سورة الحج

ซูเราะฮ์ที่ 22 · ตอน 2/5 · เล่ม 5 หน้า 404–418

ج5 · ص404

النبي (١) ﷺ سجدة ثم سَجَد، فسمعته وهو يقولُ مثلَ ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.

رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن حبّان في صحيحه (٢).

وقوله: (وَالدَّوَابُّ) أي: الحيوانات كلها.

وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد: أن رسول الله ﷺ نهى عن اتخاذ ظهور الدواب (٣) منابر (٤) فرب مركوبة خير (٥) وأكثر ذكرًا لله من راكبها.

وقوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي: يسجد لله طوعا مختارًا متعبدًا بذلك، (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) أي: ممن امتنع وأبى واستكبر، (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: قيل لعلي: إن هاهنا رجلا يتكلم في المشيئة. فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء أو كما شئت (٦)؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربتُ الذي فيه عيناك بالسيف.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قرأ ابنُ آدم السجدة اعتزل (٧) الشيطان يبكي يقول: يا ويله. أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمِرتُ بالسجود فأبيتُ، فلي النار" رواه مسلم (٨).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا مَشْرَح بن هاعان (٩) أبو مُصعب المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: قلت يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: "نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما".

ورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن لهيعة، به (١٠). وقال الترمذي: "ليس بقوي (١١) " وفي هذا نظر؛ فإن ابن لَهِيعة قد صَرح فيه بالسماع، وأكثر ما نَقَموا عليه تدليسه.

(١) في ت: "رسول الله".

(٢) سنن الترمذي برقم (٥٧٩) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٣) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه".

(٣) في ف، أ: "الحيوانات".

(٤) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٥٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٥) في ف: "خيرا".

(٦) في ت، ف: "لما يشاء أو لما شئت".

(٧) في ف: "فاعتزل".

(٨) صحيح مسلم برقم (٨١).

(٩) في أ: "عاهان".

(١٠) المسند (٤/ ١٥١) وسنن أبي داود برقم (١٤٠٢) وسنن الترمذي برقم (٥٧٨).

(١١) في ف: "ليس هو بقوي".

ج5 · ص405

وقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السَّرح، أنبأنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِب (١)، عن خالد بن مَعْدان؛ أن رسول الله ﷺ قال: "فُضِّلت سورة الحج على القرآن بسجدتين".

ثم قال أبو داود: وقد أسندَ هذا، يعني: من غير هذا الوجه، ولا يصح (٢).

وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع، حدثني أبو الجهم: أن عمر سجد سجدتين في الحج، وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين (٣).

وروى أبو داود وابن ماجه، من حديث الحارث بن سعيد العُتَقيّ، عن عبد الله بن مُنَين، عن عمرو بن العاص؛ أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المُفَصّل، وفي سورة الحج سجدتان (٤). فهذه (٥) شواهد يَشُدّ بعضها بعضا.

﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾.

ثبت في الصحيحين، من (٦) حديث أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُبَاد، عن أبي ذر؛ أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) نزلت في حمزة وصاحِبَيه، وعتبةَ وصاحبيه، يوم برزوا في بدر (٧).

لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري:

حدثنا الحجاج بن مِنْهَال، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مِجْلز عن قيس بن عُبَاد، عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يَجثُو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: عليّ وحمزة وعبيدة، وشيبة ابن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري (٨).

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم. فنحن أولى بالله

(١) في ف، أ: "جيب".

(٢) المراسيل برقم (٧٨).

(٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٧) من طريق نافع عن رجل من أهل مصر أنه صلى مع عمر بن الخطاب فذكر مثله.

(٤) سنن أبي داود برقم (١٤٠١) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٥٧).

(٥) في ف: "فهو".

(٦) في ت: "عن".

(٧) صحيح البخاري برقم (٤٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (٣٠٣٣).

(٨) صحيح البخاري برقم (٤٧٤٤).

ج5 · ص406

منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم. فأفلج الله الإسلامَ على من ناوأه، وأنزل: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ). وكذا روى العَوفي، عن ابن عباس.

وقال شعبة، عن قتادة في قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: مُصدق ومكذب.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث. وقال -في رواية: هو وعطاء في هذه الآية-: هم المؤمنون والكافرون.

وقال عكرمة: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة.

وقولُ مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها؛ فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلانَ الحق وظهور الباطل. وهذا اختيار ابن جرير، وهو حَسَن؛ ولهذا قال: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) أي: فصلت لهم مقطعات من نار.

قال سعيد بن جبير: من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي.

(يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) أي: إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة.

وقال سعيد [بن جبير] (١) هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء. قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم. وكذلك تذوب (٢) جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد: تساقط.

وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطالَقاني، حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن زيد (٣)، عن أبي السَّمْح، عن ابن (٤) حُجَيرة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الحميم ليُصَب على رءوسهم، فينفُد الجمجمةَ حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت (٥) ما في جوفه، حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان".

ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك (٦)، وقال: حسن صحيح. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن المبارك، به ثم قال ابن أبي حاتم:

حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاريّ، سمعت عبد الله ابن السُّرِّيّ قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بِكَلْبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال: فيرفع مِقْمَعَة معه فيضرب

(١) زيادة من ف، أ.

(٢) في ف: "يذوب".

(٣) في ت، ف: "زيد".

(٤) في ت: "أبي".

(٥) في أ: "فيسلب".

(٦) تفسير الطبري (١٧/ ١٠٠) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٢).

ج5 · ص407

بها رأسه، فَيُفرغ (١) دماغه، ثم يُفرغ (٢) الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ)

وقوله: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ)، قال الإمام أحمد:

حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن مِقْمَعا مِن حَديد وُضِع في (٣) الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقَلُّوه من الأرض" (٤).

وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا (٥) دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لو ضُرب الجبلُ بمِقْمَع من حديد، لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلوا من غَسَّاق يُهَرَاق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (٦).

وقال ابن عباس في قوله: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون (٧) بالثبور.

وقوله: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا): قال الأعمش، عن أبي ظِبْيان، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا)

وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون.

وقال الفُضيل (٨) بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم (٩) مقامعها.

وقوله: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) كقوله ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولا وفعلا.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾.

لما أخبر تعالى عن حال أهل النار، عياذًا بالله من حالهم، وما هم فيه من العذاب والنَّكال

(١) في ت، ف: "فيقرع".

(٢) في ت: "يقرع".

(٣) في ت: "على".

(٤) المسند (٣/ ٢٩).

(٥) في ت، ف: "عن".

(٦) المسند (٣/ ٨٣) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

(٧) في ت، ف: "فيدعو".

(٨) في ت: "الفضل".

(٩) في ف: "ويردهم".

ج5 · ص408

والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة -نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة-فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) أي: تتخَرّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا) من الحلية، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) أي: في أيديهم، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: "تبلغ الحِلْيَة من المؤمن حيث يبلغ الوُضُوء" (١).

وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميتُه، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قُلْب منها -أي: سوار منها-لرد شعاع الشمس، كما ترد (٢) الشمس نور القمر.

وقوله: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ): في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير، إستبرقه وسُنْدُسه، كما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢١، ٢٢]، وفي الصحيح: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٣).

قال عبد الله بن الزبير: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة، لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)

﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.

وقوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) كقوله ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يُرَوّعون به (٤) ويقرعون به، يقال لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾

وقوله: (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم، على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الصحيح: "إنهم يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النَّفَسَ".

وقد قال بعض المفسرين في قوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) أي: القرآن. وقيل: لا إله إلا الله. وقيل: الأذكار المشروعة، (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) أي: الطريق المستقيم في الدنيا. وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.

(١) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٢) في ف: "يرد".

(٣) الحديث في صحيح البخاري برقم (٥٤٢٦) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة ﵁.

(٤) في ت: "يوبخون فيه"، وفي ف، أ: "يوبخون به".

ج5 · ص409

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾.

يقول تعالى منكرًا على الكفار في صَدّهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].

وفي هذه الآية دليل [على] (١) أنها مدنية، كما قال في سورة "البقرة": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال: هاهنا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: ومن صفتهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.

وقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) [أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعا سواء، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه، (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)] (٢) ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.

وقال مجاهد [في قوله] (٣): (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ): أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل. وكذا قال أبو صالح، وعبد الرحمن بن سابط، وعبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] (٤).

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله.

وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهَويه بمسجد الخِيف، وأحمد بن حنبل حاضر (٥) أيضًا، فذهب الشافعي، ﵀ (٦) إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري، عن علي بن الحُسَين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك (٧) بمكة؟ فقال: "وهل ترك لنا عَقيل من رباع". ثم قال: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر". وهذا الحديث مُخَرّج في الصحيحين (٨) [وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم. وبه قال طاوس، وعمرو بن دينار.

وذهب إسحاق بن راهَويه إلا أنها تورث ولا تؤجر. وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه

(١) زيادة من ت.

(٢) زيادة من ف.

(٣) زيادة من ف، أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ت: "حاضرا".

(٦) في ف: "﵁"، وفي أ: "رضي الله تعالى عنه".

(٧) في ف: "بدارك".

(٨) صحيح البخاري برقم (٦٧٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٦١٤) من حديث أسامة بن زيد ﵁.

ج5 · ص410

مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهَويه بما رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن عُمَر بن سعيد بن أبي حُسَين (١)، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نَضْلة قال: تُوُفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا] (٢) السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (٣).

وقال عبد الرزاق عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها.

وقال أيضًا عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن تُبوّب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عَرَصاتها، فكان أول من بَوّب داره سُهَيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين، إني كنت امرأ تاجرا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري قال: فذلك إذًا.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن منصور، عن مجاهد؛ أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء (٤).

قال: وأخبرنا مَعْمر، عمن سمع عطاء يقول [في قوله] (٥): (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، قال: ينزلون حيث شاءوا.

وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفا (٦) من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا (٧).

"وتوسط الإمام أحمد [فيما نقله صالح ابنه] (٨) فقال: تملك وتورث ولا تؤجر، جمعا بين الأدلة، والله أعلم.

وقوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء هاهنا زائدة، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تُنْبِتُ الدهن، وكذا قوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ (^٩» تقديره إلحادًا، وكما قال الأعشى:

ضَمنَتْ برزق عيالنا أرْماحُنا … بين المَرَاجِل، والصّريحَ الأجرد (١٠)

وقال الآخر (١١):

بوَاد يَمانِ يُنْبتُ الشَّثّ صَدْرُهُ … وَأسْفَله بالمَرْخ والشَّبَهَان

(١) في ت: "جبير"، وفي ف، أ: "حيوة".

(٢) زيادة من ت، ف، أ.

(٣) سنن ابن ماجه برقم (٣١٠٧) وهو مرسل.

(٤) في ت، ف: "شاء".

(٥) زيادة من ف، أ.

(٦) في ف، أ: "مرفوعا".

(٧) سنن الدارقطني (٢/ ٣٠٠)

(٨) زيادة من ف، أ.

(٩) في ف، أ: "بإلحاد بظلم".

(١٠) البيت في تفسير الطبري (١٧/ ١٠٣).

(١١) البيت في تفسير الطبري (١٧/ ١٠٣) غير منسوب.

ج5 · ص411

والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى "يَهُمّ"، ولهذا (١) عداه بالباء، فقال: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) أي: يَهُمّ فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار.

وقوله: (بِظُلْمٍ) أي: عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج (٢)، عن ابن عباس: هو [التعمد] (٣).

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (بِظُلْمٍ) بشرك.

وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله. وكذا قال قتادة، وغير واحد.

وقال العَوْفي، عن ابن عباس: (بِظُلْمٍ) هو أن تَستحلَ من الحرم ما حَرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فَعَلَ ذلك فقد وجب [له] (٤) العذاب الأليم.

وقال مجاهد: (بِظُلْمٍ): يعمل فيه عملا سيئا.

وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقَب البادي فيه الشر، إذا كان عازما عليه، وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره:

حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السُّدِّي: أنه سمع مُرَّة يحدث عن عبد الله -يعني ابن مسعود-في قوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قال: لو أن رَجُلا أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعَدَن أبينَ، أذاقه (٥) الله من العذاب الأليم.

قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد، عن يزيد بن هارون، به (٦).

[قلت: هذا الإسناد] (٧) صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه؛ ولهذا صَمم شعبة على وَقْفه من كلام ابن مسعود. وكذلك رواه أسباط، وسفيان الثوري، عن السدي، عن مُرة، عن ابن مسعود موقوفا، والله أعلم.

وقال الثوري، عن السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعَدَن أبينَ هَمّ أن يقتل رجلا بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم. وكذا قال الضحاك بن مُزاحم.

وقال سفيان [الثوري] (٨)، عن منصور، عن مجاهد "إلحاد فيه"، لا والله، وبلى والله. وروي عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، مثله.

(١) في ف: "ولذا".

(٢) في ت: "جرير".

(٣) زيادة من ف، أ.

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ت، ف، أ: "لأذاقه".

(٦) المسند (١/ ٤٢٨)

(٧) زيادة من ف، أ.

(٨) زيادة من ف.

ج5 · ص412

وقال سعيد بن جُبَير: شتم الخادم ظلم فما فوقَه.

وقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن مِهْرَان، عن ابن عباس في قوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قال: تجارة الأمير فيه.

وعن ابن عمر: بيع الطعام [بمكة] (١) إلحاد.

وقال حبيب (٢) بن أبي ثابت: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قال: المحتكر بمكة. وكذا قال غير واحد.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد" (٣).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر (٤)، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قول الله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاريّ، ثم ارتد عن الإسلام، وهَرَب إلى مكة، فنزلت فيه: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد يعني بميل عن الإسلام.

وهذه الآثار، وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكنْ هُو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٤، ٥]، أي: دمَّرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء؛ ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسِف بأولهم وآخرهم" الحديث (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كُنَاسة، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إياك والإلحاد في حَرَم الله، فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنه سيلحدُ فيه رجل من قريش، لو تُوزَن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت"، فانظر لا تكن هو (٦).

وقال أيضا [في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص] (٧): حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد،

(١) زيادة من ت، ف، أ.

(٢) في ت: "جندب".

(٣) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٢٠)، والفاكهي في تاريخ مكة برقم (١٧٧١) من طريق أبي عاصم به.

(٤) في ت، ف: "بكر".

(٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢١١٨) من حديث عائشة ﵂.

(٦) المسند (٢/ ١٣٦)

(٧) زيادة من ف، أ.

ج5 · ص413

حدثنا سعيد بن عمرو قال: أتى عبدُ الله بن عمرو ابنَ الزبير، وهو جالس في الحِجْر فقال: يا ابن الزبير، إياك والإلحادَ في الحرم، فإني أشهد لسَمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يحلها ويحل به رجل من قريش، ولو وُزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها". قال: فانظر لا تكن (١) هو (٢).

ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾.

هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله، وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسسّتْ من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بَوأ إبراهيم مكانَ البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه.

واستدل به كثير ممن قال: "إن إبراهيم، ﵇، هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله"، كما ثبت في الصحيح (٣) عن أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وُضعَ أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس". قلت كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" (٤).

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].

وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار، بما أغنى عن إعادته هاهنا (٥).

وقال تعالى هاهنا: (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي) أي: ابْنه على اسمي وحدي، (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) قال مجاهد وقتادة: من الشرك، (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي: اجعله خالصا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له.

فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، (وَالْقَائِمِينَ) أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.

(١) في ت: "لا يكون" وفي ف: "لا تكون".

(٢) المسند (٢١٩١٢).

(٣) في ف: "الصحيحين".

(٤) صحيح البخاري برقم (٣٣٦٦) وصحيح مسلم برقم (٥٢٠)

(٥) انظر تفسير الآية: ١٢٥ من سورة البقرة.

ج5 · ص414

وقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) أي: ناد في الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه. فَذُكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقيل: ناد وعلينا البلاغ.

فقام على مقامه، وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قُبَيس، وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمَعَ مَن في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حَجَر ومَدَر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: "لبيك اللهم لبيك".

هذا مضمون ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وغير واحد من السلف، والله أعلم.

أوردها ابن جَرير، وابن أبي حاتم مُطَوّلة (١) (٢).

وقوله: (يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) قد يَستدلّ بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيا، لمن قدر عليه، أفضلُ من الحج راكبا؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، والذي عليه الأكثرون أن الحج راكبا أفضل؛ اقتداء برسول الله ﷺ، فإنه حج راكبا مع كمال قوته، ﵇.

وقوله: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ) يعني: طريق، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الأنبياء: ٣١].

وقوله: (عَمِيقٍ) أي: بعيد. قاله مجاهد، وعطاء، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والثوري، وغير واحد.

وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبراهيم، حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.

﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.

قال ابن عباس: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدْن والربح (٣) والتجارات. وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].

(١) في ف: "بطوله".

(٢) تفسير الطبري (١٧/ ١٠٦).

(٣) في ت، ف، أ: "والذبائح".

ج5 · ص415

وقوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] (١) عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ) قال شعبة [وهُشَيْم] (٢) عن [أبي بشر عن سعيد] (٣) عن ابن عباس: الأيام المعلومات: أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به (٤). ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النَّخعي. وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل.

وقال البخاري: حدثنا محمد بن عَرْعَرَة، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل، يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء".

ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٥). وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر.

قلت: وقد تقصيت هذه الطرق، وأفردت لها جزءًا على حدته (٦)، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا عَفَّان، أنبأنا أبو عَوَانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العملُ فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهم من التهليل والتكبير والتحميد" (٧) وروي من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر، بنحوه (٨). وقال البخاري: وكان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (٩).

وقد روى أحمد عن جابر مرفوعا: أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢] (١٠).

وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢].

وفي سنن أبي داود: أن رسول الله ﷺ كان يصوم هذا العشر (١١).

وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة، فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية" (١٢).

(١) زيادة من ف، أ.

(٢) زيادة من ف، أ.

(٣) زيادة من ف، أ.

(٤) صحيح البخاري (٢/ ٤٥٧) "فتح".

(٥) صحيح البخاري برقم (٩٦٩) وسنن أبي داود برقم (٢٤٣٨) وسنن الترمذي برقم (٧٥٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٧٢٧).

(٦) سماه: "الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة".

(٧) المسند (٢/ ٧٥).

(٨) رواه أبو عوانة -كما في إرواء الغليل (٣٩٨١٣) عن الحافظ ابن حجر- من طريق موسى بن أبي عائشة عن مجاهد عن ابن عمر ﵄.

(٩) صحيح البخاري (٢/ ٤٥٧) "فتح".

(١٠) المسند (٣/ ٣٢٧).

(١١) سنن أبي داود برقم (٢٤٣٧).

(١٢) صحيح مسلم برقم (١١٦٢) من حديث أبي قتادة ﵁.

ج5 · ص416

ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله (١).

وبالجملة، فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، ففضله كثير على عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك، من صيام وصلاة وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.

وقيل: ذاك أفضل لاشتماله على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.

وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل. وبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم.

قول ثان في الأيام المعلومات: قال الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده. ويروى هذا عن ابن عمر، وإبراهيم النَّخَعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه.

قول ثالث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني نافع؛ أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم النحر.

هذا إسناد صحيح إليه، وقاله (٢) السدي: وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ) يعني به: ذكر الله عند ذبحها.

قول رابع: إنها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم آخر بعده. وهو مذهب أبي حنيفة.

وقال ابن وهب: حدثني (٣) ابن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: المعلومات يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.

وقوله: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ) يعني: الإبل والبقر والغنم، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام وأنها ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٣].

وقوله (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله ﷺ لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسا من مرقها (٤).

وقال عبد الله بن وهب: [قال لي مالك: أحب أن يأكل من أضحيته؛ لأن الله يقول: (فَكُلُوا مِنْهَا): قال ابن وهب] (٥) وسألت الليث، فقال لي مثل ذلك.

(١) رواه أحمد في المسند (٤/ ٣٥٠) وأبو داود في السنن برقم (١٧٦٥) من حديث عبد الله بن قرط ﵁.

(٢) في ت: "وقال".

(٣) في ت، ف: "وقال ابن وهب وحدثني".

(٤) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.

(٥) زيادة من ف، أ.

ج5 · ص417

وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: (فَكُلُوا مِنْهَا) قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل، ومن شاء لم يأكل. وروي عن مجاهد، وعطاء نحو ذلك.

قال هُشَيْم، عن حُصَين، عن مجاهد في قوله (فَكُلُوا مِنْهَا): هي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ (١) الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف بقوله في هذه الآية: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، فجزأها نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء.

والقول الآخر: أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به؛ لقوله في الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وسيأتي الكلام عليها عندها، إن شاء الله، وبه الثقة.

وقوله: (الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس، [والفقير] (٢) المتعفف.

وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده. وقال قتادة: هو الزّمِن. وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.

وقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو وضع [الإحرام] (٣) من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظفار، ونحو ذلك. وهكذا روى عطاء ومجاهد، عنه. وكذا قال عكرمة، ومحمد بن كعب القُرَظي.

وقال عكرمة، عن ابن عباس: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) قال: التفث: المناسك.

وقوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: نحر ما نذر من أمر البُدن.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ): (٤) نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.

وقال إبراهيم بن مَيْسَرَة، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال: الذبائح.

وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) كل نذر إلى أجل.

وقال عكرمة: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)، قال: [حجهم.

وكذا روى الإمام ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال:] (٥) نذر الحج، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه: الطواف بالبيت

(١) في ت: "قضيتم".

(٢) زيادة من ف، أ.

(٣) زيادة من ف، أ.

(٤) زيادة من ت، ف، أ.

(٥) زيادة من ت، ف، أ".

ج5 · ص418

وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أمروا به. وروي عن مالك نحو هذا.

وقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول (١) الله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت.

قلت: وهكذا صنع رسول الله ﷺ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ يرمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض (٢).

وقوله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ): فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل (٣) البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة؛ ولهذا طاف رسول الله ﷺ من وراء الحِجْر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة؛ ولهذا قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدَني، حدثنا سفيان، عن هشام بن حُجْر، عن رجل، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، طاف رسول الله ﷺ من ورائه (٤).

وقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [قال] (٥): لأنه أول بيت وضع للناس. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح.

وقال خَصِيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط.

وقال ابن أبي نَجِيح وليث عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه. وكذا قال قتادة.

وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يُرِده أحد بسوء إلا هلك.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن الزبير قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة (٦).

وقال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني

(١) في ت: "فيقول".

(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٩) وصحيح مسلم برقم (١٣٢٨) من حديث ابن عباس ﵄.

(٣) في أ: "داخل".

(٤) ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٦/ ٤١).

(٥) زيادة من ف، أ.

(٦) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٣٢).