سورة النجم

ซูเราะฮ์ที่ 53 · ตอน 2/2 · เล่ม 7 หน้า 457–469

12
ج7 · ص457

فأخبره فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا". فرجع خالد، فلما أبصرته السَّدَنة -وهم حَجَبتها-أمعنوا في الحِيَل وهم يقولون: "يا عزى، يا عزى". فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن (١) التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "تلك العزى" (٢).

قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سَدَنتها وحجابها بنى مُعَتّب (٣).

قلت: وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجد الطائف.

قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المُشَلّل بقديد، فبعث رسول الله ﷺ [إليها] (٤) أبا سفيان صخر بن حرب، فهدمها. ويقال: علي بن أبي طالب.

قال: وكانت ذو الخَلَصة (٥) لدَوس وخَثعم وبَجِيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بِتَبَالة.

قلت: وكان يقال لها: الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية.

فبعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه.

قال: وكانت فَلْس (٦) لطيئ ولمن يليها بجبلي طيئ من (٧) سَلمى وأجا.

قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين: الرّسُوب والمخْذَم، فَنفَّله أياهما رسول الله ﷺ، فهما سيفا علي (٨).

قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: ريام. وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه، وهدما البيت.

قال ابن إسحاق: وكانت "رُضَاء" بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:

ولقد شَدَدْتُ عَلَى رُضَاء شَدّةً … فَتَرَكْتُها قَفْرًا بِقَاع أسحَمَا

قال ابن هشام: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين (٩) سنة، وهو القائل:

وَلَقَد سَئِمْتُ مِنَ الحيَاةِ وَطُولِهَا … وَعُمّرْتُ منْ عَدَد السّنِينَ مِئِينَا

مائَةً حَدّتها بَعْدَها مائَتَان لي … وازددت (١٠) مِنْ عَدَد الشّهور سِنِينَا

هَلْ مَا بَقِي إلا كَمَا قَدْ فَاتَنَا … يَومٌ يَمُرُّ وَلَيلةٌ تَحْدُونَا

(١) في م: "تحثو".

(٢) النسائي في السنن الكبرى رقم (١١٥٦٧).

(٣) في م: "مغيت".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في أ: "الحليفة".

(٦) في م: "فيس".

(٧) في م، أ: "بين".

(٨) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٨٧).

(٩) في أ: "وستون".

(١٠) في م، أ: "وعمرت".

ج7 · ص458

قال ابن إسحاق: وكان ذو الكَعَبَات لبكر وتغلب ابني وائل، وإياد بِسَنْداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة:

بَيْنَ الخَوَرْنَق والسَّدير وَبَارقٍ … والبيت ذو الكَعَبَات من سَنْدَاد (١)

ولهذا قال [تعالى] (٢): (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى)؟.

ثم قال: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى)؟ أي: أتجعلون له ولدا، وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت (قِسْمَةٌ ضِيزَى) أي: جورا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها.

ثم قال منكرا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر، من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة: (إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ) أي: من تلقاء أنفسكم (مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) أي: من حجة، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ) أي: ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) أي: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به، ولا انقادوا له.

ثم قال: (أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى) أي: ليس كل من تمنى خيرا حصل له، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]، ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود (٣) شيئا يحصل له.

قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عَوَانة، عن عمر (٤) بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته". تفرد به أحمد (٥).

وقوله: (فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى) أي: إنما الأمر كله لله، مالك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

وقوله: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى)، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟.

(١) انظر السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٨٧، ٨٨).

(٢) زيادة من م.

(٣) في م: "رد".

(٤) في أ: "عمرو".

(٥) المسند (١/ ٣٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٥١): "رجاله رجال الصحيح".

ج7 · ص459

﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾

يقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله، كما قال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]؛ ولهذا قال: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم) أي: ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء، وكفر شنيع. (ٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي: لا يجدي شيئا، ولا يقوم أبدا مقام الحق. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (١).

وقوله: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا) أي: أعرِضْ عن الذي أعرَضَ عن الحق واهجره.

وقوله: (وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أي: وإنما (٢) أكثر (٣) همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك (٤) قال: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه.

وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة [﵂] (٥) قالت: قال رسول الله ﷺ: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (٦) وفي الدعاء المأثور: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر هَمِّنَا، ولا مَبْلَغَ علمنا".

وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدًا، لا في شرعه ولا في قَدَره.

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾

(١) صحيح البخاري برقم (٥١٤٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٢) في م: "وإنا".

(٣) في أ: "أكبر".

(٤) في م، أ: "ولهذا".

(٥) زيادة من م.

(٦) المسند (٦/ ٧١).

ج7 · ص460

يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وخلق الخلق بالحق، (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) أي: يجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي: لا يتعاطون المحرمات والكبائر، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وقال هاهنا: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ). وهذا استثناء منقطع؛ لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر (١) عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمَم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ، قال: "إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فَزِنَا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمنَّى وتَشْتَهِي، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكَذِّبه".

أخرجاه في الصحيحين، من حديث عبد الرزاق، به (٢).

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن (٣) ثور حدثنا مَعْمَر، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى؛ أن ابن مسعود قال: "زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويُصدّق ذلك الفرج أو يُكَذِّبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا، وإلا فهو اللَّمَم" (٤). وكذا قال مسروق، والشعبي.

وقال عبد الرحمن بن نافع -الذي يقال له: ابن لبابة الطائفي-قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: (إِلا اللَّمَمَ) قال: القُبلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، وهو الزنا.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِلا اللَّمَمَ) إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال: في هذه الآية: (إِلا اللَّمَمَ) قال: الذي يلم بالذنب ثم يَدَعه، قال الشاعر:

إنْ تَغْفِر اللهُمّ تغفر جَمّا … وَأيّ عَبْد لَكَ مَا أَلَمَّا؟!

(١) في م: "معمر بن أرطأة" وزيادة "ابن أرطأة" خطأ. انظر: تعليق أحمد شاكر على المسند على المسند حديث رقم (٧٧٠٥).

(٢) المسند (٢/ ٢٧٦) وصحيح البخاري برقم (٦٦١٢) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٧).

(٣) في أ: "أبو".

(٤) تفسير الطبري (٢٧/ ٣٩).

ج7 · ص461

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله: (إِلا اللَّمَمَ) قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه، قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:

إن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟!

وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا (١).

قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول الله ﷺ:

إن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟!

وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن عثمان أبي (٢) عثمان البصري، عن أبي عاصم النبيل. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وكذا قال البزار: لا نعلمه يُروى متصلا إلا من هذا الوجه. وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة "تنزيل" وفي صحته مرفوعا نظر (٣).

ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة -أراه رفعه-: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: "اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود"، قال: "ذلك (٤) الإلمام" (٥).

وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عَديّ، عن عوف، عن الحسن في قول الله: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود.

وحدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاء، عن الحسن في قول الله: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ) قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها.

وقال ابن جرير (٦)، عن عطاء، عن ابن عباس: (إِلا اللَّمَمَ) يلم بها في الحين. قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب.

وقال ابن جرير أيضا: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن

(١) تفسير الطبري (٢٧/ ٣٩).

(٢) في م: "أي".

(٣) سنن الترمذي برقم (٣٢٨٤) وتفسير البغوي (٧/ ١٢٨).

(٤) في م: "فتلك" وفي أ: "فعلك".

(٥) تفسير الطبري (٢٧/ ٣٩).

(٦) في أ: "جريج".

ج7 · ص462

عباس قال: (اللَّمَمَ) الذي يلم المرَّةَ.

وقال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن (اللَّمَمَ) فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب. وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها مَلَك كريم. حكاه البغوي.

وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح -وهو ضعيف-عن عمرو بن شعيب؛ أن عبد الله بن عمرو قال: (اللَّمَمَ): ما دون الشرك.

وقال سفيان الثوري، عن جابر الجُعفي، عن عطاء، عن ابن الزبير: (إِلا اللَّمَمَ) قال: ما بين الحدين: حد الدنيا (١) وعذاب الآخرة. وكذا رواه شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس، مثله سواء.

وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس في قوله: (إِلا اللَّمَمَ) كل شيء بين (٢) الحدين: حد الدنيا (٣) وحد الآخرة، تكفره الصلوات، وهو (٤) اللمم، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخَّر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك.

وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) أي: رحمته وَسِعَت كل شيء، ومغفرته تَسَع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].

وقوله: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْض) أي: هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر (٥) عنكم وتقع منكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذَّر، ثم قسمهم فريقين: فريقا للجنة وفريقا للسعير (٦). وكذا قوله: (وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) قد كتب الملك الذي يُوَكَّل به رزقَه وأجَلَه وعمله، وشقي أم سعيد.

قال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا، فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي، ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا يَفَعَةً، فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابًا فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا -لا أبا لك-فماذا بعد هذا ننتظر؟ (٧) رواه ابن أبي حاتم عنه.

وقوله: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) أي: تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم، (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)، كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٤٩].

وقال مسلم في صحيحه: حدثنا عَمْرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن يزيد

(١) في م، أ: "الزنا".

(٢) في م: "من".

(٣) في أ: "الزنا".

(٤) في م: "فهو".

(٥) في م، أ: "ستصدر".

(٦) في أ: "فريقا في الجنة وفريقا في السعير".

(٧) في م، أ: "ينتظر".

ج7 · ص463

بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي بَرّةَ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسميت بَرَّة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم". فقالوا: بم نسميها؟ قال: "سموها زينب" (١).

وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحَذَّاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكْرَة، عن أبيه قال: مدح رَجُلٌ رجلا عند النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "ويلك! قطعت عُنُقَ صاحبك -مرارًا-إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانا -والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا-أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك" (٢).

ثم رواه عن غُنْدَر، عن شعبة، عن خالد الحذاء، به. وكذا رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، من طرق، عن خالد الحذاء، به (٣).

وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب.

ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري، عن منصور، به (٤).

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى (٤١)﴾.

يقول تعالى ذَامًّا لمن تولى عن طاعة الله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، (وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى) قال ابن عباس: أطاع قليلا ثم قطعه. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرًا، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: "أكدينا"، ويتركون العمل.

وقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) أي: أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع

(١) صحيح مسلم برقم (٢١٤٢).

(٢) المسند (٥/ ٤٥).

(٣) المسند (٥/ ٤١) وصحيح البخاري برقم (٢٦٦٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٠٠) وسنن أبي داود برقم (٤٨٠٥) وسنن ابن ماجه برقم (٣٧٤٤).

(٤) صحيح مسلم برقم (٣٠٠٢) وسنن أبي داود برقم (٤٨٠٤).

ج7 · ص464

معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عيانا؟! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنفق بلالا ولا تَخْشَ من ذي العرش إقلالا" (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].

وقوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال سعيد بن جبير، والثوري أي بلّغ جميع ما أمر به.

وقال ابن عباس: (وَفَّى) لله بالبلاغ. وقال سعيد بن جُبَير: (وَفَّى) ما أمر به. وقال قتادة: (وَفَّى) طاعة الله، وأدى رسالته الى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يُقتَدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحِمْصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال: "أتدري ما وفى؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار".

ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف (٢).

وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السّمْناني، حدثنا أبو مُسْهِر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد (٣)، عن خالد بن مَعْدان، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله، ﷿، أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره" (٤).

قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا زَبَّان بن قائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:

(١) جاء من حديث ابي هريرة وبلال وابن مسعود. أما حديث أبي هريرة: فرواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٨٠) والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٤١) من طريقين عن محمد بن سيرين عنه به. وأما حديث بلال: فرواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٥٩) من طريق أبي إسحاق عن مسروق عنه به. وأما حديث ابن مسعود: فرواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٩١) من طريق يحيى بن وثاب عن مسروق عنه به.

(٢) تفسير الطبري (٢٧/ ٤٣).

(٣) في م، أ: "يحيى بن سعيد".

(٤) سنن الترمذي برقم (٤٧٥) وقال: "هذا حديث حسن غريب".

ج7 · ص465

﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى ختم الآية". ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن رِشْدِين بن سعد، عن (١) زَبَّان، به (٢).

ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: (أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي، ﵀، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما.

وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به" (٣)، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (٤). والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ (٥) الآية [يس: ١٢]. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا".

وقوله: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) أي: يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] أي: فيخبركم به، ويجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهكذا قال هاهنا: (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى) أي: الأوفر.

(١) في م: "بن".

(٢) تفسير الطبري (٢٧/ ٤٣) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ١٩٢) من كلا الطريقين وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١١٧): "فيه ضعفاء وثقوا". قلت في الأولى: ابن لهيعة وهو ضعيف. وفي الثانية: رشدين بن سعد وهو ضعيف. وفيهما: زيان بن فائد وهو ضعيف.

(٣) صحيح مسلم برقم (١٦٣١).

(٤) رواه أحمد في المسند (٦/ ٣١) وأبو داود في السنن برقم (٣٥٢٨) والترمذي في السنن برقم (١٣٥٨) والنسائي في السنن (٧/ ٢٤٠) من حديث عائشة ﵂/ وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

(٥) في م: (وآثارهم وكل شيء أحصيناه).

ج7 · ص466

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾

يقول تعالى [مخبرا] (١) (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) أي: المعاد يوم القيامة.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأوْديّ قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله، إلى الجنة أو إلى النار.

وذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ في قوله: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى)، قال: لا فكرةَ في الرب (٢).

قال البغوي: وهذا مثل ما رُوي عن أبي هريرة مرفوعا: "تفكَّروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط (٣) به الفِكْرة".

كذا أورده، وليس بمحفوظ بهذا اللفظ (٤)، وإنما الذي في الصحيح: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله وَلْيَنْتَه" (٥).

وفي الحديث الآخر الذي في السنن: "تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا (٦) في ذات الله، فإن الله خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مَسِيرة ثلاثمائة سنة" أو كما قال (٧).

وقوله: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أي: خلق في عباده الضحك، والبكاء وسببهما وهما مختلفان.

(وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا)، كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢].

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾

(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ

(١) زيادة من أ.

(٢) معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤١٧).

(٣) في م: "يحيط".

(٤) معالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤١٧) ورواه ابن عساكر في المجلس التاسع والثلاثون ومائة من الأمالي (٥٠/ ١) كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ٣٩٥) من طريق محمد بن سلمة البلخي عن بشر بن الوليد عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وفيه بشر بن الوليد وهو ضعيف.

(٥) صحيح البخاري برقم (٣٢٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٣٤).

(٦) في أ: "ولا تتفكروا".

(٧) لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى أبو داود القطعة الثانية في سننه برقم (٤٧٢٧) من حديث جابر ﵁، مرفوعا بلفظ: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، وإن ما بين شحمه أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". والقطعة الأولى: رويت من حديث أبي ذر مرفوعا: "تفكروا في خلق الله، ولا تتفكروا في الله فتهلكوا". أخرجه أبو الشيخ في العظمة برقم (٤).

ج7 · ص467

الذَّكَرَ وَالأنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى)، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. (١).

وقوله: (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى) أي: كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الآخرة يوم القيامة. (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) أي: مَلَّك عباده المال، وجعله لهم قُنْيَة مقيما عندهم، لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم. وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح، وابن جرير، وغيرهما. وعن مجاهد: (أَغْنَى): مَوَّل، (وَأَقْنَى): أخدم. وكذا قال قتادة.

وقال ابن عباس ومجاهد أيضا: (أَغْنَى): أعطى، (وَأَقْنَى): رَضّى.

وقيل: معناه: أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه، قاله الحضرمي بن لاحق.

وقيل: (أَغْنَى) من شاء من خلقه و(وَأَقْنَى): أفقر من شاء منهم، قاله ابن زيد. حكاهما ابن جرير (٢) وهما بعيدان من حيث اللفظ.

وقوله: (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له: "مِرْزَم الجوزاء" كانت طائفة من العرب يعبدونه.

(وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى) وهم: قوم هود. ويقال لهم: عاد بن إرم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨]، فكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله وعلى رسوله، فأهلكهم الله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦، ٧].

وقوله: (وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى)، أي: دمرهم فلم يبق منهم أحدا، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْل) أي: من قبل هؤلاء، (إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى) أي: أشد تمردا من الذين من بعدهم، (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) يعني: مدائن لوط، قَلَبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود؛ ولهذا قال: (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) يعني: من الحجارة التي أرسلها عليهم ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].

قال قتادة: كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان، فانضرم عليهم الوادي شيئا من نار ونفط وقَطِران كفم الأتون (٣). رواه (٤) ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن وهب بن عطية، عن الوليد بن مسلم، عن خليد، عنه به. وهو غريب جدا.

(١) في م: "تمنى".

(٢) تفسير الطبري (٢٧/ ٤٤).

(٣) في أ: "كتم الأنوف".

(٤) في م: "ورواه".

ج7 · ص468

(فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) أي: ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة.

وقال ابن جُرَيج: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) يا محمد. والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير.

﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾

(هَذَا نَذِيرٌ) يعني: محمدا ﷺ (مِنَ النُّذُرِ الأولَى) أي: من جنسهم، أرسل كما أرسلوا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩].

(أَزِفَتِ الآزِفَة) أي: اقتربت القريبة، وهي القيامة، (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) أي: لا يدفعها إذًا من دون الله أحد، ولا يطلع على علمها سواه.

ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم: (تَعْجَبُونَ (^١» من أن يكون صحيحا، (وَتَضْحَكُونَ (٢) منه استهزاء وسخرية) (وَلا تَبْكُونَ) أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].

وقوله: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) قال سفيان الثوري، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الغناء، هي يمانية، اسْمِد لنا: غَنّ (٣) لنا. وكذا قال عكرمة.

وفي رواية عن ابن عباس: (سَامِدُونَ): معرضون. وكذا قال مجاهد، وعكرمة. وقال الحسن: غافلون. وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون. وبه يقول السدي.

ثم قال آمرا لعباده بالسجود له والعبادة المتابعة لرسوله ﷺ والتوحيد والإخلاص: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (٤) أي: فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوا.

قال البخاري: حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. انفرد به دون مسلم (٥).

وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وَدَاعة، عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد وسَجَد من عنده، فرفعتُ رأسي وأبيتُ أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب،

(١) في م: "يعجبون".

(٢) في م: "يضحكون".

(٣) في م، أ: "تغني".

(٤) في م: "فليسجدوا" وهو خطأ.

(٥) صحيح البخاري برقم (٤٨٦٢).

ج7 · ص469

فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها (١) إلا سجد معه.

وقد رواه النسائي في الصلاة، عن عبد الملك بن عبد الحميد، عن أحمد بن حنبل، به (٢).

ذكر حديث له مناسبة بما تقدم من قوله تعالى: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى * أَزِفَتِ الآزِفَة)، فإن النذير هو: الحذر لما يعاين من الشر، الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وفي الحديث: "أنا النذير العُريان" أي: الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئًا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك، فجاءهم عُريانا مسرعا مناسب لقوله: (أَزِفَتِ الآزِفَة) أي: اقتربت القريبة، يعني: يوم القيامة كما قال في أول السورة التي بعدها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، قال الإمام أحمد:

حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم -لا أعلم إلا عن سهل بن سعد-قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خُبْزَتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". وقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ -قال أبو ضَمْرَة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد-قال: "مثلي ومثل الساعة كهاتين" وفرق بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل فَرسَي رِهَان"، ثم قال: "مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه: أتيتم أتيتم". ثم يقول رسول الله ﷺ: "أنا ذلك" (٣). وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحِسان. ولله الحمد والمنة، وبه الثقة والعصمة.

آخر [تفسير] (٤) سورة النجم ولله الحمد والمنة

(١) في م، أ: "يقرأ بها".

(٢) المسند (٦/ ٣٩٩) وسنن النسائي (٢/ ١٦٠).

(٣) المسند (٥/ ٣٣١).

(٤) زيادة من م، أ.