سورة الحج
ซูเราะฮ์ที่ 22 · ตอน 4/5 · เล่ม 5 หน้า 434–448
ورواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، به (١) وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال.
ورواه الترمذي، والنسائي في التفسير من سننيهما، وابن أبي حاتم (٢) من حديث إسحاق بن يوسف -زاد الترمذي: ووَكِيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد، عن الثوري، وليس فيه ابن عباس (٣).
وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوا (٤) جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٦]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (٥) وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ [اللَّهُ] (٦) الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) وقد فعل.
وإنما شرع [الله] (٧) تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أمرَ المسلمين، وهم أقل من العشر، بقتال الباقين (٨) لشَقَّ عليهم؛ ولهذا لما بايع أهلُ يثرب ليلة العقبة رسول الله ﷺ، وكانوا نيفا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل مِنَى-ليالي مِنى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ﷺ "إني لم أومر بهذا". فلما بَغَى المشركون، وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذرَ مَذَر، فذهب (٩) منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة. فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسولُ الله ﷺ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومَعْقلا يلجؤون إليه -شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ)
قال العَوْفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه.
(إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم عبدوا الله (١) وحده لا شريك له. وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]. ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق، ويقولون:
لا هُمّ (٢) لَولا أنتَ ما اهتَدَينا … وَلا تَصَدّقَْنا وَلا صَلَّينَا
فَأنزلَنْ سَكينَةً عَلَينَا … وَثَبّت الأقْدَامَ إنْ لاقَينَا
إنّ الألَى قد بَغَوا عَلَينَا … إذَا أرَادوا فتْنَةً أبَيْنَا (٣)
فيوافقهم رسول الله ﷺ، ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: "إذا أرادوا فتنة أبينا"، يقول: "أبينا"، يمد بها صوته.
ثم قال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشفُ شَرّ أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف.
(لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، وعكرمة، والضحاك، وغيرهم.
وقال قتادة: هي معابد الصابئين. وفي رواية عنه: صوامع المجوس.
وقال مقاتل بن حَيَّان: هي البيوت التي على الطرق.
(وَبِيَعٌ): وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها. وهي للنصارى أيضًا. قاله أبو العالية، وقتادة، والضحاك، وابن (٤) صخر، ومقاتل بن حيان، وخُصَيف، وغيرهم.
وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي، عمن حَدّثه، عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم.
وقوله: (وَصَلَوَاتٌ): قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة، والضحاك، وقتادة: إنها كنائس اليهود. وهم يسمونها صَلُوتا.
وحكى السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى.
وقال أبو العالية، وغيره: الصلوات: معابد الصابئين.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق. وأما المساجد فهي للمسلمين.
وقوله: (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) فقد قيل: الضمير في قوله: (يُذْكَرَ فِيهَا) عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات.
وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرا.
وقال ابن جرير: الصوابُ: لهدمت صوامع الرهبان وبِيعُ النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.
وقال بعض العلماء: هذا تَرَقٍّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن ينتهي إلى المساجد، وهي أكثر عُمَّارا وأكثر عبادا، وهم ذوو القصد الصحيح.
وقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) كقوله (١) تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٧، ٨].
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) وَصَف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديرا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه، فقير إليه. ومن كان القويّ العزيز ناصرَه فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وقال [الله] (٢) تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (٤١)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزَّهْرَاني، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)، فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا: "ربنا الله"، ثم مُكنّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي.
وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد ﷺ.
وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ) الآية، ثم قال: إلا أنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذَلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها.
وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ [كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ] (١)﴾ [النور: ٥٥].
وقوله: (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ)، كقوله تعالى ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
وقال زيد بن أسلم: (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ): وعند الله ثواب ما صنعوا.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾.
يقول تعالى مسليا نبيَّه محمدا ﷺ في تكذيب من خالفه من قومه: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) إلى أن قال (٢): (وَكُذِّبَ مُوسَى) أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
(فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ) أي: أنظرتهم وأخرتهم، (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟!
ذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وبين إهلاك الله له أربعون سنة.
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٣).
ثم قال تعالى: (فَكَأَيِّنْ (١) مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) أي: كم من قرية أهلكتها [(وَهِيَ ظَالِمَةٌ)] (٢) أي: مكذبة لرسولها، (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها.
(وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي: لا يستقى منها، ولا يَرِدُها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.
(وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قال عكرمة: يعني المُبَيّض بالجص.
وروي عن علي بن أبي طالب، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي المَلِيح، والضحاك، نحو ذلك.
وقال آخرون: هو المُنيف المرتفع.
وقال آخرون: الشديد المنيع الحصين.
وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يَحْمِ أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ) أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضا، وذلك كاف، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار":
حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سَيَّار، حدثنا (٣) جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى، ﵇، أن يا موسى، اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سِحْ في الأرض، واطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان (٤) وتكسر العصا.
وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحْيِ قلبك بالمواعظ، ونَوِّره بالفِكْر، ومَوِّته بالزهد، وقَوِّه باليقين، وذَلِّلْهُ بالموت (٥)، وقرِّره بالفناء (٦)، وبَصِّره فجائع (٧) الدنيا، وحَذِّره صولةَ (٨) الدهر وفحش تَقَلُّب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب (٩) من كان قبله، وسِرْ في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا، وأين حَلُّوا، وعَمَّ انقلبوا.
أي: فانظروا (١٠) ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال (فَتَكُونَ (١١) لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) أي: فيعتبرون بها، (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر. وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى -وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة (١٢) الأندلسي الشَّنْتَريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:
يا مَن يُصيخُ إلى دَاعي الشَقَاء، وقَد … نَادَى به الناعيَان: الشيبُ والكبَرُ
إن كُنتَ لا تَسْمَع الذكْرَى، ففيم تُرَى … في رَأسك الوَاعيان: السمعُ والبَصَرُ؟
ليسَ الأصَمّ ولا الأعمَى سوَى رَجُل … لم يَهْده الهَاديان: العَينُ والأثَرُ
لا الدّهر يَبْقَى وَلا الدنيا، وَلا الفَلَك الـ … أعلى ولا النَّيّران: الشَّمْسُ وَالقَمَرُ
لَيَرْحَلَنّ عَن الدنيا، وَإن كَرِها (١) … فرَاقها، الثاويان: البَدْو والحَضَرُ
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾.
يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه (٢): (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أي: هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون (٣) بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال [الله] (٤) تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦].
وقوله: (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي: الذي قد وَعَد، من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه.
قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاء عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا عمرو، وهل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا. فذكر آية وعيد، فقال له: أمن (٥) العجم أنت؟ إن العرب تَعدُ الرجوع عن الوعد لؤما، وعن الإيعاد كرما، أومَا سمعتَ قول الشاعر (٦):
لا يُرْهِبُ ابنَ العم منى (٧) سَطْوَتي … ولا أخْتَتِي (٨) من سَطْوة المُتَهَدّد
فإنّي وَإن أوْعَدْتُه أوْ وَعَدْتُه … لَمُخْلِفُ إيعَادي ومُنْجزُ مَوْعدي
وقوله: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) أي: هو تعالى لا يَعجَل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجَّلَ وأنظَر وأملى؛ ولهذا قال بعد هذا: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عَرَفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، خمسمائة عام".
ورواه الترمذي والنسائي، من حديث الثوري، عن محمد بن عمرو، به (١). وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن جرير، عن أبي هريرة موقوفا (٢)، فقال:
حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، حدثنا سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن سُمَيْر بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت: وما نصف يوم؟ قال: أوَما تقرأ القرآن؟. قلت: بلى. قال: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٣).
وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شُرَيح بن (٤) عُبَيد، عن سعد بن أبي وَقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأرجو ألا تَعْجِزَ أمتي عند ربها، أن يؤخرهم نصف يوم". قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنَان (٦)، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض.
رواه ابن جرير، عن ابن بَشّار (٧)، عن ابن مهدي (٨). وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب "الردّ على الجهمية".
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم -محمد بن الفضل-حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عَتِيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلمَ قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع. فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها، في أية لحظة ولدت كان تماما.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾.
يقول تعالى لنبيه ﷺ حين طلب منه الكفار وُقُوعَ العذاب، واستعجلوه به: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيرًا لكم بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله، إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، [و] (١) ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] و(إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حَسَنةٌ على القليل من حسناتهم.
[و] (٢) قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: إذا سمعتَ الله تعالى يقول: (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فهو الجنة.
وقوله: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ): قال مجاهد: يُثَبّطون الناس عن متابعة النبي ﷺ. وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين.
وقال ابن عباس: (مُعَاجِزِينَ): مراغمين.
(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ): وهي النار الحارة الموجعة الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.
قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغَرَانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظَنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا. ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة "النجم" فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغَرَانيق العلى. وإن شفاعتهن (١) ترتجى". قالوا: ما ذكر آلهَتنا بخير قبل اليوم. فسجَدَ وسجدوا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] (^٢»
رواه ابن جرير، عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، به نحوه (٣)، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، الشك في الحديث-أن النبي ﷺ قرأ بمكة سورة "النجم"، حتى انتهى إلى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته. ثم قال البزار: لا (٤) يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يُروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (٥).
ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي، مرسلا. وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، مرسلا أيضا (٦).
وقال قتادة: كان النبي ﷺ [يصلي] (٧) عند المقام إذ نَعَس، فألقى الشيطان على لسانه "وإن شفاعتها لترتجى. وإنها لمع الغرانيق العلى"، فحفظها المشركون. وأجرى الشيطان أن نبي الله قد قرأها، فزَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ [وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى] (^٨» الآية، فدَحَرَ الله الشيطان.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المُسَيَّبِي، حدثنا محمد بن فُلَيْح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان (٩) يتمنى هُداهم، فلما أنزل الله سورة
"النجم" قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: "وإنهن لهن الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى (١) ". وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدا، قد رجع إلى دينه الأول، ودين قومه. فلما بلغ رسول الله ﷺ [آخر النجم] (٢)، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا، فرفع على (٣) كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما (٤) من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين -ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي (٥) ألقى الشيطان في مسامع المشركين-فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطانُ في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه (٦) من الفرية، وقال [تعالى] (٧): (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم (٨) وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل.
وفي تفسير ابن جرير عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، نحوه (٩). وقد رواه الإمام (١٠) أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة" فلم يَجُزْ به موسى بن عقبة، ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.
قلت: وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القُرَظِيّ، وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﷺ، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما
كان من صنيع الشيطان لا من رسول الرحمن ﷺ، والله أعلم (١).
وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. وقد تعرض القاضي عياض، ﵀، في كتاب "الشفاء" لهذا، وأجاب بما حاصله (٢).
(١) معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٩٤).
(٢) كذا في جميع النسخ وكلام القاضي عياض في الشفاء (٢/ ١٠٧) أذكره مختصرا له، قال ﵀: "فاعلم، أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله. والثانى: على تسليمه. أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل .. وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: "والله ما هكذا أنزلت". إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فيما أحسب -الشك في الحديث أن النبي ﷺ كان بمكة وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. فقد بين لك أبو بكر، ﵀، أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. أما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار، ﵀. والذي منه في الصحيح: أن النبي ﷺ قرأ "والنجم" وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل. أما من جهة المعنى، فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرأن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ. أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدا وذلك كفر، أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. ووجه ثان: هو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!! ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعيرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت " وإن كادوا ليفتنونك .. " الآيتين. وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه، حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه: أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال ﷺ: افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له، وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ". وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم ذكر الأجوبة على ذلك (٢/ ١١١ - ١١٤) وممن أنكرها الإمام ابن خزيمة وقال: "هذا من وضع الزنادقة" وهذا هو الصواب. للاستزادة: انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص-٣١٤ لمحمد أبي شهبة، ونصب المجانيق لإبطال قصة الغرانيق لمحمد ناصر الدين الألباني.
وقوله: (إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، هذا فيه تسلية له، صلوات الله وسلامه عليه (١)، أي: لا يَهيدنّك ذلك، فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
قال البخاري: قال ابن عباس: (فِي أُمْنِيَّتِهِ) إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقال مجاهد: (إِذَا تَمَنَّى) (٢)] يعني: إذا قال.
ويقال: (أُمْنِيَّتِهِ): قراءته، ﴿إِلا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، يقولون ولا يكتبون.
قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: (تَمَنَّى) أي: تلا وقرأ كتاب الله، (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل:
تَمَنّى كتَابَ الله أوّل لَيْلة … وآخرَها لاقَى حمَامَ المَقَادرِ (٣)
وقال الضحاك: (إِذَا تَمَنَّى): إذا تلا.
قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام.
وقوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ)، حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فيبطل الله ﷾-ما ألقى الشيطان.
وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ (^٤»، [أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية] (٥)، (حَكِيمٌ) أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: شك وشرك وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.
قال ابن جريج: (لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هم: المنافقون (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ): المشركون.
وقال مقاتل بن حيان: هم [الكافرون] (١) اليهود.
(وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، المؤمنون بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وقوله: (فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي: يصدقوه وينقادوا له، (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي: تخضع وتذل، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم [إلى] (٢) الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.
﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار: أنهم لا يزالون في مرية، أي: في شك وريب من هذا القرآن، قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد بن جبير، وابن زيد: (مِنْهُ) أي: مما ألقى الشيطان.
(حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً): قال مجاهد: فجأة. وقال قتادة: (بَغْتَةً)، بغت [القوم] (٣) أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله (٤) إلا القوم الفاسقون.
وقوله: (أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ): قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر، وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير.
وقال عكرمة، ومجاهد [في رواية عنهما] (٥): هو يوم القيامة لا ليلة له. وكذا قال الضحاك، والحسن البصري.
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو المراد؛ ولهذا
قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، كقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.
(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم (١).
(فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ). أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: كفرت قلوبهم بالحق، وجحدوا به (٢) وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم (فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم (٣) عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾.
يخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وطلبا لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخِلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله (ثُمَّ قُتِلُوا) أي: في الجهاد (أَوْ مَاتُوا) أي: حتف أنفهم (٤)، أي: من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وقوله: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا) أي: ليُجْريَن عليهم (٥) من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ) أي: الجنة. كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨، ٨٩] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة نعيم، كما قال هاهنا: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا)، ثم قال: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ) أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك، (حَلِيمٌ) أي: يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه، وتوكلهم عليه. فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، والأحاديث في هذا كثيرة، كما تقدم (٦) وأما من تُوُفي
في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيَّب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن شُرَيْح، عن ابن (١) الحارث -يعني: عبد الكريم-عن ابن عقبة -يعني: أبا عبيدة بن عقبة-قال: حدثنا (٢) شُرَحْبِيل بن السِّمْط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان-يعني: الفارسي-﵁، فقال: إني سمعت رسول الله يقول: "من مات مرابطًا، أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن (٣) من الفَتَّانين" واقرءوا إن شئتم: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ)
وقال أيضا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام، أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس، ومعنا فَضَالة بن عبيد الأنصاري -صاحب رسول الله ﷺ-فمر بجنازتين، إحداهما قتيل والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي (٤) أرى الناس مالوا مع هذا، وتركوا هذا؟! فقالوا: هذا قتيل في سبيل الله تعالى. فقال: والله ما أبالي من أي حُفرتيهما بُعثت، اسمعوا كتاب الله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] (^٥»
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لَهِيعة، حدثنا سلامان بن عامر الشعباني، أن عبد الرحمن بن جَحْدَم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين، أحدهما أصيب بمنجنيق والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثتُ، إن الله يقول: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا [لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا] (٦) يَرْضَوْنَهُ) فما تبتغي (٧) أيها العبد إذا أدخلت مدخلا ترضاه ورزقت رزقًا حسنًا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.
ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شُرَيْح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميرًا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل (٨) والآخر متوفى … فذكر نحو ما تقدم (٩).