سورة الكهف

ซูเราะฮ์ที่ 18 · ตอน 2/6 · เล่ม 5 หน้า 148–162

ج5 · ص148

وقوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ) إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به، وإلا وَقَفْنَا حيث وقفنا.

وقوله: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله، ﷿، كانوا سبعة. وكذا روى ابن جريج، عن (١) عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله، ويقول: عدتهم سبعة.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار (٢) حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ) قال: أنا من القليل، كانوا سبعة.

فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس: أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.

وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: لقد حُدّثتُ أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وَضَح الوَرِق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله، يبكون (٣) ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا (٤) وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم، ومجسيميلنينا وتمليخا (٥) ومرطونس، وكشطونس، وبيرونس، وديموس، ويطونس وقالوش.

هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل (٦) هذا من كلام ابن إسحاق، أو من بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية. وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران (٧)، وفي تسميتهم بهذه (٨) الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم؛ فإن غالب ذلك مُتَلَقَّى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: (فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا) أي: سهلا هينًا؛ فإن الأمر في معرفة (٩) ذلك لا يترتب عليه كبير (١٠) فائدة (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجما بالغيب، من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه (١١) من الكتب والأقوال.

﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾

هذا إرشاد من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل، أن يرد ذلك إلى مشيئة الله، ﷿، علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه [قال] (١٢) قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على

(١) في ت: "ابن".

(٢) في ت: "يسار".

(٣) في ت،، ف، أ: "يتلون".

(٤) في هـ: "مكيليممنينا"، والمثبت من ت، ف، أ.

(٥) في ف: "شمليخا".

(٦) في ف، أ: "ويحتمل أن يكون".

(٧) في ت: "خمران".

(٨) في ت: "بهذا".

(٩) في ت: "معرفته".

(١٠) في ف: "كثير".

(١١) في ف: "على من تقدمه".

(١٢) زيادة من ت، ف، أ.

ج5 · ص149

سبعين امرأة -وفي رواية تسعين امرأة. وفي رواية: مائة امرأة-تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له -وفي رواية: فقال له الملك-قل: إن شاء الله. فلم يقل فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لو قال: "إن شاء الله" لم يحنث، وكان دركا لحاجته"، وفي رواية: "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون (١) (٢)

وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ، لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: "غدًا أجيبكم". فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة، فأغنى عن إعادته.

وقوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) قيل: معناه إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له. قاله أبو العالية، والحسن البصري.

وقال هشيم، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف؟ قال: له أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) في ذلك. قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ قال (٣) حدثني به ليث بن أبي سليم، يرى (٤) ذهب كسائي هذا.

ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، به (٥).

ومعنى قول ابن عباس: "أنه يستثني ولو بعد سنة" أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو كلامه "إن شاء الله" وذكر ولو بعد سنة، فالسُّنة له أن يقول ذلك، ليكون آتيا بسُنَّة الاستثناء، حتى لو كان بعد الحنث، قاله ابن جرير، ﵀، ونص على ذلك، لا أن يكون [ذلك] (٦) رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا للكفارة. وهذا الذي قاله ابن جرير، ﵀، هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم.

وقال عكرمة: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أي: إذا غضبت. وهذا تفسير باللازم.

وقد قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحُلْواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أن تقول: إن شاء الله (٧) [وهذا تفسير باللازم] (٨).

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحارث الجُبيلي (٩) حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن

(١) في ت، ف: "أجمعين".

(٢) صحيح البخاري برقم (٥٢٤٢) رواية المائة، وبرقم (٦٧٢٠) رواية التسعين، وصحيح مسلم برقم (١٦٥٤).

(٣) في ف: "فقال".

(٤) في ت: "ترى".

(٥) تفسير الطبري (١٥/ ١٥١) والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٦٨).

(٦) زيادة من ف.

(٧) المعجم الكبير (١٢/ ١٧٩).

(٨) زيادة من ف.

(٩) في ت، ف: "الحبلى".

ج5 · ص150

مسلم، عن عبد العزيز بن حُصَيْن، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) أن تقول: إن شاء الله.

وروى الطبراني، أيضًا عن ابن عباس في قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت. وقال: هي خاصة برسول (١) الله ﷺ، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه ثم قال: تَفَرَّد به الوليد، عن عبد العزيز بن الحصين (٢) (٣).

ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو أن يكون الله، ﷿، قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر (٤)؛ ولهذا قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ).

وقوله: (وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) أي: إذا سئُلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد [في ذلك] (٥) وقيل غير ذلك في تفسيره، والله أعلم.

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾

هذا خبَر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة [سنة] (٦) وتسع سنين بالهلالية، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة [سنة] (٧) بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين؛ فلهذا قال بعد الثلاثمائة: (وَازْدَادُوا تِسْعًا)

وقوله: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك [علم] (٨) في ذلك وتوقيف (٩) من الله، ﷿ (١٠) فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: لا يعلم ذلك إلا هو أو من أطلعه الله عليه من خَلْقه، وهذا الذي قلناه، عليه غير واحد من علماء التفسير كمجاهد، وغير واحد من السلف والخلف.

وقال قتادة في قوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) هذا قول أهل الكتاب،

(١) في ت: "يا رسول"؟، وفي ف: "لرسول".

(٢) في ف: "حصين".

(٣) المعجم الأوسط برقم (٣٣٥٧) "مجمع البحرين".

(٤) في ت: "سبب الذكر".

(٥) زيادة من ف، أ.

(٦) زيادة من أ.

(٧) زيادة من ف.

(٨) زيادة من ف.

(٩) في ت: "توفيق".

(١٠) في ت، ف: "تعالى".

ج5 · ص151

وقد رده الله تعالى بقوله: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) قال: وفي (١) قراءة عبد الله: "وقالوا: ولبثوا"، يعني أنه قاله الناس (٢)

وهكذا قال -كما قال قتادة-مُطرَف بن عبد الله.

وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله قد حكى قولهم لما قال: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) وظاهر الآية إنما هو من إخبار الله، لا حكاية عنهم. وهذا اختيار ابن جرير، ﵀. ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم.

وقوله: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) أي: إنه لبصير بهم سميع لهم.

قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء.

ثم روي عن قتادة في قوله: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) فلا أحد أبصر (٣) من الله ولا أسمع.

وقال ابن زيد: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا.

وقوله: (مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أي: إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.

﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾

يقول تعالى آمرًا رسوله [﵊] (٤) بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه (٥) إلى الناس: (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير (٦) لها ولا محرف ولا مؤوّل.

وقوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) [عن مجاهد: (مُلْتَحَدًا) قال: ملجأ. وعن قتادة: وليًا ولا مولى] (٧) قال ابن جرير: يقول (٨) إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله". كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾

(١) في ت: "ومن".

(٢) في أ: "ابن عباس".

(٣) في ت: "أنصر".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ت "وابتلاغه".

(٦) في ت، ف: "أي غير مغير".

(٧) زيادة من أ.

(٨) في ت: "ويقول".

ج5 · ص152

وقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي: اجلس (١) مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده (٢) ولا يجالسهم (٣) بضعفاء أصحابه كبلال وعمار وصهيب [وخباب] (٤) وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة. فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢] (٥)، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس (٦) مع هؤلاء، فقال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شُرَيْح، عن أبيه، عن سعد -هو ابن أبي وقاص-قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا!. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال ورجلان نسيت اسميهما (٧) فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدّث نفسه، فأنزل الله ﷿: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري (٨)

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التَّيَّاح قال: سمعت أبا الجعد يحدّث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص، فأمسك، فقال رسول الله ﷺ: "قُص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب" (٩)

وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا هاشم (١٠) حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن مَيْسَرة قال: سمعت كُرْدُوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة-يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب". قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصا (١١) (١٢)

وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لأن أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة (١٣) إلى طلوع الشمس، أحَبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحبّ إلي من أن أعتق

(١) في ت: "يجلس".

(٢) في ت، ف: "وحدهم".

(٣) في ت: "تجالسهم".

(٤) زيادة من ف.

(٥) في ت: "يطرد".

(٦) في ت: "في المجلس".

(٧) في ت:، ف: "اسمهما".

(٨) صحيح مسلم برقم (٢٤١٣).

(٩) المسند (٥/ ٢٦١).

(١٠) في ت: "هشام".

(١١) في ت: "وقاص".

(١٢) المسند (٣/ ٤٧٤) وكردوس بن قيس لم يوثقه إلا ابن حبان.

(١٣) في ت: "الغد".

ج5 · ص153

ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا". فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين (١) ألفًا، وهاهنا من يقول: "أربعة من ولد إسماعيل" والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا (٢) عشر ألفًا (٣)

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي (٤) مسلم -وهو الكوفي-أن رسول الله ﷺ مرّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".

هكذا رواه أبو أحمد، عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر مرسلا. وحدثناه يحيى بن المعلى، عن (٥) منصور، حدثنا محمد (٦) بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم (٧) عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا جاء رسول الله ﷺ، ورجل يقرأ سورة الحِجْر أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله ﷺ: "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم" (٨).

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر (٩) حدثنا ميمون المَرئي، حدثنا ميمون بن سِيَاه، عن أنس بن مالك، ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا لكم، قد بُدِّلت سيئاتُكُم حسنات" (١٠) تفرد به أحمد، ﵀.

وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد (١١) عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حُنيف قال: نزلت على رسول الله ﷺ، وهو في بعض أبياته: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافي الجلد (١٢) وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم" (١٣)

عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة (١٤) وأما أبوه فمن سادات الصحابة،

(١) في ت: "وسبعين".

(٢) في ت: "اثنتا".

(٣) مسند الطيالسى برقم (٢١٠٤) ويزيد بن أبان ضعيف.

(٤) في ت: "أي".

(٥) في ت، ف: "بن".

(٦) في ت: "أحمد".

(٧) في ت: "الأغر بن أبي مسلم".

(٨) مسند البزار برقم (٢٣٢٥، ٢٣٢٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٤): "وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام وهو متروك".

(٩) في ف، أ: "بكير".

(١٠) المسند (٣/ ١٤٢) وميمون المرئي ضعيف.

(١١) في ت: "زيدى".

(١٢) في ف: "الجلود".

(١٣) ورواه ابن منده وأبو نعيم في الصحابة كما في أسد الغابة (٣/ ٣٥٣) من طريق أبي حازم به.

(١٤) وتعقبه ابن الأثير بقوله: "ولا يصح، وإنما الصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة، وله رؤية".

ج5 · ص154

﵃.

وقوله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم: يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.

(وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ([وَاتَّبَعَ هَوَاهُ] وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (١) أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾

يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا) أي: أرصدنا (لِلظَّالِمِينَ) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) أي: سورها.

قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم (٢) عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لسُرَادِق النار أربعة جُدُر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة".

وأخرجه الترمذي في "صفة النار" وابن جرير في تفسيره، من حديث دراج أبي السَّمح به (٣)

[وقال ابن جريج: قال ابن عباس: (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) قال: حائط من نار] (٤)

قال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ: "البحر هو جهنم" قال: فقيل له: [كيف ذلك؟] (٥) فتلا هذه الآية -أو: قرأ هذه الآية-: (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) ثم قال: "والله لا أدخلها أبدًا أو: ما دمت حيًا -ولا تصيبني منها قطرة" (٦).

وقوله: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) قال ابن عباس: "المهل": ماء غليظ مثل (٧) دردي الزيت.

(١) زيادة من ف.

(٢) في ت: "هشيم".

(٣) المسند (٣/ ٢٩) وسنن الترمذي برقم (٢٥٨٤) وتفسير الطبري (١٥/ ١٥٧). ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.

(٤) زيادة من ف.

(٥) زيادة من ف.

(٦) تفسير الطبري (١٥/ ١٥٧).

(٧) في ت: "قيل".

ج5 · ص155

وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حَرّه: وقال آخرون: هو كل شيء أذيب.

وقال قتادة: أذاب ابنُ مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل.

وقال الضحاك: ماء جهنم أسود، وهي سوداء وأهلها (١) سود.

وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار؛ ولهذا قال: (يَشْوِي الْوُجُوهَ) أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقَرّبه من وجهه، شواه حتى يسقط جلد وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سُرادِق النار عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ماء كالمهل". قال (٢) كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه" (٣) وهكذا رواه الترمذي في "صفة النار" من جامعه، من حديث رِشْدِين بن سعد (٤) عن عمرو بن الحارث، عن دراج، به (٥) ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث "رشدين"، وقد تكلم فيه من قبل حفظه،، هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لَهِيعة، عن دَرّاج، والله أعلم (٦).

وقال عبد الله بن المبارك، وبَقِيَّة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بُسْر، عن أبي أمامة، ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧] قال: "يقرب إليه فيَتَكرّهه، فإذا قرب منه شَوَى وجهَه ووقعت فروةُ رأسه، فإذا شربه (٧) قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ).

وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا (٨) منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًّا مرً بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون. فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم (٩) وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.

ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه (١٠) الصفات [الذميمة] (١١) القبيحة: (بِئْسَ الشَّرَابُ) أي: بئس هذا الشراب (١٢) كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] (١٣) أي: حارة، كما قال: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]

(١) في ف، أ: "شجرها".

(٢) في ت: "قال كالمهل".

(٣) المسند (٣/ ٧٠).

(٤) في ت: "بن الأسعد".

(٥) سنن الترمذي برقم (٢٥٨١).

(٦) في ت: "فالله أعلم".

(٧) في ت، ف: "شرب".

(٨) في ت، ف: "فيأكلون".

(٩) في ت: "جلود".

(١٠) في ت: "بهذا".

(١١) زيادة من ف، أ.

(١٢) في ف، أ: "شرابا".

(١٣) في ف: "يسقى".

ج5 · ص156

(وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [أي: وساءت النار] (١) منزلا ومَقِيلا ومجتمعًا وموضعًا للارتفاق (٢) كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾

لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء، الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم (جَنَّاتُ عَدْنٍ) والعدن: الإقامة.

(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ) أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال [لهم] (٣) فرعون: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].

(يُحَلَّوْنَ) أي: من الحلية (فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ) وقال في المكان الآخر: ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وفصله هاهنا فقال: (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) فالسندس: لباس (٤) رقاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها، وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق.

وقوله: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ) الاتكاء قيل: الاضطجاع وقيل التربع في الجلوس. وهو أشبه بالمراد هاهنا ومنه الحديث [في] (٥) الصحيح: "أما أنا فلا آكل متكئًا " (٦) فيه القولان.

والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير تحت الحَجَلة، والحجلة كما يعرفه (٧) الناس في زماننا هذا بالباشخاناه، والله أعلم.

قال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَرُ، عن قتادة: (عَلَى الأرَائِكِ) قال: هي الحجال. قال معمر: وقال غيره: السّرُر في الحجال (٨)

وقوله: (نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) [أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم (وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) أي: حسنت منزلا ومقيلا ومقامًا، كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] (٩)، وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥، ٧٦].

(١) زيادة من ف.

(٢) في ت: "للارتفاع".

(٣) زيادة من ت.

(٤) في ت، ف، أ: "ثياب".

(٥) زيادة من ت، ف.

(٦) صحيح البخاري برقم (٥٣٩٨).

(٧) في ت، ف: "تعرفه".

(٨) تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٣٩).

(٩) زيادة من ف.

ج5 · ص157

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾

يقول الله تعالى بعد ذكر (١) المشركين المستكبرين عن مجالسة (٢) الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم (٣) مثلا برجلين، جعل الله (لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ) أي: بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخل (٤) المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مُقبلٌ في غاية الجود؛ ولهذا قال: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا) أي: خرجت ثمرها (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) أي: ولم تنقص منه شيئًا (وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا) أي: والأنهار تتخرق فيهما هاهنا وهاهنا.

(وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ) قيل: المراد به: المال. رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقيل: الثمار وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: "وكان له ثُمْر" بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون (٥) جمع ثَمَرَة، كَخَشَبَة وخُشب، وقرأ آخرون: (ثَمَرٌ) بفتح الثاء والميم.

فقال -أي صاحب هاتين [الجنتين] (٦) - (لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا) أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا.

قال قتادة: تلك -والله-أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر.

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾

وقوله: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) وذلك اغترار منه، لما رأى فيها (٧) من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف (٨) وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة (٩)؛ ولهذا قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً) أي: كائنة (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) أي: ولئن كان معاد ورجعة وَمَرَدٌّ إلى الله، ليكونَنّ لي هناك أحسن من هذا لأني مُحظى (١٠) عند ربي، ولولا كرامتي (١١) عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، وقال ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أي: في الدار الآخرة، تألى على الله، عز

(١) في ت، ف: "ذكره".

(٢) في ت: "مجالسهم".

(٣) في ت، ف، أ: "لهم ولهم".

(٤) في ف، أ: "بالنخيل".

(٥) في ت: "فيك".

(٦) زيادة من ف.

(٧) في ف: "فيهما".

(٨) في ت: "ولايسلم".

(٩) في ت: "بالأخرى".

(١٠) في ت، ف: "محض".

(١١) في ت: "إكرامى".

ج5 · ص158

وجل، وكان سبب نزولها في العاص بن وائل، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.

﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾

يقول تعالى مخبرًا عما أجابه صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا)؟ وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه، الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي: كيف تجحَدُون ربكم، ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته فعلم إسناد (١) إيجاده إلى خالقه، وهو الله، لا إله إلا هو، خالق كل شيء؛ ولذا (٢) قال: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية (وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.

ثم قال: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا) هذا تحضيض وحث على ذلك، أي: هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: (مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ)؛ ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده أو ماله، فليقل: (مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده:

حدثنا جَرَّاح بن مَخْلَد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عَوْن، حدثنا عبد الملك بن زُرَارَة، عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد، فيقول: (مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) فيرى فيه آفة دون الموت". وكان يتأول هذه الآية: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) (٣).

(١) في ف: "استناد".

(٢) في ف: "ولهذا".

(٣) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٥٢٥) من طريق الحسن بن صباح، عن عمر بن يونس به.

ج5 · ص159

قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس: لا يصح حديثه.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رُهْم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله". تفرد به أحمد (١)

وقد ثبت في الصحيح (٢) عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" (٣)

وقال الإمام أحمد: حدثنا بكر (٤) بن عيسى، حدثنا أبو عَوَانة، عن أبي بَلَج، عن عَمْرو بن ميمون قال: قال أبو هريرة: قال لي نبي الله ﷺ: "يا أبا هريرة، أدلك (٥) على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ ". قال: قلت: نعم، فداك أبي وأمي. قال: "أن تقول لا قوة إلا بالله" قال أبو بَلْج: وأحسب أنه قال: "فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم". قال: فقلت لعمرو -قال أبو بَلْج: قال عَمْرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: لا إنها في سورة الكهف: (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ) (٦)

وقوله: (فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ) أي: في الدار الآخرة (وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا) أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى (حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ) قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ومالك عن الزهري: أي عذابًا من السماء.

والظاهر أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها وأشجارها؛ ولهذا قال: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) أي: بلقعًا ترابًا أملس، لا يثبت فيه قَدم.

وقال ابن عباس: كالجُرز الذي لا ينبت شيئًا.

وقوله: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا) أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها (٧) كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] أي: جار وسائج. وقال هاهنا: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر (٨)

تَظَلّ جيّادُهُ نَوْحًا عَلَيه … تُقَلّدُهُ أعنَّتَها صُفُوفا

بمعنى نائحات عليه.

(١) المسند (٢/ ٤٦٩).

(٢) في ف: "الصحيحين".

(٣) صحيح البخاري برقم (٦٦١٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧٠٤).

(٤) في ف، أ: "بكير".

(٥) في ت، ف: "ألا أدلك".

(٦) المسند (٢/ ٣٣٥).

(٧) في ت، ف: "أسفل".

(٨) البيت في تفسير الطبري (١٥/ ١٦٣) غير منسوب.

ج5 · ص160

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾

يقول تعالى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) بأمواله، أو بثماره على القول الآخر. والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر، مما خَوَّفه به المؤمن من إرسال الحسبان (١) على جنته، التي اغتر بها (٢) وألهته عن الله، ﷿ (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا) وقال قتادة: يُصفّق كفيه متأسفًا متلهفًا على الأموال التي أذهبها عليه (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) أي: عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واستعز (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) اختلف القراء هاهنا، فمنهم من يقف على قوله: (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ) أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، فلا منقذ منه. ويبتدئ [بقوله] (٣) (الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) ومنهم من يقف على: (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) ويبتدئ بقوله: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ).

ثم اختلفوا في قراءة (الْوَلايَةُ) فمنهم من فتح الواو، فيكون المعنى: هنالك الموالاة (٤) لله، أي: هنالك (٥) كل أحد (٦) من مؤمن أو كافر (٧) يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] وكقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠، ٩١]

ومنهم من كسر الواو من (الْوَلايَةُ) أي: هنالك الحكم لله الحق.

ثم منهم من رفع (الْحَقِّ) على أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]

ومنهم من خفض القاف، على أنه نعت لله ﷿، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]؛ ولهذا قال تعالى: (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا) أي: جزاء (وَخَيْرٌ عُقْبًا) أي: الأعمال التي تكون لله، ﷿، ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير.

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾

يقول تعالى: (وَاضْرِبْ) يا محمد للناس (مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) في زوالها وفنائها وانقضائها (كَمَاءٍ أَنزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ) أي: ما فيها من الحَبّ، فشب وحسن، وعلاه (٨) الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا) يابسا (تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال (٩) (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) أي: هو قادر على هذه الحال، وهذه الحال (١٠) وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ الآية [يونس: ٢٤]، وقال في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقال في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].

وفي الحديث الصحيح: "الدنيا حلوة خضرة" (١١)

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا (٤٦)﴾.

(١) في ت: "الحسنات".

(٢) في ت: "اعتز".

(٣) زيادة من أ.

(٤) في ت: "الولاية".

(٥) في ت: "هناك".

(٦) في ف: "واحد".

(٧) في ف: "وكافر".

(٨) في ت: "وعلا".

(٩) في ت: "ذات يمين وذات شمال".

(١٠) في ت: "هذه الحالة وهذه الحالة".

(١١) سبق تخريجه عند تفسير الآية الثامنة من هذه السورة.

ج5 · ص161

وقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته، خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم؛ ولهذا قال: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " الصلوات الخمس.

وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وهكذا سُئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، عن: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " ما هي؟ فقال: هي (١) لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

رواه الإمام أحمد:

حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حَيْوَة، أنبأنا أبو عقيل، أنه سمع الحارث مولى عثمان، ﵁، يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنه أنه سيكون فيه مُد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى (٢) صلاة الظهر، غُفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غُفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غُفر له ما

(١) في ت: "هن".

(٢) في ت، ف: "يصلى".

ج5 · ص162

بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ (١) ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح، غُفر له ما بينها (٢) وبين صلاة العشاء وهي الحسنات يذهبن السيئات" قالوا: هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٣) تفرد به (٤).

وروى مالك، عن عمارة بن عبد الله بن صياد (٥) عن سعيد بن المسيب قال: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال محمد بن عَجْلان، عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " فقلت: الصلاة والصيام. قال (٦) لم تصب. فقلت: الزكاة والحج. فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن نافع بن سَرْجس، أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن: (الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك.

وقال مجاهد: (الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر] (٧).

وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمر، عن الحسن وقتادة في قوله: "الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هُنّ الباقيات الصالحات.

قال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المَقْبُرِي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، منَ الباقيات الصالحات" (٨).

قال: وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث أن درّاجًا أبا السمح حَدّثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات". قيل: وما هي (٩) يا رسول الله؟ قال: "الملة". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله".

وهكذا رواه أحمد، من حديث دراج، به (١٠).

وبه قال ابن وهب: أخبرني أبو صَخْر أن عبد الله بن عبد الرحمن، مولى سالم بن عبد الله

(١) في ف، أ: "لعله يتمرغ".

(٢) في ت: "بينهما".

(٣) في أ: "بالله العلى العظيم".

(٤) المسند (١/ ٧١).

(٥) في ف: "جياد".

(٦) في ف: "فقال".

(٧) زيادة من ف.

(٨) تفسير الطبري (١٥/ ١٦٧).

(٩) في أ: "وما هن".

(١٠) تفسير الطبري (١٥/ ١٦٧) والمسند (٣/ ٧٥).