سورة الكهف

ซูเราะฮ์ที่ 18 · ตอน 5/6 · เล่ม 5 หน้า 193–207

ج5 · ص193

قلت: الحمأة. قال: فما الحرْمَد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا ابن عباس رجلا أو غلامًا فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل.

وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) فقال كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدًا يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة: تغرب في مدرة سوداء.

وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف قال: في تفسير ابن جريج (وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا) قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وُجُوب الشمس حين تجب.

وقوله: (وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا) أي: أمة من الأمم، ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم.

وقوله: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) معنى هذا: أن الله تعالى مكنه منهم (١) وحكمه فيهم، وأظفره بهم (٢) وخيره: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى (٣). فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه (٤)

في قوله: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) أي: من استمر على كفره وشركه بربه (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ) قال قتادة: بالقتل: وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها (٥) حتى يذوبوا. وقال وهب بن منبه: كان يسلط الظلمة، فتدخل أفوافهم وبيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم والله أعلم.

وقوله: (٦) (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا) أي: شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا. وفيه (٧) إثبات المعاد والجزاء.

وقوله: (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ) أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له (فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) أي: في الدار الآخرة عند الله، ﷿، (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) قال مجاهد: معروفًا.

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾.

يقول: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها (٨)، وكان كلما مرّ بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ﷿، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم، واستباح أموالهم، وأمتعتهم واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على أهل (٩) الإقليم المتاخم لهم. وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفا وستمائة سنة يجوب (١٠) الأرض طولها والعرض (١١) حتى بلغ المشارق والمغارب. ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ)

(١) في ت: "فيهم".

(٢) في ت: "وأظفره عليهم"، وفي ف، أ: "وأظهره عليهم".

(٣) في ف، أ: "وافتدى".

(٤) في ت: "وثباته".

(٥) في ف: "فيه".

(٦) في ت: "فقوله".

(٧) في أ: "وفي هذا".

(٨) في ت: "من مطلع الشمس إلى مغربها".

(٩) في أ: "قتال".

(١٠) في ف، أ: "يخرب".

(١١) في ف، أ: "طولها وعرضها".

ج5 · ص194

أي: أمة (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس.

قال سعيد بن جبير: كانوا حُمرًا قصارًا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل (١) بن أبي الصلت، سمعت الحسن وسئل عن قوله تعالى: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) قال: إن أرضهم (٢) لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا (٣) في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم. قال (٤) الحسن: هذا حديث سمرة (٥).

وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت (٦) الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.

وعن سلمة بن كُهَيْل أنه قال: ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفترش إحداهما (٧) ويلبس الأخرى.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) قال: هم الزنج (٨).

وقال ابن جريج في قوله: (وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابًا لهم (٩) حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها (١٠) جبل، جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها. قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيفُ جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض.

وقوله: (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا) قال مجاهد، والسدي: علمًا، أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى: ﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]

(١) في أ: "سهيل".

(٢) في ت: "أرضيكم".

(٣) في ت: "فقعدوا"، وفي أ: "يغوروا".

(٤) في ت، ف: "فقال".

(٥) ورواه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٢) من طريق إبراهيم بن المستمر، عن أبي داود به.

(٦) في ت: "غربت".

(٧) في ف، أ: "واحدة".

(٨) تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٤٦).

(٩) في ت: "أسرابا بهم".

(١٠) في أ: "بها".

ج5 · ص195

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا) أي: ثم سلك طريقًا من مشارق الأرض. (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) وهما جبلان متناوحان بينهما ثُغْرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم، ﵇، كما ثبت في الصحيحين: "إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بَعْثَ النار. فيقول: وما بَعْثُ النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة؟ فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فيقال: إن فيكم أمّتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج" (١).

وقد حكى النووي (٢)، ﵀، في شرح "مسلم" عن بعض الناس: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك (٣) فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء. وهذا قول غريب جدًا، [ثم] (٤) لا دليل عليه لا من عقل ولا [من] (٥) نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث (٦) المفتعلة، والله أعلم.

وفي مسند (٧) الإمام أحمد، عن سَمُرَة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "وَلَدُ نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك" (٨). قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: [إنما (٩) سموا هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من (١٠) هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة (١١). وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [وطولهم] (١٢) وقصر بعضهم، وآذانهم (١٣). وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح (١٤) أسانيدها، والله أعلم.

وقوله: (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا) [أي] (١٥): لاستعجام كلامهم وبعدهم

(١) صحيح البخاري برقم (٦٥٣٠) وصحيح مسلم برقم (٢٢٢) من حديث أبي سعيد، ﵁.

(٢) في أ: "النواوي".

(٣) شرح النووي (٣/ ٩٧).

(٤) زيادة من ف، أ.

(٥) زيادة من ت، ف.

(٦) في ت: "من الأكاذيب".

(٧) في ف، أ: "المسند".

(٨) المسند (٥/ ٩).

(٩) في أ: "وإنما".

(١٠) في أ: "فمن".

(١١) في أ: "وجرأة".

(١٢) زيادة من ف، أ.

(١٣) تفسير الطبري (١٦/ ١٤).

(١٤) في ف، أ: "لا يصح".

(١٥) زيادة من ف، أ.

ج5 · ص196

عن الناس.

(قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أجرًا عظيمًا، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سدًا. فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: (مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين (١) خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦] وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني (بِقُوَّةٍ) أي: بعملكم وآلات البناء، (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) والزبر: جمع زُبْرَة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهي كاللبنة (٢)، يقال: كل لبنة [زنة] (٣) قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه.

(حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) أي: وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولا وعرضًا. واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال. (قَالَ انْفُخُوا) أي: أجج (٤) عليه النار حتى صار كله نارًا، (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسُّدي: هو النحاس. وزاد بعضهم: المذاب. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] ولهذا يشبه (٥) بالبرد المحبر.

قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: "انعته لي" قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء. وطريقة حمراء. قال: "قد رأيته". هذا حديث مرسل. (٦)

وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، ووجه (٧) معه جيشًا سرية، لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا. فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن مُلْك إلى مُلْك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه (٨) أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك. وأن عنده حرسًا (٩) من الملوك المتاخمة له، وأنه منيف عال (١٠)، شاهق، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال. ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين،

(١) في أ: "والتمكن".

(٢) في أ: "اللبنة".

(٣) زيادة من ف، أ.

(٤) في ف: "أججوا".

(٥) في أ: "شبه".

(٦) وقد روي موصولا من طرق: فرواه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف (٢/ ٣١٢) من طريق أبي الجماهر -سعيد بن بشير- عن قتادة، عن رجل، عن أبي بكرة الثقفي: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني قد رأيته، فذكر نحوه. ورواه البزار في مسنده كما في تخريج الكشاف (٢/ ٣١٣) من طريق عبد الملك بن أبي نعامة عن يوسف بن أبي مريم، عن أبي بكرة بنحوه مطولا. ورواه ابن مردويه أيضا من طريق سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي ﷺ، فذكر نحوه.

(٧) في ف، أ: "وجهز".

(٨) في ت: "وعلى".

(٩) في ف، أ: "سرحا".

(١٠) في ت، ف، أ: "عال منيف".

ج5 · ص197

وشاهدوا أهوالا وعجائب.

ثم قال الله تعالى:

﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا (١) فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله. ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) وهذا دليل على أنهم لم (٢) يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد:

حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس (٣) [حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس] (٤) قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته (٥) حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون (٦) على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، [فترجع وعليها هيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء] (٧). فيبعث الله عليهم نغفا (٨) في أقفائهم، فيقتلهم بها". قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم" (٩).

ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب-عن سفيان، عن قتادة، به (١٠). وكذا رواه (١١) ابن ماجه، عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قال: حدث رافع. وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عوانة، عن قتادة (١٢). ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

(١) في ف، أ: "يصعدوا من".

(٢) في ت: "لا".

(٣) في أ: "على النار".

(٤) زيادة من ف، أ، والمسند.

(٥) في أ: "كهيئة".

(٦) في ت: "ويخرجونهم".

(٧) زيادة من ف، أ، والمسند.

(٨) في أ: "نغيفا".

(٩) المسند (٢/ ٥١٠).

(١٠) المسند (٢/ ٥١١).

(١١) في أ: "رواه الإمام".

(١٢) سنن ابن ماجة برقم (٤٠٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣١٥٣).

ج5 · ص198

وهذا إسناده قوي، ولكن في (١) رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه (٢) إلا القليل، فيقولون: غدًا نفتحه. فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه (٣) إلا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: "إن شاء الله"، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا مُتَّجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب. فإنه كثيرًا ما كان يجالسه (٤) ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم (٥) بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم.

ويؤكد ما قلناه (٦) -من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع-قول الإمام أحمد:

حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن [زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن] (٧) زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ -قال سفيان: أربع نسوة-قالت: استيقظ النبي ﷺ من نومه. وهو محمر وجهه، وهو يقول: "لا إله إلا الله! ويل للعرب (٨) من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا". وحَلَّق. قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث".

هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، من حديث الزهري (٩)، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة، وأثبتها مسلم. وفيه أشياء (١٠) عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة (١١) الإسناد، منها رواية الزهري عن عروة، وهما تابعيان ومنها (١٢) اجتماع أربع نسوة في سنده، كلهن يروي بعضهن عن بعض. ثم كل منهن صحابية (١٣)، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان، ﵅.

وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضًا، فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا مُؤمَّل بن إسماعيل، حدثنا وهيب (١٤)، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وعقد التسعين. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب (١٥)، به (١٦).

﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾.

(١) في ف، أ: "ولكن متنه في".

(٢) في ف: "فيه".

(٣) في ف، أ: "فيه".

(٤) في ت: "كان كثيرا ما يجالسه".

(٥) في ت: "فيقرهم".

(٦) في أ: "قلنا".

(٧) زيادة من ف، أ، والمسند.

(٨) في ت: "للغريب".

(٩) المسند (٦/ ٤٢٨) وصحيح البخاري برقم (٧١٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨٠).

(١٠) في أ: إسناد.

(١١) في ت: "صياغة".

(١٢) في أ: "وفيما".

(١٣) في أ: "منهم صاحبيه".

(١٤) في ت: "وهب".

(١٥) في ت: "وهب".

(١٦) صحيح البخاري برقم (٧١٣٦) وصحيح مسلم برقم (٢٨٨١).

ج5 · ص199

وقوله: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) أي: لما بناه ذو القرنين (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) أي: بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العيث (١) في الأرض والفساد. (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي) أي: إذا اقترب الوعد الحق (جَعَلَهُ دَكَّاءَ) أي: ساواه (٢) بالأرض. تقول العرب: ناقة دكاء: إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي: مساويًا للأرض (٣).

وقال عكرمة في قوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ) قال: طريقًا كما كان.

(وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) أي: كائنًا لا محالة.

وقوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ [يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ]) (٤) أي: الناس يومئذ أي: يوم يدك (٥) هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) قال: ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه [إن شاء الله تعالى] (٦) عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧] وهكذا قال هاهنا: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) قال ابن زيد في قوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) قال: هذا أول يوم القيامة، (وَنُفِخَ (٧) فِي الصُّورِ) على أثر ذلك (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا).

وقال آخرون: بل المراد بقوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن.

وروى ابن جرير، عن محمد بن حميد، عن يعقوب القمي (٨) عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة (٩) في قوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر. فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد بطنوا (١٠) الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا (١١) الأرض فيقول: "ما من محيص". ثم يظعن يمينًا وشمالا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة بطنوا (١٢) الأرض فيقول: "ما من محيص" فبينما هو كذلك، إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنًا من خزان النار، فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟! ألم تكن في الجنان؟! فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض عليّ فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من

(١) في أ: "العبث".

(٢) في ت، أ: "واساه".

(٣) في ت: "الأرض".

(٤) زيادة من ف، أ.

(٥) في ت: "بذكر".

(٦) زيادة من ف، أ.

(٧) في ت: "ينفخ".

(٨) في أ: "العمى".

(٩) في أ: "قرارة".

(١٠) في أ: "قد تطبقوا".

(١١) في أ: "قد تطبقوا".

(١٢) في أ: "قد تطبقوا".

ج5 · ص200

خلقه. فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة. فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه فيقذفهم في النار. فتزفر النار (١) زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مُرسل إلا جثا لركبتيه (٢)

وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون عن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) قال: الجن الإنس، يموج بعضهم في بعض.

وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني (٣)، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتايس (٤) ومنسك". (٥) هذا حديث غريب بل منكر ضعيف.

وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء، يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا" (٦)

وقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ): والصور كما جاء في الحديث: "قرن ينفخ" فيه والذي ينفخ فيه إسرافيل، ﵇، كما قد تقدم في الحديث بطوله، والأحاديث فيه كثيرة.

وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا: "كيف أنعم، وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته واستمع متى يؤمر". قالوا: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" (٧)

وقوله (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) أي: أحضرنا الجميع للحساب قُلْ ﴿إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]

(١) في أ: "جهنم".

(٢) تفسير الطبري (١٦/ ٢٣).

(٣) في ف، أ: "الأصبهاني".

(٤) في ت، ف: "تاريس".

(٥) الحديث في مسند الطيالسى برقم (٢٢٨٢) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٦): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات". تنبيه: وقع في مجمع الزوائد "تاول وتاريس ومنسك" وعند الطيالسى "تاويل وتاريس وتارليس ومنسك" وفي المطالب العالية "تاويل وتاريس وناسك".

(٦) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٣٤).

(٧) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٤٣١) وقال: "هذا حديث حسن".

ج5 · ص201

﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا (١٠٢)﴾

يقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار يوم القيامة: أنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.

وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زِمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك [يجرونها] (١) (٢)

ثم قال مخبرًا عنهم: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي) أي: تعاموا وتغافلوا وتصاموا (٣) عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقال هاهنا: (وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه.

ثم قال (أَفَحَسِبَ (٤) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ) أي: اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك، وينتفعون بذلك؟ ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]؛ ولهذا أخبر أنه قد أعدّ لهم جهنم يوم القيامة منزلا.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾.

قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عَمْرو، عن مُصْعَب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا) أهم الحَرُورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد ﵁، يسميهم الفاسقين (٥).

(١) زيادة من ف، أ، ومسلم.

(٢) صحيح مسلم برقم (٢٨٤٢).

(٣) في أ: "تصامموا".

(٤) في ت: "أفحسبتم" وهو خطأ.

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٧٢٨).

ج5 · ص202

وقال علي بن أبي طالب (١) والضحاك، وغير واحد: هم الحرورية.

ومعنى هذا عن علي، ﵁: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء (٢) بل هي أعم من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل (٣) وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤] وقوله (٤) تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].

وقال في هذه الآية الكريمة: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ) أي: نخبركم (بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا)؟ ثم فسرهم فقال: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) أي" يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون.

وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ) أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير (٥).

قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزَّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين (٦) يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال: "اقرؤوا إن شئتم: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا).

وعن يحيى بن بُكَيْر، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، مثله (٧).

هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا (٨). وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير، به (٩).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التَّوْأمة، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها". قال: وقرأ: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)

وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى

(١) في ت: "طلحة".

(٢) في أ: "هو".

(٣) في ت: "وقيل".

(٤) في ت، ف، أ: "وقال".

(٥) في ت: "من الخير".

(٦) في ت: "السمين العظيم".

(٧) صحيح البخاري برقم (٤٧٢٩).

(٨) في ت: "مغلقا".

(٩) صحيح مسلم برقم (٢٧٨٥).

ج5 · ص203

التوأمة، عن أبي هريرة، ﵁، مرفوعًا (١) فذكره بلفظ البخاري سواء.

وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عُمَارة (٢) حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له. فلما قام على النبي ﷺ قال: "يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنًا" (٣).

ثم قال: تفرّد به واصل مولى أبي عنبسة (٤) وعون (٥) بن عُمَارة (٦) وليس بالحافظ، ولم يتابع عليه. وقد قال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر (٧) عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا: (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)﴾ (٨).

وقوله: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا) أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم، بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا، استهزءوا بهم، وكذبوهم أشد التكذيب.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا (١٠٨)﴾

يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس.

قال مجاهد: الفردوس هو: البستان بالرومية.

وقال كعب، والسدي، والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب.

وقال أبو أمامة (٩) الفردوس: سرة (١٠) الجنة.

وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.

وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير (١١)، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَة، عن النبي ﷺ: "الفردوس (١٢) ربوة الجنة، أوسطها وأحسنها" (١٣)

(١) تفسير الطبري (١٦/ ٢٩).

(٢) في ت: "عامر".

(٣) مسند البزار برقم (٢٩٥٦) "كشف الأستار".

(٤) في ت: "مولى عن عبيد"، وفي ف، أ: "مولى أبي عيينة".

(٥) في ف، أ: "وعنه عون".

(٦) في ت: "عامر".

(٧) في ت: "سمرة".

(٨) تفسير الطبري (١٦/ ٢٩) ".

(٩) في ت: "أسامة".

(١٠) في ت: "شجرة".

(١١) في ف، أ: "بشر".

(١٢) في ت: "والفردوس".

(١٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢١٣) من طريق أبي الجماهر، عن سعيد بن بشير به.

ج5 · ص204

وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا. وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه. وقد نقله (١) ابن جرير، ﵀ (٢)

وفي الصحيحين: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط (٣) الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة" (٤)

وقوله: (نزلا) أي ضيافة، فإن النزل هو الضيافة.

وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: مقيمين ساكنين (٥) فيها، لا يظعنون عنها أبدًا، (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا) أي: لا يختارون (٦) غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر (٧)

فَحَّلْت سُوَيدا القَلْب لا أنَا بَاغيًا … سواها ولا عَنْ حُبّها أتَحوّلُ

وفي قوله: (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا) تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم (٨) فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا ولا ظعنًا (٩) ولا رحلة (١٠) ولا بدلا (١١)

﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾.

يقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تكتب (١٢) به كلمات ربى وحكمه وآياته الدالة (١٣) عليه، (لَنَفِدَ الْبَحْرُ) أي: [لفرغ البحر] (١٤) قبل أن يفرغ من كتابة ذلك (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ) أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].

قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور (١٥) كلها، وقد أنزل الله ذلك: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).

(١) في أ: "ذكر ذلك كله".

(٢) تفسير الطبري (١٦/ ٣٠) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣١٧٤) من طريق روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، ﵁، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

(٣) في ت: "وأوسطه".

(٤) صحيح البخاري برقم (٧٤٢٣).

(٥) في ف، أ: "ماكثين".

(٦) في ت: "لا تختارون".

(٧) هو النابغة الجعدي، والبيت في مغني اللبيب (ص ٢٦٥) أ. هـ مستفادا من حاشية ط - الشعب.

(٨) في أ: "أنه قد توهم".

(٩) في ت: "ضعفا".

(١٠) في أ: "رحيلة".

(١١) في ت، ف، أ: "بديلا".

(١٢) في ف: "يكتب".

(١٣) في ت، ف، أ: "والدلالات".

(١٤) زيادة من ت، ف، أ.

(١٥) في ت: "البحر".

ج5 · ص205

يقول: لو كان البحر مدادا [لكلمات الله] (١)، والشجر كله أقلام (٢)، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول (٣)، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة (٤)، كحبة من خردل في خلال الأرض [كلها] (٥).

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.

روى الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال: هذه آخر آية أنزلت (٦).

يقول لرسوله محمد ﷺ (٧): (قُلْ) لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فمن زعم (٨) أني كاذب، فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما (٩) أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق (١٠) في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ) الذي أدعوكم إلى عبادته، (إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا شريك له، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) أي: ثوابه وجزاءه الصالح، (فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا)، وهو ما كان موافقًا لشرع الله (وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل. لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابُا (١١) على شريعة رسول الله [ﷺ] (١٢). وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا. حتى نزلت هذه الآية: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

وهكذا أرسل هذا مجاهد، وغير واحد.

وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شَهْر بن حَوْشَب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلا يصلي، يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحْمَد، ويصوم ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: "أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك (١٣) فهو له كله، لا حاجة لي فيه". (١٤)

(١) زيادة من أ.

(٢) في أ: "والشجر أقلام كلها".

(٣) في ت، أ: "يقول".

(٤) في أ: "الجنة".

(٥) زيادة من ت، ف، أ.

(٦) المعجم الكبير (١٩/ ٣٩٢) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٤): "رجاله ثقات".

(٧) في ت، ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".

(٨) في ف، أ: "يزعم".

(٩) في أ: "مما".

(١٠) في ت، أ: "المطابق".

(١١) في ت: "صوابا خالصا له".

(١٢) زيادة من ف، أ.

(١٣) في أ: "شرك".

(١٤) تفسير الطبري (١٦/ ٣٢).

ج5 · ص206

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ، فنبيت عنده، تكون (١) له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا. فكثر المحتسبون (٢) وأهل النُّوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى] (٣). قال: فقلنا: تبنا إلى الله، أي نبيّ الله، إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ " قال: قلنا: بلى. قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل". (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بَهْرَام-قال: قال شَهْر بن حَوْشَب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان (٥) أن تريا الرجل من ثبج المسلمين -يعني من وسط-قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله وحرم (٦) حرامه، ونزل عند منازله، لا يَحُورُ فيكم إلا كما يَحُور (٧) رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس، ﵁، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من الشهوة الخفية والشرك". فقال عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء: اللهم غفرًا. أو لم يكن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. وأما الشهوة الخفية (٨) فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [أو تصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل أو صام له] (٩) أو تصدق له، لقد أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (١٠): من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك؟ " فقال (١١) عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عن ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن [حَشْده] (١٢) عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني" (١٣).

طريق [أخرى] (١٤) لبعضه: قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نُسيّ، عن شداد بن أوس، ﵁، أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله [فذكرته] (١٥) فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: "أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية". قلت: يا رسول الله، أتشرك أمتك [من بعدك؟] (١٦) قال: "نعم،

(١) في ت، ف: "تأذن"، وفي أ: "نأذن".

(٢) في أ: "المجسسون".

(٣) زيادة من ف، أ، والمسند.

(٤) المسند (٣/ ٣٠) وفي إسناده ربيح بن عبد الرحمن قال أحمد: ليس بمعروف، وقال البخاري: منكر الحديث.

(٥) في أ: "ليوشكان".

(٦) في ت: "فحرم".

(٧) في ت، ف، أ: "لايجوز منكم إلا كما يجوز".

(٨) في أ: "حفية".

(٩) زيادة من ف، أ، والمسند.

(١٠) زيادة من ف، أ، والمسند.

(١١) في ف، أ: "قال".

(١٢) زيادة من ف، أ.

(١٣) المسند (٤/ ١٢٥).

(١٤) زيادة من ف، أ.

(١٥) زيادة من ف، أ.

(١٦) زيادة من ف، أ.

ج5 · ص207

أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائمًا فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه (١).

ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذَكْوَان، عن عبادة بن نُسيّ، به (٢). وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر.

حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين (٣) بن عليّ بن جعفر الأحمر، حدثنا عليّ بن ثابت، حدثنا قيس بن (٤) أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، من (٥) أشرك بي أحدًا فهو له كله".

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، يرويه عن ربه، ﷿، أنه قال: "أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك". تفرّد به من هذا الوجه (٦).

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا لَيْث، عن يزيد -يعني ابن الهاد-عن عمرو، عن محمود بن لبيد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" (٧)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (٨) أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر-أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة-أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".

وأخرجه الترمذي وابن ماجه، [من حديث محمد بن] (٩) بكر (١٠) وهو البُرساني، به (١١)

حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة (١٢) -عن أبي بكرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به" (١٣).

وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد

(١) في أ: "صيامه".

(٢) المسند (٤/ ١٢٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٠٥).

(٣) في ف، أ: "الحسن".

(٤) في أ: "عن".

(٥) في أ: "فمن".

(٦) المسند (٢/ ٣٠١) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٩٣٨) من طريق محمد بن جعفر به.

(٧) المسند (٥/ ٤٢٨) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٢): "رجاله رجال الصحيح".

(٨) في ف، أ: "بكير".

(٩) زيادة من ف، أ.

(١٠) في ف، أ: بكير".

(١١) المسند (٤/ ٢١٥) وسنن الترمذي برقم (٣١٥٤) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٠٣).

(١٢) في ف، أ: "بكر".

(١٣) المسند (٥/ ٤٥).