في ت: "بإسناده".

(٧) زيادة من أ.

(٨) ورواه البزار في مسنده برقم (١٥٩١) "كشف الأستار" من طريق محمد بن ثواب به، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٩٦): "فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في أ: " سرير".

ج7 · ص78

أي: مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا. (وَشَرَابٍ) أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]

(وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن (أَتْرَابٌ) أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسّدّي.

(هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي (١) وعدها لعباده المتقين التي (٢) يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.

ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وكقوله ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وكقوله ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير مقطوع وكقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] والآيات في هذا كثيرة جدا.

﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾

لما ذكر تعالى مآل السعداء ثَنّى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ) وهم: الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله (لَشَرَّ مَآبٍ) أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله: (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا) أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم (فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره وأما الغَسَّاق فهو: ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم ولهذا قال: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها.

قال (٣) الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لَهِيعة حدثنا دَرّاج عن أبي الهيثم (٤) عن أبي سعيد (٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن دَلْوًا من غَسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (٦)

(١) في ت، س، أ: "الجنة هي التي".

(٢) في أ: "الذين".

(٣) في ت: "روى".

(٤) في ت: "بسنده".

(٥) في أ: "سعيد ﵁".

(٦) المسند (٣/ ٢٨).

ج7 · ص79

ورواه الترمذي عن سُوَيْد بن نصر عن ابن المبارك عن رِشْدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دَرّاج به. ثم قال: "لا نعرفه إلا من حديث رشدين" (١) كذا قال: وقد تقدم من غير حديثه ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به (٢)

وقال كعب الأحبار: غساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَة كل ذات حُمَة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويُجَر لحمه كما يَجُر الرجل ثوبه. رواه ابن أبي حاتم.

وقال الحسن البصري في قوله: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) ألوان من العذاب.

وقال غيره: كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة والمتضادة (٣) والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه.

وقوله: (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ) هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون (٤) ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ) أي: داخل معكم (لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ) [أي] (٥) لأنهم من أهل جهنم (٦) (قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ) أي: فيقول لهم الداخلون: (بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير (فَبِئْسَ الْقَرَارُ) أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير. (قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ) كما قال ﷿ (٧) ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: لكل منكم عذاب بحسبه.

﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾

هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟.

قال (٨) مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا. وهذا مثل ضرب، وإلا فكل الكفار هذا حالهم: يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا: (مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا) أي: في الدنيا (٩) (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ) يسلون أنفسهم بالمحال يقولون: أو لعلهم

(١) سنن الترمذي برقم (٢٥٨٤).

(٢) تفسير الطبري (٢٣/ ١١٤).

(٣) في ت، س: "المتضاضة والمتخالفة".

(٤) في ت: "ويتجاذبون".

(٥) زيادة من ت، س.

(٦) في ت: "النار".

(٧) في ت، س: "تعالى".

(٨) في ت: "وقال".

(٩) في أ: "دار الدنيا".

ج7 · ص80

معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم. فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات (١) وهو (٢) قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿[وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٩] (٣)

وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك.

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾

يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ (٤) أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله: إنما أنا منذر (٥) لست كما تزعمون (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) أي: هو (٦) وحده قد قهر كل شيء وغلبه. (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه (الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) أي: غفار مع عزته وعظمته.

(قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله إياي إليكم (أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) أي: غافلون.

قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) يعني: القرآن.

وقوله: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي: لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني: في شأن آدم وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ ﵁، قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس. فخرج رسول الله ﷺ سريعا فَثَوّب بالصلاة فصلى وتَجَوّز في صلاته فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم". ثم أقبل إلينا فقال: "إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قُدّر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي (٧) في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

(١) في ت: "العلا".

(٢) في أ: "وهي".

(٣) زيادة من ت، س.

(٤) في س: "صلوات الله وسلامه عليه".

(٥) في أ: "نذير مبين".

(٦) في ت: "وهو".

(٧) في ت، س، أ: "بربي ﷿".