سورة المجادلة

ซูเราะฮ์ที่ 58 · ตอน 1/2 · เล่ม 8 หน้า 34–48

12
ج8 · ص34

تفسير سورة المجادلة

وهي مدنية.

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وَسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلةُ إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله، ﷿: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) إلى آخر الآية (١)

وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا فقال: وقال الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، فذكره (٢) وأخرجه النسائي، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من غير وجه، عن الأعمش، به (٣)

وفي رواية لابن أبي حاتم عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ، وهي تقول: يا رسول الله، أَكَلَ شبابي، ونَثَرت (٤) له بطني، حتى إذا كَبِرَت سِنِّي، وانقطع ولدي، ظَاهَر مِنِّي، اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) وقال (٥) وزوجها أوس بن الصامت.

وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: هو أوس بن الصامت-وكان أوس امرأ به لمم، فكان إذا أخَذه لممه (٦) واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئًا. فأتت رسول الله تستفتيه في ذلك، وتشتكي إلى الله، فأنزل الله: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) الآية.

وهكذا روى هشام بن عروة، عن أبيه: أن رجلا كان به لممٌ، فذكر مثله.

(١) المسند (٦/ ٤٦).

(٢) صحيح البخاري برقم (٧٣٨٥).

(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٧٠) وسنن ابن ماجة برقم (١٨٨) وتفسير الطبري (٢٨/ ٥).

(٤) في أ: "وبرت".

(٥) في م: "وقالت".

(٦) في م: "أخذه لمم".

ج8 · ص35

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة، حدثنا جرير-يعني ابن حازم-قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عُمَرَ-يقال لها: خولة بنت ثعلبة-وهو يسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلى أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها (١)

هذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب. وقد روي من غير هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان (٢) حدثنا يعلى، حدثنا زكريا عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي أنزل الله فيها: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]

صوابه: خولة امرأة أوس بن الصامت.

﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾

قال الإمام أحمد: حدثنا سعد (٣) بن إبراهيم ويعقوب قالا حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني مَعْمَر بن عبد الله بن حنظلة، عن ابن عبد الله بن سلام، عن خويلة (٤) بنت ثعلبة قالت: فيَّ-والله-وفي أوس بن الصامت أنزل الله صَدْرَ سورة "المجادلة"، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، قالت: فدخل عليَّ يومًا فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة (٥) بيده، لا تخلص إليَّ وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه. قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابًا، ثم خرجتُ حتى جئت رسول الله ﷺ، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما

(١) ورواه الدرامي في الرد على الجهمية (ص ٢٦) من طريق أبي يزيد، عن عمر بن الخطاب به. قال الذهبي في العلو (ص ١١٣): "هذا إسناد صالح فيه انقطاع، أبو يزيد لم يلحق عمر".

(٢) في أ: "حدثنا الوليد بن المنذر به شاذان".

(٣) في أ: "سعيد".

(٤) في أ: "خولة".

(٥) في أ: "خولة".

ج8 · ص36

ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا خويلة (١) ابنُ عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ القرآن، فتغشى رسول الله ﷺ ما كان يتغشاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال لي: "يا خويلة (٢) قد أنزل الله فيك وفي صاحبك". ثم قرأ عليَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: "مُريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". قالت: فقلت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تَمر". قالت: فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله ﷺ: "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر". قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر، قال: "فقد أصبت وأحسَنْت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا". قالت: ففعلت.

ورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، عن محمد بن إسحاق بن يسار، به (٣) وعنده: خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة. وقد تصغر فيقال: خُوَيلة. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب. والله أعلم.

هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سَلَمة بن صَخْر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام، أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سُلَيمان بن يَسَار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنتُ امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظهَّرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينا هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحتُ غدوتُ على (٤) قومي فأخبرتهم خبري وقلت: انطلقوا معي إلى النبي (٥) ﷺ-فأخبره بأمري. فقالوا: لا والله لا نفعل؛ نتخوف أن ينزل فينا (٦) -أو يقول فينا رسول الله ﷺ-مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجتُ حتى أتيتُ النبي ﷺ، فأخبرته خبري. فقال لي: "أنت بذاك". فقلت: أنا بذاك. فقال "أنت بذاك". فقلت: أنا بذاك. قال "أنت بذاك". قلت: نعم، ها أناذا فأمض فيّ حكم الله تعالى (٧) فإني صابر له. قال: "أعتق رقبة". قال: فضربت صفحة رقبتي (٨) بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "فصم شهرين". قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال: "فتصدق". فقلت: والذي بعثك بالحق،

(١) في أ: "يا خولة".

(٢) في أ: "يا خولة".

(٣) المسند (٦/ ٤١٠) وسنن أبي داود برقم (٢٢١٤، ٢٢١٥).

(٤) في م: "إلى"

(٥) في م: "رسول الله".

(٦) في أ: "فينا شيء".

(٧) في م، أ: "﷿".

(٨) في م: "عنقي".

ج8 · ص37

لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زُريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك". قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السَّعَة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إليَّ. فدفعوها إليَّ.

وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجة، واختصره الترمذي وحَسَّنه (١)

وظاهر السياق: أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خُويَلة بنت ثعلبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل.

قال خَصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خَشِيت أن يكون ذلك طلاقًا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أوسًا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نَثَرتُ بطني منه، وقَدمتْ صُحْبَتَهُ. وهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء. فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فدعاه رسول الله ﷺ فقال: "أتقدر على رقبة تعتقها؟ ". قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها؟ قال: فجمع له رسول الله ﷺ، حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله رواه بن جرير (٢)

ولهذا ذهب ابنُ عباس والأكثرون إلى ما قلناه، والله أعلم.

فقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت عليَّ كَظَهْرِ أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف.

قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليَّ كظهر أمي، حُرِّمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس، وكان تحته ابنة عم له يقال لها: "خويلة بنت ثعلبة (٣). فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمت علي. وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ﷺ. فأتت رسول الله فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: "يا خويلة، ما أمرنا في أمرك بشيء (٤) فأنزل الله على رسوله ﷺ، فقال: " يا خويلة، أبشري" قالت: خيرًا. قال فقرأ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ إلى قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)

(١) المسند (٤/ ٣٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢١٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٦٢) وسنن الترمذي برقم (٣٢٩٩).

(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ٦).

(٣) في أ: "بنت خويلد" وهو خطأ.

(٤) في م: "ما أمرنا فيك بشيء".

ج8 · ص38

قالت: وأي رقبة لنا؟ والله ما يجد رقبة غيري. قال: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره! قال: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلي مثلها! قال: فدعا بشطر وَسْق-ثلاثين صاعا، والوسق: ستون صاعا-فقال: "ليطعم ستين مسكينا وليراجعك" (١) وهذا إسناد جيد قوي، وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا، فقال ابن أبي حاتم:

حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دُلَيج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرًا سيئ الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، قال: "أنت عليَّ كظهر أمي". وكان لها منه عيل أو عيلان، فنازعته يوما في شيء فقال: "أنت عليَّ كظهر أمي". فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ﷺ. وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فقدمت عليه ومعها عَيّلها، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير البصر، فقير لا شيء له سيئ الخُلُق، وإني نازعته في شيء فغضب، فقال: "أنت عليَّ كظهر أمي"، ولم يرد به الطلاق، ولي منه عيل أو عيلان، فقال: "ما أعلمك إلا قد حَرُمت عليه" فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبييّ. قال: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها، فقالت: يا رسول الله، زوجي ضرير البصر، فقير سيئ الخلق، وإن لي منه عَيِّلا أو عيلين، وإني نازعته في شيء فغضب، وقال: "أنت عليَّ كظهر أمي"، ولم يرد به الطلاق! قالت: فرفع إلي رأسه وقال: "ما أعلمك إلا قد حرمت عليه". فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبيي؟ قال: ورأت عائشة وجه النبي ﷺ تَغَيَّر، فقالت لها: "وراءك وراءك؟ " فتنحت، فمكث رسول الله ﷺ في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: "يا عائشة، أين المرأة" فدعتها، فقال لها رسول الله ﷺ: "اذهبي فأتني بزوجك". فانطلقت تسعى فجاءت به. فإذا هو-[كما قالت] (٢) -ضرير البصر، فقير سيئ الخلق. فقال النبي ﷺ: "أستعيذ بالله السميع العليم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ]﴾ (٣) إلى قوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ]) (٤) قال النبي ﷺ: "أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها؟ ". قال: لا. قال: "أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ". قال: والذي بعثك بالحق، إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد أن يعشو بصري. قال: "أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ ". قال: لا إلا [أن] (٥) تعينني. قال: فأعانه رسول الله ﷺ فقال: "أطعم ستين مسكينا". قال:

(١) تفسير الطبري (٢٨/ ٣) ورواه البزار في مسنده برقم (١٠٧٦) "كشف الأستار" من طريق عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة به وقال: "لا نعلمه بهذا اللفظ في الظهار عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، وأبو حمزة لين الحديث، وقد خالف في روايته ومتن حديثه الثقاب في أمر الظهار؛ لأن الزهري رواه عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، وهذا إسناد لا نعلم بين علماء أهل الحديث اختلافًا في صحته، وأنه ﷺ دعا بإناء فيه خمسة عشر صاعًا، وحديث أبي حمزة منكر، وفيه لفظ يدل على خلاف الكتاب؛ لأنه قال: "وليراجعك، وقد كانت امرأته، فما معنى مراجعته امرأته ولم يطلقها، وهذا مما لا يجوز على رسول الله ﷺ، وإنما أتي هذا من رواية أبي حمزة الثمالي".

(٢) زيادة من م.

(٣) زيادة من م.

(٤) زيادة من أ.

(٥) زيادة من م.

ج8 · ص39

وحَوّل الله الطلاق، فجعله ظهارًا.

ورواه ابن جرير، عن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، سمعت أبا العالية، فذكر نحوه، بأخصر من هذا السياق (١)

وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة. رواه ابن أبي حاتم، بنحوه.

وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله: (مِنْكُمْ) فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: (مِنْ نِسَائِهِمْ) على أن الأمة لا ظهار منها، ولا تدخل في هذا الخطاب.

وقوله: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ) أي: لا تصير المرأة بقول الرجل: "أنت عليَّ كأمي" أو "مثل أمي" أو "كظهر أمي" (٢) وما أشبه ذلك، لا تصير أمه بذلك، إنما أمه التي ولدته؛ ولهذا قال: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) أي: كلامًا فاحشًا باطلا (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) أي: عما كان منكم في حال الجاهلية. وهكذا أيضًا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول لامرأته: يا أختي. فقال: أختك هي؟ "، فهذا إنكار (٣) ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك؛ لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه؛ لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك.

وقوله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم (٤) وقول داود، وحكاه أبو عمر بن عبد البر عن بُكَيْر ابن الأشج والفراء، وفرقة من أهل الكلام.

وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق.

وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. وقد حكي عن مالك: أنه العزم على الجماع أو الإمساك (٥) وعنه أنه الجماع.

وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى تظاهر (٦) الرجل من امرأته فقد حرمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة. وإليه ذهب أصحابه، والليث بن سعد.

(١) تفسير الطبري (٢٨/ ٣).

(٢) في م: "كظهر أمي أو كأمي أو مثل أمي".

(٣) سنن أبي داود برقم (٢٢١٠) من حديث أبي تميمة الهجيمي، ﵁.

(٤) في هـ، أ: "ابن جرير" والمثبت من م. مستفادًا من هامش ط-الشعب.

(٥) في م: "أو الإمساك".

(٦) في م: "ظاهر".

ج8 · ص40

وقال ابن لَهِيعة: حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) يعني: يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم.

وقال الحسن البصري: يعني الغشيان في الفرج. وكان لا يرى بأسا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) والمس: النكاح. وكذا قال عطاء، والزهري، وقتادة، ومقاتل بن حيان.

وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر.

وقد روي أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: "ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ ". قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله، ﷿" (١)

وقال الترمذي: حسن غريب صحيح (٢) ورواه أبو داود والنسائي من حديث عكرمة مرسلا. قال النسائي: وهو أولى بالصواب (٣)

وقوله: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فها هنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي، ﵀، ما أطلق ها هنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، واعتضد (٤) في ذلك بما رواه عن مالك بسنده، عن معاوية بن الحكم السلمي، في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله ﷺ قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وقد رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه (٥)

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف (٦) بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: إني تظاهرت (٧) من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر. فقال رسول الله ﷺ: "ألم يقل الله (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) قال: أعجبتني؟ قال: "أمسك حتى تكفر" (٨)

ثم قال البزار: لا يروي عن ابن عباس بأحسن من هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه، وروي عنه جماعة كثيرة من أهل العلم، وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة.

(١) رواه أبو داود في السنن برقم (٢٢٢٣) والترمذي في السنن برقم (١٩٩٠) والنسائي في السنن (٦/ ١٦٧) وابن ماجة في السنن برقم (٢٠٦٥).

(٢) في م:: حسن صحيح غريب".

(٣) سنن أبي داود برقم (٢٢٢١، ٢٢٢٢) وسنن النسائي (٦/ ١٦٨).

(٤) في م: "واعتمد".

(٥) الموطأ (٢/ ٧٧٧) والمسند (٥/ ٤٤٧) وصحيح مسلم برقم (٥٣٧).

(٦) في أ: "حدثنا يونس".

(٧) في م: "إني ظاهرت".

(٨) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٠٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٨٦) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار به نحوه، وقال الذهبي: "فيه إسماعيل بن مسلم وهو واه".

ج8 · ص41

وقوله: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ) أي: تزجرون به (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي: خبير بما يصلحكم، عليم بأحوالكم.

وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) وقد تقدمت الأحاديث الواردة (١) بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان.

(ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: شرعنا هذا لهذا.

وقوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: محارمه فلا تنتهكوها.

وقوله: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾

يخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: أهينوا ولعنوا وأخزوا، كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم (وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) أي: واضحات لا يخالفها ولا يعاندها إلا كافر فاجر مكابر، (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) أي: في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله، والانقياد له، والخضوع لديه.

ثم قال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) وذلك يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، (فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) أي: يخبرهم (٢) بالذي صنعوا من خير وشر (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) أي: ضبطه الله وحفظه عليهم، وهم قد نسوا ما كانوا عليه، (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي: لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى ولا ينسى شيئًا.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾

ثم قال تعالى مخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ)

(١) في م: "الآمرة".

(٢) في أ: "فيجزيهم".

ج8 · ص42

أي: من سر ثلاثة (إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) أي: يطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله وبه سمعه لهم، كما قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ [التوبة: ٧٨] وقال ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]؛ ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى (١) ولا شك في إرادة ذلك ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو، سبحانه، مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء.

ثم قال: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾

قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد [في قوله] (٢) (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) قال: اليهود وكذا قال مقاتل بن حيان، وزاد: كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله-أو: بما يكره المؤمن-فإذا رأى المؤمن ذلك خَشيهم، فترك طريقه عليهم. فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني سفيان بن حمزة، عن كثير عن زيد، عن رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ، نبيت عنده؛ يطرُقه من الليل أمر (٣) وتبدو له حاجة. فلما كانت ذات ليلة كَثُر أهل النّوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا النجوى؟ ألم تُنْهَوا عن النجوى؟ ". قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيح،

(١) في م: "علمه تعالى".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في م: "أمرًا" وهو خطأ.

ج8 · ص43

فَرقا منه. فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ ". قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل". هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء (١)

وقوله: (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم، وهو ما يختص بهم، والعدوان، وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته، يُصِرون عليها ويتواصون بها.

وقوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، [عن مسلم] (٢) عن مسروق، عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ﷺ يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقالت عائشة: وعليكم السام و[اللعنة] (٣) قالت: فقال رسول الله ﷺ: "يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش". قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك؟ فقال رسول الله: "أو ما سمعت أقول (٤) وعليكم؟ ". فأنزل الله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) (٥)

وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة. وأن رسول الله ﷺ قال: "إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا" (٦)

وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي فسلَّم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله ﷺ: "هل تدرون ما قال؟ ". قالوا: سلم يا رسول الله. قال: "بل قال: سام عليكم، أي: تسامون دينكم". قال رسول الله: "ردوه". فردوه عليه. فقال نبي الله: "أقلت: سام عليكم؟ ". قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: "إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك" أي: عليك ما قلت (٧)

وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة، بنحوه (٨)

وقوله: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبيًا حقًّا لأوشك أن

(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٠) وابن ماجة في السنن برقم (٤٢٠٤) من طريق كثير بن زيد به نحوه، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٩٦): "هذا إسناد حسن، كثير بن زيد وربيع بن عبد الرحمن مختلف فيهما".

(٢) زيادة من المسند (٦/ ٢٢٩).

(٣) زيادة من أ.

(٤) في أ: "ما أقول".

(٥) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢١٦٥) من طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش به نحوه.

(٦) انظر: صحيح البخاري برقم (٦٠٣٠) وصحيح مسلم برقم (٢١٦٦) من حديث عائشة، ﵂.

(٧) تفسير الطبري (٢٧/ ١١).

(٨) صحيح مسلم برقم (٢١٦٣).

ج8 · ص44

يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة (يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو؛ أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ: سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: (لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)؟، فنزلت هذه الآية: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) إسناد حسن ولم يخرجوه (١)

وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله إذا حيوه: "سام عليك"، قال الله: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

ثم قال الله مُؤدّبًا عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مَالأهم على ضلالهم من المنافقين، (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي: فيخبركم (٢) بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها.

قال الإمام أحمد: حدثنا بَهْزُ وعفان قالا أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن مُحْرِز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كَنَفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قَرّره بذنوبه ورأى في نفسه أن قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعْطَى كتابَ حسناته، وأما الكفار (٣) والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين".

أخرجاه في الصحيحين، من حديث قتادة (٤)

ثم قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: إنما النجوى-وهي المُسَارّة-حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا (مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه، (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحس من ذلك شيئًا فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله.

وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذٍ على مؤمن، كما قال الإمام أحمد:

(١) المسند (٢/ ١٧٠).

(٢) في أ: "فيجزيكم".

(٣) في م: "الكافرون".

(٤) المسند (٢/ ٧٤) وصحيح البخاري برقم (٤٦٨٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٦٨).

ج8 · ص45

حدثنا وكيع وأبو معاوية قالا حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَينَّ اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه". وأخرجاه من حديث الأعمش (١)

وقال عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه". انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب، به (٢)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾

يقول تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين، وآمرًا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ) وقرئ (في المجلس) (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح: "من بَنَى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة" (٣) وفي الحديث الآخر: "ومن يَسَّر على مُعْسِر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، [ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة] (٤) والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٥) ولهذا أشباه كثيرة؛ ولهذا قال: (فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ).

قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس (٦) الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ضَنّوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.

وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم جُمُعة وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فرد النبي ﷺ، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام، فلم يُفْسَح لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار، من غير أهل بدر: "قم يا فلان، وأنت يا فلان". فلم يزل

(١) المسند (١/ ٤٣١) وصحيح مسلم برقم (٢١٨٤) ولم أقع عليه عند البخاري عن الأعمش، وإنما هو عنده عن منصور، عن أبي وائل برقم (٦٢٩٠).

(٢) صحيح مسلم برقم (٢١٨٣).

(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٥٠) ومسلم في صحيحه برقم (٥٣٣) من حديث عثمان، ﵁.

(٤) زيادة من صحيح مسلم (٢٦٩٩).

(٥) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة، ﵁.

(٦) في م: "في مجلس".

ج8 · ص46

يقيمهم بعدة (١) النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبلُ عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب لنبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه. فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله رجلا فَسَح (٢) لأخيه". فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا، فَتَفَسَّحَ القومُ لإخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. رواه بن أبي حاتم.

وقد قال الإمام أحمد، والشافعي: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقيم الرَّجُلُ الرَّجُلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تَفَسَّحُوا وتَوسَّعوا".

وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع، به (٣)

وقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى، عن جابر بن عبد الله. أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقيمن أحدُكم أخاه يوم الجمعة، ولكن ليقل: افسحوا". على شرط السنن ولم يخرجوه (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فُلَيْح، عن أيوب عن عبد الرحمن بن [أبي] (٥) صَعْصَعة، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يقم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم" (٦)

ورواه أيضًا عن سُرَيج (٧) بن يونس، ويونس بن محمد المؤدب، عن فُلَيْح، به. ولفظه: "لا يقوم الرجلُ للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم" تفرد به أحمد (٨)

وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك محتجًّا بحديث: "قوموا إلى سيدكم" (٩) ومنهم من منع من ذلك محتجًّا بحديث: "من أحَبَّ أن يَتَمثَّلَ له الرجال قيامًا فَلْيَتبوَّأ مَقْعَدَه من النار" (١٠) ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي ﷺ حاكمًا

(١) في أ: "بعدد".

(٢) في م، أ: "يفسح".

(٣) لم يقع هذا الحديث لي في مسند أحمد هكذا، وإنما هو فيه (٢/ ٢٢): عن ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، (٢/ ٤٥) عن غندر، عن شعبة، عن أيوب بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر. وهو في صحيح البخاري برقم (٦٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (٢١٧٧).

(٤) مسند الشافعي برقم (٤٥٤) "بدائع المنن".

(٥) زيادة من المسند (٢/ ٥٢٣).

(٦) المسند (٢/ ٥٢٣).

(٧) في م، أ: "شريح".

(٨) المسند (٢/ ٣٣٨).

(٩) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٤٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.

(١٠) رواه أبو داود في السنن برقم (٥٢٢٩) والترمذي في السنن برقم (٢٧٥٥) من حديث معاوية ﵁، وقال الترمذي: "إسناد حسن".

ج8 · ص47

في بني قريظه فرآه مقبلا قال للمسلمين: "قوموا إلى سيدكم". وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله أعلم. فأما اتخاذه ديدنًا فإنه من شعار العجم. وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته (١) لذلك (٢) (٣)

وفي الحديث المروي في السنن: أن رسول الله ﷺ كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، وكان الصحابة، ﵃، يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق يجلسه عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالبًا عثمان وعلي؛ لأنهما كانا ممن يكتب (٤) الوحي، وكان يأمرهما بذلك، كما رواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي مَعْمَر، عن أبي مسعود، أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لِيَليني منكم أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٥) وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين، أو ليأخذ البدريون من العلم بنصيبهم، كما أخذ أولئك قبلهم، أو تعليما بتقديم الأفاضل إلى الأمام.

وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن عُمَارة بن عمير (٦) التيمي (٧) عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال أبو مسعود (٨) فأنتم اليوم أشد اختلافًا.

وكذا رواه مسلم وأهل السنن، إلا الترمذي، من طرق عن الأعمش، به (٩)

وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء (١٠) ثم العلماء، فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة.

وروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، وحَاذُوا بين المناكب، وسُدّوا الخلل، ولِينُوا بأيدي إخوانكم، ولا تَذَروا فرجات للشيطان، ومن وَصَل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفّا قطعه الله" (١١)

(١) في م: "من كراهيته".

(٢) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٧٥٤) من حديث أنس، ﵁.

(٣) وللإمام النووي-﵀-رسالة سماها: "الترخيص بالقيام لذوى الفضل والمزية من أهل الإسلام" أطنب في الكلام على هذه المسألة، وهى مطبوعة بدار الفكر بدمشق.

(٤) في م: "يكتبان".

(٥) صحيح مسلم برقم (٤٣٢).

(٦) في أ: "بكير".

(٧) في م، أ: "الليثي".

(٨) في أ: "سعيد".

(٩) المسند (٤/ ١٢٢) وصحيح مسلم برقم (٤٣٢) وسنن أبي داود برقم (٦٧٤) وسنن النسائي (٢/ ٨٧) وسنن ابن ماجة برقم (٩٧٦).

(١٠) في أ: "الفضلاء".

(١١) سنن أبي داود برقم (٦٦٦).

ج8 · ص48

ولهذا كان أبي بن كعب -سيد القراء-إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلا يكون من أفناء (١) الناس، ويدخل هو في الصف المقدم، ويحتج بهذا الحديث: "ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى". وأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه، عملا بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه. ولنقتصر على هذا المقدار (٢) من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج (٣) إلى غير هذا الموضع، وفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله ﷺ جالس، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهبًا. فقال رسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بخبر الثلاثة، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" (٤)

وقال الإمام أحمد: حدثنا عَتَّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما".

ورواه أبو داود والترمذي، من حديث أسامة بن زيد الليثي، به (٥) وحسنه الترمذي.

وقد رُوي عن ابن عباس، والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا (٦) في قوله تعالى: (إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا) (٧) يعني: في مجالس الحرب، قالوا: ومعنى قوله: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي: انهضوا للقتال.

وقال قتادة: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا) أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.

وقال مقاتل [بن حيان] (٨) إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي ﷺ في بيته فأرادوا الانصراف أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجا من عنده، فربما يشق (٩) ذلك عليه-﵇-وقد تكون له (١٠) الحاجة، فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا، كقوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] (١١)

وقوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) أي: لا تعتقدوا أنه إذا فَسَح أحد منكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصا في حقه، بل هو رفعة ومزية (١٢) عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رَفَع الله قدره، ونَشَر ذكره؛ ولهذا قال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

(١) في م، أ: "أفناد".

(٢) في م: "القدر".

(٣) في م: "محتاج".

(٤) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٧٦).

(٥) المسند (٢/ ٢١٣) وسنن أبي داود برقم (٤٨٤٥) وسنن الترمذي برقم (٢٧٥٢).

(٦) في م، أ: "أنهما قالا".

(٧) في أ: "المجالس".

(٨) زيادة من م.

(٩) في م: "شق".

(١٠) في م: "لهم".

(١١) في م: "وإذا قيل ارجعوا" وهو خطأ.

(١٢) في م: "ورتبة"، وفي أ: "ومنزلة"