سورة ص

ซูเราะฮ์ที่ 38 · ตอน 1/3 · เล่ม 7 หน้า 51–65

123
ج7 · ص51

تفسير سورة ص

[وهي] (١) مكية.

﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وقوله: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد.

قال الضحاك في قوله: (ذِي الذِّكْرِ) كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير.

وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة وأبو (٢) حصين وأبو صالح والسدي (٣) (ذِي الذِّكْرِ) ذي الشرف أي: ذي الشأن والمكانة.

ولا منافاة بين القولين، فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار.

واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم: هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٤]. وقيل قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] حكاهما (٤) ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير، وضعفه ابن جرير.

وقال قتادة: جوابه: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) واختاره ابن جرير.

وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم.

ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العلم (٥) أنه قال: جوابه "ص" بمعنى: صدق حق والقرآن ذي الذكر.

وقوله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي: إن في هذا القرآن لذكرًا لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم (فِي عِزَّةٍ) أي: استكبار عنه وحمية (وَشِقَاقٍ) أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة.

ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من

(١) زيادة من ت، س.

(٢) في أ: "ابن".

(٣) في ت: "وخلق غيرهما".

(٤) في س: "رواهما".

(٥) في أ: "العربية".

ج7 · ص52

السماء فقال: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) أي: من أمة مكذبة، (فَنَادَوْا) أي: (١) حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بمجد عنهم شيئا. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] أي: يهربون، ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله: (فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) قال: ليس بحين نداء، ولا نزو ولا فرار (٢)

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث.

وقال شبيب بن بشر (٣) عن عكرمة عن (٤) ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد:

تَذَكَّر ليلى لاتَ حين تذَكّر (٥)

.

وقال محمد بن كعب في قوله: (فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم.

وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء.

وقال مجاهد: (فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) ليس بحين فرار ولا إجابة.

وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة.

وعن مالك، عن زيد بن أسلم: (وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) ولا نداء في غير حين النداء.

وهذه الكلمة وهي "لات" هي "لا" التي للنفي، زيدت معها "التاء" كما تزاد في "ثم" فيقولون: "ثمت"، و"رب" فيقولون: "ربت". وهي مفصولة والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [ابن جرير] (٦) أنها متصلة بحين: "ولا تحين مناص". والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب "حين" تقديره: وليس الحين حين مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:

تَذَكَّر حُب ليلى لاتَ حينا … وأَضْحَى الشَّيْبُ قد قَطَع القَرينا (٧)

ومنهم من جوز الجر بها، وأنشد:

طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ … فأجَبْنَا أن ليس حينُ بقاءِ (٨)

(١) في ت: "إلى".

(٢) وقد رواه الطستي في مسائل نافع بن الأزرق أنه سأل ابن عباس فذكره.

(٣) في أ: "بشير".

(٤) في ت: "سئل".

(٥) البيت للأعشى، وعجزه: وقد تبت عنها والمناص بعيد.

(٦) ما بين المعقوفتين بياض في س.

(٧) البيت في تفسير الطبري (٢٣/ ٧٧).

(٨) البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في تفسير الطبري (٢٣/ ٧٧).

ج7 · ص53

وأنشد بعضهم أيضا:

ولاتَ سَاعةَ مَنْدَم

بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم. ولهذا قال تعالى: (وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.

﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ (٧) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ (١١)﴾

يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعجبهم من بعثة الرسول بشرا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] وقال هاهنا: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي: بشر مثلهم، (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك -قبحهم الله تعالى-وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول ﷺ إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الله (١) بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ) وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ([أن] امْشُوا) (٢) أي: استمروا على دينكم (وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.

وقوله: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا (٣) إليه محمد ﷺ من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا مجيبيه إليه.

ذكر سبب نزول هذه الآيات:

قال السدي: إن أناسا من قريش اجتمعوا فيهم: أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء. فتعيرنا [به] (٤) العرب يقولون:

(١) في ت، س، أ: "الإله".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت: "يدعوا".

(٤) زيادة من ت، س، أ.

ج7 · ص54

تركوه حتى إذا مات عنه (١) تناولوه". فبعثوا رجلا منهم يقال له (٢) المطلب" فاستأذن لهم على أبي طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: "يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ " قال: وإلام تدعوهم؟ قال: "أدعوهم [إلى] (٣) أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم". فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها (٤) وعشرة أمثالها. قال: تقولون: "لا إله إلا الله". فنفر وقال: سلنا غير هذا (٥) قال: "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها" فقاموا من عنده غضابا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك (٦) بهذا. (وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ)

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله ﷺ عمه إلى قول: "لا إله إلا الله" فأبى وقال: بل على دين الأشياخ. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (٧)

وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله ﷺ فقال: " يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة! يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية" ففزعوا لكلمته ولقوله وقالوا (٨) كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرا فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ فقال: "لا إله إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) قال: ونزلت من (٩) هذا الموضع إلى قوله: (لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) لفظ أبي كريب (١٠)

وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب به نحوه (١١) ورواه الترمذي، والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة

(١) في أ: "عمه"، وكذا في الطبري.

(٢) في ت، س، أ: "يدعى".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في ت، س، أ: "لنعطينكما"

(٥) في ت، س، أ: "غيرها".

(٦) في أ: "يأمرك".

(٧) تفسير الطبري (٢٣/ ٨٠).

(٨) في ت، س، أ: "فقال القوم".

(٩) في أ: "في".

(١٠) تفسير الطبري (٢٣/ ٧٩).

(١١) المسند (١/ ٣٦٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٧).

ج7 · ص55

الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر نحوه. وقال الترمذي (١) حسن (٢)

وقولهم: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.

قال مجاهد وقتادة وابن (٣) زيد: يعنون دين قريش.

وقال غيرهم: يعنون النصرانية، قاله محمد بن كعب والسدي.

وقال العوفي عن ابن عباس: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) يعني: النصرانية قالوا: لو كان هذا القرآن حقا أخبرتنا به النصارى.

(إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ) قال مجاهد، وقتادة كذب وقال ابن عباس: تخرص.

وقولهم: (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم، قال الله تعالى: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله ونقمته سيعلمون غب ما قالوا، وما كذبوا به يوم يُدَعّون إلى نار جهنم دَعّا.

ثم قال مبينا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعد الله وإن العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير؛ ولهذا قال تعالى منكرا عليهم: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ) أي: العزيز الذي لا يرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد.

وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٣: ٥٥] وقوله ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري وكما أخبر تعالى عن قوم صالح [﵇] (٤) حين قالوا: ﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٥: ٢٦]

(١) في ت: "ورواه الترمذي وقال: حديث حسن".

(٢) سنن الترمذي برقم (٣٢٣٢) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٦) وتفسير الطبري (٢٣/ ٧٩).

(٣) في ت: "وأبو".

(٤) زيادة من أ.

ج7 · ص56

وقوله: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ) أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب.

قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني طرق السماء.

وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة.

ثم قال: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ) أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين وهذه كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وكان ذلك يوم بدر ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٤: ٤٦].

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾

يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة.

وقوله: (أُولَئِكَ الأحْزَابُ) أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دافع (١) ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك (٢) ولهذا قال: (إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) فجعل علة هلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.

وقوله: (وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) (٣) قال مالك عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي: قد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى (٤) الله ﷿.

وقوله: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب وقيل: هو الحظ والنصيب.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب -زاد قتادة كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]

(١) في ت، أ: "دفع"، وفي س: "لما دفع".

(٢) في أ: "الله".

(٣) في أ: "وما ينظرون" وهو خطأ.

(٤) في أ: "شاء".

ج7 · ص57

وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة أن يلقوا (١) ذاك في الدنيا. وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب.

وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم.

﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾

ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرا له بالصبر على أذاهم ومبشرا له على صبره بالعاقبة والنصر (٢) والظفر.

يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵇: أنه كان ذا أيد والأيد: القوة في العلم والعمل.

قال [ابن عباس] (٣) وابن زيد والسدي: الأيد: القوة وقرأ ابن زيد: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]

وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة.

وقال قتادة: أعطي داود [﵇] (٤) قوة في العبادة وفقها في الإسلام، وقد ذكر لنا أنه ﵇ كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر.

وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى" (٥) وإنه كان أوابا، وهو الرجاع إلى الله ﷿ في جميع أموره وشئونه.

وقوله: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا تستطيع الذهاب بل تقف في الهواء وتسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعا له.

قال (٦) ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب حدثنا محمد بن بشر عن مِسْعَر عن عبد الكريم عن

(١) في أ: "يسلموا".

(٢) في أ: "والنصرة".

(٣) زيادة من ت، س.

(٤) زيادة من ت، س، أ.

(٥) صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩).

(٦) في ت: "وروى".

ج7 · ص58

موسى بن أبي كثير (١) عن ابن عباس (٢) أنه بلغه: أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، قال (٣) ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول الله تعالى: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) (٤)

ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن (٥) نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى قال: فأدخلته على أم هانئ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت أم هانئ: دخل علي رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) وكنت أقول: أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول: صلاة الإشراق. (٦)

ولهذا قال: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) أي: محبوسة في الهواء، (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) أي: مطيع يسبح تبعا له.

قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: (كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) أي: مطيع.

[وقوله] (٧) (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) أي: جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك.

قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا.

وقال السدي: كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف.

وقال بعض السلف: بلغني أنه كان حَرَسُه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل.

وقال غيره: أربعون ألفا مشتملون (٨) بالسلاح. وقد ذكر (٩) ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية عِلْباء بن أحمر عن عِكْرِمة عن ابن عباس: أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود ﵇ أنه اغتصبه بقرًا فأنكر الآخر، ولم يكن (١٠) للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود ﵇، في المنام بقتل المدعي فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي فقال: يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال: إن الله ﷿ أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة. فقال: والله يا نبي

(١) في ت: "بإسناده".

(٢) في أ: "ابن عباس ﵄".

(٣) في ت: "فقال".

(٤) تفسير الطبري (٢٣/ ٨٧).

(٥) في أ: "عن".

(٦) تفسير الطبري (٢٣/ ٨٧).

(٧) زيادة من ت، س، أ.

(٨) في ت، س، أ: "مشتكون".

(٩) في ت: "وروى".

(١٠) في س: "تكن".

ج7 · ص59

الله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه، وإني لصادق فيما ادعيت ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد فأمر به داود [﵇] (١) فقتل.

قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله ﷿: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ)

وقوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) قال مجاهد: يعني: الفهم والعقل والفطنة. وقال مرة: الحكمة والعدل. وقال مرة: الصواب.

وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه.

وقال السدي: (الْحِكْمَةَ) النبوة.

وقوله: (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) قال شريح القاضي والشعبي فصل الخطاب: الشهود والأيمان.

وقال قتادة: شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل -أو قال: المؤمنون والصالحون-وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي.

وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء وفهمه.

وقال مجاهد أيضا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم (٢)

وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير.

وقال (٣) ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة النميري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه (٤) عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: "أما بعد" داود ﵇ وهو فصل الخطاب.

وكذا قال الشعبي: فصل الخطاب: "أما بعد".

(١) زيادة من س، ت، أ.

(٢) في ت: "في القضاء والحكم".

(٣) في ت: "ورواه".

(٤) في ت: "بإسناده".

ج7 · ص60

﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾

قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن (١) يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله ﷿ فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا.

وقوله: ([إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ) (٢) إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تَسَوَّرا عليه المحراب أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما.

وقوله: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) أي: غلبني يقال: عز يعز: إذا قهر وغلب.

وقوله: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي اختبرناه.

وقوله: (وَخَرَّ رَاكِعًا) أي: ساجدا (وَأَنَابَ) ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا، (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد اختلف الأئمة ﵃ (٣) في سجدة "ص" هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي ﵀ أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية-عن أيوب عن ابن عباس (٤) أنه قال في السجود في "ص": ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها.

ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به (٥) وقال الترمذي: حسن (٦) صحيح.

وقال (٧) النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن الحسن -هو المقسمي-حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو (٨) بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ﵄ أن النبي ﷺ سجد في "ص" وقال: "سجدها داود ﵇ توبة ونسجدها شكرا".

تفرد بروايته النسائي (٩) ورجال إسناده كلهم ثقات وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع:

(١) في ت: "أنه".

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في أ: "﵏".

(٤) في أ: "عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس"، وفي ت: "ما رواه الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس" زيادة من أ.

(٥) المسند (١/ ٣٦٠) وصحيح البخاري برقم (١٠٦٩) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٩) وسنن الترمذي برقم (٥٧٧).

(٦) في أ: "حديث حسن".

(٧) في ت: "وروى".

(٨) في أ: "عمر".

(٩) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٣٨).

ج7 · ص61

أخبرنا أبو إسحاق المدرجي (١) أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي، أخبرنا أبو سعيد الكَنْجَرُوذي أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: يا حسن حدثني جدك عبيد الله (٢) بن أبي يزيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود.

قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة (٣)

رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس (٤) نحوه وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥)

وقال البخاري عند تفسيرها أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة "ص" فقال: (٦) سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] (٧) فكان داود ﵇ ممن (٨) أمر نبيكم ﷺ أن يقتدي به فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ (٩)

وقال (١٠) الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر -هو ابن عبد الله المزني-أنه أخبره (١١) أن أبا سعيد الخدري (١٢) رأى رؤيا أنه يكتب "ص" فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال: فقصها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به [الإمام] (١٣) أحمد (١٤)

وقال (١٥) أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي

(١) في أ: "أبو إسحاق بن المدرجي".

(٢) في أ: "عبد الله".

(٣) رواه المزي في تهذيب الكمال (٦/ ٣١٤).

(٤) في أ: "يزيد بن حبيش".

(٥) سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٥٣).

(٦) في ت: "بإسناده إلى مجاهد قال".

(٧) في ت، س، أ: "هداهم" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.

(٨) في ت، س: "فيمن".

(٩) صحيح البخاري برقم (٤٨٠٧).

(١٠) في ت: "وروى".

(١١) في ت: "بإسناده".

(١٢) في أ: "الخدري ﵁".

(١٣) زيادة من أ.

(١٤) المسند (٣/ ٧٨).

(١٥) في ت: "وروى".

ج7 · ص62

الله عنه قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر "ص" فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزّن (١) الناس للسجود، فقال: "إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تَشَزّنْتُم". فنزل وسجد وسجدوا. تفرد به أبو داود (٢) وإسناده على شرط الصحيح.

وقوله: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله ﷿ بها وحسن مرجع وهو الدرجات العاليات في الجنة لتوبته (٣) وعدله التام في ملكه كما جاء في الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا" (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل عن عطية (٥) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل (٦) وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر". ورواه الترمذي من حديث فضيل -وهو ابن مرزوق الأغر-عن عطية به (٧) وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه.

وقال (٨) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان: سمعت مالك بن دينار في قوله: (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول: إني أرده عليك اليوم. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.

﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾

هذه وصية من الله ﷿ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله (٩) وقد توعد [الله] (١٠) تعالى من ضل عن سبيله،

(١) في ت: "تشدد".

(٢) سنن أبي داود برقم (١٤١٠).

(٣) في ت، س: "لنبوته".

(٤) صحيح مسلم برقم (١٨٢٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.

(٥) في ت: "وروى الترمذي".

(٦) في أ: "عدل".

(٧) المسند (٣/ ٢٢) وسنن الترمذي برقم (١٣٢٩).

(٨) في ت: "وروى".

(٩) في أ: "سبيل الله".

(١٠) زيادة من أ.

ج7 · ص63

وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.

قال (١) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة -وكان قد قرأ الكتاب-أن الوليد بن عبد الملك قال له: (٢) أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان. قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله ﷿-جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ) الآية.

وقال عكرمة: (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا.

وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب.

وهذا القول أمشى على ظاهر الآية فالله أعلم.

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ (٢٩)﴾

يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم (٣) ليوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: الذين لا يرون بعثا ولا معادا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم.

ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمن والكافر فقال: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) أي: لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب (٤) فيها هذا الفاجر. (٥) وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا. وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك دارًا أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال: (كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) أي: ذوو العقول وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل.

(١) في ت: "روى".

(٢) في ت: "لأبي ورعة".

(٣) في ت، س: "جمعهم".

(٤) في ت: "ويعذب".

(٥) في س: "العاصي".

ج7 · ص64

قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن [كله] (١) ما يرى له القرآنُ في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم.

﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ (٣٣)﴾

يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود سليمان أي نبيا كما قال: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.

وقوله: (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ثناء على سليمان، ﵇، بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله ﷿.

قال (٢) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا (٣) مكحول قال: لما وهب الله لداود سليمان عليه (٤) السلام قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله وإيمان. قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده. قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود ﵇: فأنت نبي.

وقوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) أي: إذ عرض على سليمان في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات.

قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد: السراع. وكذا قال غير واحد من السلف.

وقال (٥) ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مُؤمَّل حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. كذا رواه ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق (٦) عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان، ﵊ عشرين ألف فرس، فعقرها وهذا أشبه (٧) والله أعلم.

وقال (٨) أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني عُمَارة بن غَزيَّة: أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (٩) عن عائشة

(١) زيادة من ت، س، أ.

(٢) في ت: "روى".

(٣) في ت: "بإسناده".

(٤) في ت، س: "عليهما".

(٥) في ت: "روى".

(٦) في ت: "بإسناده".

(٧) في أ: "الأشبه".

(٨) في ت: "وروى".

(٩) في ت: "بإسناده".

ج7 · ص65

﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك -أو خيبر-وفي سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة -لُعَب-فقال: "ما هذا يا عائشة؟ " قالت: بناتي. ورأى بينهن فرسا له (١) جناحان من رقاع فقال: "ما هذا (٢) الذي أرى وسطهن؟ " قالت: فرس. قال: "وما هذا الذي عليه؟ " قالت: جناحان قال: "فرس له جناحان؟! " قالت: أما سمعت أن لسليمان خيل لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ (٣)

وقوله: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) (٤) ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت (٥) صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا كما شغل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب (٦) وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه، من ذلك عن جابر قال: جاء عمر، ﵁ يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله ﷺ: "والله ما صليتها" فقال: (٧) فقمنا إلى بُطْحَان فتوضأ للصلاة وتوضأنا (٨) لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب (٩)

ويحتمل أنه كان (١٠) سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال. والخيل تراد للقتال. وقد ادعى طائفة (١١) من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة، حيث لا يمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة ﵃ في فتح تستر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب؛ لأنه قال بعدها: (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ)

قال الحسن البصري. قال: لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما (١٢) عليك. ثم أمر بها فعقرت. وكذا قال قتادة.

وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل، وعراقيبها حبالها. وهذا القول اختاره ابن جرير قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها. وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبا لله ﷿ بسبب أنه

(١) في أ: "لها".

(٢) في أ: "ما هذا يا عائشة".

(٣) سنن أبي داود برقم (٤٩٣٢).

(٤) في ت، س: "قال".

(٥) في ت، أ: "عن وقت".

(٦) في أ: "المغرب".

(٧) في ت: "قال".

(٨) في ت: "فتوضأنا".

(٩) صحيح البخاري برقم (٤١١٢) وصحيح مسلم برقم (٦٣١).

(١٠) في س، أ: "أنه قد كان".

(١١) في أ: "ادعى هذا طائفة".

(١٢) في أ: "أحر ما".