سورة الحجرات

ซูเราะฮ์ที่ 49 · ตอน 2/2 · เล่ม 7 หน้า 379–391

12
ج7 · ص379

أفسدهم" (١).

[وقوله]: (٢) (وَلا تَجَسَّسُوا) أي: على بعضكم بعضا. والتجسس غالبا يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبا في الخير، كما قال تعالى إخبارا عن يعقوب [﵇] (٣) أنه قال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، وقد يستعمل كل منهما في الشر، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا" (٤).

وقال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم. والتدابر: الصَّرْم. رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القَعْنَبِي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة (٥) قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

ورواه الترمذي عن قتيبة، عن الدَّرَاوَرْدي، به (٦). وقال: حسن صحيح. ورواه ابن جرير عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن العلاء (٧). وهكذا قال ابن عمر، ومسروق، وقتادة، وأبو إسحاق، ومعاوية بن قُرَّة.

وقال (٨) أبو داود: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة، عن عائشة قالت: قلت للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا! -قال غير مسدد: تعني قصيرة-فقال: "لقد قلت كلمة لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجته". قالت: وحكيت له إنسانا، فقال ﷺ: "ما أحب أني حكيت إنسانًا، وإن لي كذا وكذا".

ورواه الترمذي من حديث يحيى القَطَّان، وعبد الرحمن بن مَهْدِيّ، ووَكِيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة سلمة بن صهيبة الأرحبي، عن عائشة، به. وقال: حسن صحيح (٩).

وقال ابن جرير: حدثني ابن أبي الشوارب: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا حسان بن المخارق (١٠)؛ أن امرأة دخلت على عائشة، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها

(١) سنن أبي داود برقم (٤٨٨٩).

(٢) زيادة من ت.

(٣) زيادة من ت.

(٤) صحيح البخاري برقم (٢٤٤٢).

(٥) في ت: "أبي هريرة ﵁".

(٦) سنن أبي داود برقم (٤٨٧٤) وسنن الترمذي برقم (١٩٣٥).

(٧) تفسير الطبري (٢٦/ ٨٦).

(٨) في ت: "وروى".

(٩) سنن أبي داود برقم (٤٨٧٥) وسنن الترمذي برقم (٢٥٠٢، ٢٥٠٣).

(١٠) في ت: "وروى ابن جرير بسنده".

ج7 · ص380

إلى النبي ﷺ -أي: إنها قصيرة-فقال النبي ﷺ: "اغتبتيها" (١).

والغيبة محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله ﷺ (٢)، لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: "ائذنوا له، بئس أخو العشيرة" (٣)، وكقوله لفاطمة بنت قيس -وقد خطبها معاوية وأبو الجهم-: "أما معاوية فصعلوك (٤)، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" (٥). وكذا ما جرى مجرى ذلك. ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد (٦)؛ ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإنسان الميت، كما قال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ)؟ أي: كما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا ذاك شرعا؛ فإن عقوبته أشد من هذا وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، كما قال، ﵇، في العائد في هبته: "كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه"، وقد قال: "ليس لنا مثل السوء". وثبت في الصحاح (٧) والحسان والمسانيد من غير وجه أنه، ﵇، قال في خطبة [حجة] (٨) الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (٩).

وقال (١٠) أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

ورواه الترمذي (١١) عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به (١٢). وقال: حسن غريب.

وحدثنا عثمان بن أبي شيبة (١٣)، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله (١٤) بن جريج، عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".

تفرد به أبو داود (١٥). وقد روي من حديث البراء بن عازب، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام، عن حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي إسحاق

(١) تفسير الطبري (٢٦/ ٨٧).

(٢) في ت: "﵇".

(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣١٣٢) من حديث عائشة ﵂.

(٤) في أ: "فصعلوك لا مال له".

(٥) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٨٠).

(٦) في ت، م: "الشديد".

(٧) في ت، م: "الصحيح".

(٨) زيادة من ت، م، أ.

(٩) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.

(١٠) في ت: "وروى".

(١١) في ت: "رواه الترمذي وحسنه".

(١٢) سنن أبي داود برقم (٤٨٨٢) وسنن الترمذي برقم (١٩٢٧).

(١٣) في ت: "وروى أبو داود".

(١٤) في أ: "عبيد الله".

(١٥) سنن أبي داود برقم (٤٨٨٠).

ج7 · ص381

السَّبِيعي (١)، عن البراء بن عازب (٢) قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتها -أو قال: في خدورها-فقال: "يا معشر من آمن بلسانه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه (٣) في جوف بيته" (٤).

طريق أخرى عن ابن عمر: قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن أوفى بن دَلْهَم، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإيمانُ إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". قال: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظمُ حرمة عند الله منك (٥).

قال أبو داود: وحدثنا حَيْوَة بن شُرَيْح، حدثنا بَقِيَّة، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة، عن المستورد؛ أنه حدثه: أن النبي ﷺ قال: "من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في (٦) جهنم (٧)، ومن كُسى ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في (٨) جهنم. ومن قام برجل مقام سمعةٍ ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة". تفرد به أبو داود (٩).

وحدثنا ابن مصفى، حدثنا بقية وأبو المغيرة قالا حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "لما عُرِج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبرائيل (١٠)؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم".

تفرد به أبو داود، وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي، به (١١).

وقال (١٢) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا أبو عبد الصمد بن عبد العزيز ابن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخدري [﵁] (١٣) قال: قلنا يا رسول الله، حدثنا ما رأيت ليلة أسريَ بك؟ … قال: "ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء مُوَكَّل بهم رجال يعمدون إلى عُرْض جنَب أحدهم فَيَحْذُون منه الحُذْوَة من مثل النعل ثم يضعونه في فيّ أحدهم، فيقال له: كل كما (١٤) أكلت"، وهو يجد من أكله الموت -يا

(١) في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى في مسنده بسنده".

(٢) في ت: "البراء بن عازب ﵁".

(٣) في ت: "يفضحه ولو في".

(٤) مسند أبي يعلى (٣/ ٢٣٧) قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٩٣): "رجاله ثقات".

(٥) ورواه الترمذي في السنن برقم (٢٠٣٢) من طريق الفضل بن موسى به، وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد".

(٦) في ت، م، أ: "من".

(٧) في ت: "في نار جهنم".

(٨) في أ: "من".

(٩) سنن أبي داود برقم (٤٨٨١).

(١٠) في ت، م: "جبريل".

(١١) سنن أبي داود برقم (٤٨٧٨)، والمسند (٣/ ٢٢٤).

(١٢) في ت: "وروى".

(١٣) زيادة من ت.

(١٤) في ت: "ما".

ج7 · ص382

محمد-لو يجد الموت وهو يكره عليه فقلت: يا جبرائيل (١)، من هؤلاء: قال: هؤلاء الهمَّازون اللمَّازون أصحاب النميمة. فيقال (٢): (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) وهو يكره على أكل لحمه.

هكذا أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير "سورة سبحان" ولله الحمد (٣).

وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يصوموا يوما ولا يفطرن أحدٌ حتى آذن له. فصام الناس، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﷺ فيقول: ظللت منذ اليوم صائما، فائذن لي. فأفطر فيأذن له، ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له، حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فَلْيفطرا فأعرض عنه، ثم أعاد، فقال رسول الله ﷺ: "ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟ اذهب، فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا". ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما عَلَقةً علقَةً فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: "لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار" (٤).

إسناد ضعيف، ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون: حدثنا سليمان التيمي قال: سمعت رجلا يحدث في مجلس أبي عثمان النَّهْدِي عن عبيد -مولى رسول الله (٥) -أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ، وأن رجلا أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين صامتا، وإنهما كادتا تموتان من العطش -أرَاهُ قال: بالهاجرة-فأعرض عنه -أو: سكت عنه-فقال: يا نبي الله، إنهما -والله قد ماتتا أو كادتا تموتان (٦). فقال: ادعهما. فجاءتا، قال: فجيء بقدح -أو عُسّ-فقال لإحداهما: " قيئي" فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح. ثم قال للأخرى: قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما ودما عبيطا وغيره حتى ملأت القدح. فقال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس.

وهكذا قد رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان بن طِرْخان التيمي، به مثله أو نحوه (٧). ثم رواه أيضا من حديث مُسَدَّد، عن يحيى القَطَّان، عن عثمان بن غياث، حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان، عن سعد -مولى رسول الله ﷺ-أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال: يا رسول الله، فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد. فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا، ثم قال: "ادعهما". فجاء بعُس -أو: قَدَح-فقال لإحداهما: "قيئي"، فقاءت لَحْمًا ودمًا عبيطا وقيحا، وقال للأخرى مثل ذلك، فقال: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما

(١) في ت، م: "جبريل".

(٢) في أ: "فقال".

(٣) عند الآية الأولى.

(٤) مسند الطيالسي برقم (٢١٠٧).

(٥) في ت، م: "رسول الله ﷺ".

(٦) في ت: "أن تموتا".

(٧) المسند (٥/ ٤٣١) ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت برقم (١٧١) من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي به.

ج7 · ص383

قيحا" (١).

وقال البيهقي: كذا قال "عن سعد"، والأول -وهو عبيد-أصح.

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مَخْلَد، حدثنا أبي أبو عاصم، حدثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزبير (٢) عن ابن عَمّ لأبي هريرة أن ماعزًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت فأعرض عنه -قالها أربعا-فلما كان في الخامسة قال: "زنيت"؟ قال: نعم. قال: "وتدري ما الزنا؟ " قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: "ما تريد إلى هذا القول؟ " قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله ﷺ: "أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المِيل في المكحلة والرِّشاء (٣) في البئر؟ ". قال: نعم، يا رسول الله. قال: فأمر برجمه فرجم، فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجمَ رجم الكلب. ثم سار النبي ﷺ حتى مَرّ بجيفة حمار فقال: أين فلان وفلان؟ أنزلا فكلا من جيفة هذا الحمار" قالا غفر الله لك يا رسول، الله وهل يُؤكل هذا؟ " قال: "فما نلتما من أخيكما (٤) آنفا أشد أكلا من، والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (٥)] إسناده صحيح] (٦).

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا واصل -مولى ابن عيينة-حدثني خالد بن عُرْفُطَة، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله ﷺ: "أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين (٧) " (٨).

طريق أخرى: قال عبد بن حُميد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفُضيل بن عياض، عن سليمان، عن أبي سفيان -وهو طلحة بن نافع-عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح منتنة (٩)، فقال النبي ﷺ: "إن نفرًا من المنافقين اغتابوا ناسا من المسلمين، فلذلك بعثت هذه الريح" وربما قال: "فلذلك هاجت هذه الريح" (١٠).

وقال السدي في قوله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا): زعم أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ في سفر يخدمهما ويخف لهما، وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم وبقي سلمان نائما، لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه (١١) فلم يجداه، فضربا الخِباء فقالا ما يريد سليمان -أو: هذا العبد-شيئا غير هذا: أن يجيء إلى طعام مقدور، وخباء مضروب! فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إداما، فانطلق فأتى رسول

(١) المسند (٥/ ٤٣١).

(٢) في ت: "وروى الحافظ أبو يعلى بمسنده".

(٣) في ت، م، أ: "والعصا".

(٤) في ت: "من عرض أخيكما".

(٥) مسند أبي يعلى (٦/ ٥٢٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٢٧) من طريق عمرو بن الضحاك به؛ ورواه أبو داود في السنن برقم (٤٤٢٩) من طريق الضحاك به.

(٦) زيادة من ت.

(٧) في ت، أ: "الناس".

(٨) المسند (٣/ ٣٥١) قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٩١): "رجاله ثقات".

(٩) في م: "ريح شديدة منتنة".

(١٠) المنتخب برقم (١٠٢٦).

(١١) في م: "يكلماه".

ج7 · ص384

الله [ﷺ] (١) ومعه قَدَح له، فقال: يا رسول الله، بعثني أصحابي لِتؤدِمَهم إن كان عندك؟ قال: "ما يصنع أصحابك بالأدْم؟ قد ائتدموا". فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله ﷺ، فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فقالا لا والذي بعثك بالحق، ما أصبنا طعاما منذ نزلنا. قال: "إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما".

قال: ونزلت: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)، إنه كان نائما (٢).

وروى الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "المختارة" من طريق حَبَّان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر ما رجل يخدمهما، فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما، فقالا إن هذا لنؤوم، فأيقظاه، فقالا له: ائت رسول الله فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، ويستأدمانك.

فقال: "إنهما قد ائتدما" فجاءا فقالا يا رسول الله، بأي شيء ائتدمنا؟ فقال: "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده، إني لأرى لحمه بين ثناياكما". فقالا استغفر لنا يا رسول الله فقال: "مُرَاه فليستغفر لكما" (٣).

وقال (٤) الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم، عن محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يَسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكل من لحم أخيه في الدنيا، قُرِّب له لحمه في الآخرة، فيقال له: كله مَيْتًا كما أكلته حَيًّا. قال: فيأكله ويَكْلَح ويصيح". غريب جدا (٥).

وقوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه، فراقبوه في ذلك واخشوا منه، (إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) أي: تواب على من تاب إليه، رحيم بمن رجع إليه، واعتمد عليه.

قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يُقلع (٦) عن ذلك، ويعزم على ألا يعود. وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال آخرون: لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا (٧) أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون (٨) تلك بتلك، كما قال (٩) الإمام أحمد:

حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن سليمان؛ أن إسماعيل بن يحيى المعَافِريّ أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجُهَنِيّ أخبره، عن أبيه، عن (١٠) النبي

(١) زيادة من ت.

(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور (٧/ ٥٧٠).

(٣) المختارة برقم (١٦٩٧).

(٤) في ت: "وروى".

(٥) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٩٦١) "مجمع البحرين" من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق به، وقال: لم يروه عن ابن إسحاق إلا محمد بن سلمة وقد وقع هنا "محمد بن مسلم" وأظنه تصحيفا، لكني لا أستطيع الجزم بذلك قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٩٢): "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ومن لم أعرفه".

(٦) في م: "يرجع".

(٧) في ت: "لو".

(٨) في ت: "لتكون".

(٩) في ت: "روى".

(١٠) في ت: "أن".

ج7 · ص385

ﷺ قال: "من حمى مؤمنا من منافق يعيبه (١)، بعث الله إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم. ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال". وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله -وهو ابن المبارك-به بنحوه (٢).

وقال (٣) أبو داود أيضا: حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث: حدثني يحيى بن سليم؛ أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد الله، وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان: قال (٤) رسول الله ﷺ: "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته. وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته (٥)، إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته". تفرد به أبو داود (٦).

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾

يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك.

وقيل: المراد بالشعوب بطون العَجَم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل. وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب: "الإنباه" لأبي عمر (٧) بن عبد البر، ومن كتاب "القصد والأمم، في معرفة أنساب العرب والعجم". فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله ﷺ؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبها على تساويهم في البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته.

وقال مجاهد في قوله: (لِتَعَارَفُوا)، كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي: من قبيلة كذا وكذا.

وقال سفيان الثوري: كانت حِمْير ينتسبون إلى مَخَاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها.

وقد قال (٨) أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد

(١) في أ "بغيبة".

(٢) المسند (٣/ ٤٤١) وسنن أبي داود برقم (٤٨٨٣).

(٣) في ت: "وروى".

(٤) في ت: "أن".

(٥) في أ: "عرضه".

(٦) سنن أبي داود برقم (٤٨٨٤).

(٧) في م: "عمرو".

(٨) في ت: "وروى".

ج7 · ص386

الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد -مولى المنبعث-عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (١).

وقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب. وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ:

قال (٢) البخاري ﵀: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ " قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهُوا" (٣).

وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان (٤). ورواه النسائي في التفسير من حديث عبيد الله -وهو ابن عمر العمري-به (٥).

حديث آخر: قال مسلم (٦)، ﵀: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كَثِير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة (٧) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سنان، عن كَثِير بن هشام، به (٨).

حديث آخر: وقال (٩) الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أبي ذر قال: إن النبي ﷺ قال له: "انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى (١٠). تفرد به أحمد (١١).

حديث آخر: وقال (١٢) الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت محمد بن حبيب بن خِرَاش العَصَرِيّ، يحدث عن أبيه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول (١٣): المسلمون إخوة، لا

(١) سنن الترمذي برقم (١٩٧٩).

(٢) في ت: "فروى".

(٣) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٩).

(٤) صحيح البخاري برقم (٣٣٧٤، ٣٣٨٣).

(٥) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢٥٠).

(٦) في ت: "وروى".

(٧) في ت: "أبي هريرة ﵁".

(٨) صحيح مسلم برقم (٢٥٦٤) وسنن ابن ماجه برقم (٤١٤٣).

(٩) في ت: "وروى".

(١٠) في ت: "بتقوى الله".

(١١) المسند (٥/ ١٥٨).

(١٢) في ت: "وروى".

(١٣) في ت: "أن رسول الله ﷺ قال".

ج7 · ص387

فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى" (١)

حديث آخر: قال (٢) أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس -يعني ابن الربيع-عن شبيب بن غَرْقَدَة (٣)، عن المستظل بن حصين، عن حذيفة (٤) قال: قال رسول الله ﷺ: "كلكم بنو آدم. وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجِعْلان".

ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه (٥).

حديث آخر: قال (٦) ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القَصْواء يستلم الأركان (٧) بمحجن في يده، فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إلى بطن المسيل فأنيخت. ثم إن رسول الله ﷺ خطبهم على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل (٨) ثم قال: "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. إن الله يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) " ثم قال: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم".

هكذا (٩) رواه عبد بن حميد، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلَد، عن موسى بن عبيدة، به (١٠).

حديث آخر: قال (١١) الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بَذِيّا بخيلا فاحشًا".

وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، به (١٢) ولفظه: "الناس لآدم وحواء، طف الصاع لم يَمْلَئُوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

(١) المعجم الكبير (٤/ ٢٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٨٤): "فيه عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة، وهو متروك".

(٢) في ت: "وروى".

(٣) في أ: "عروة".

(٤) في ت: "عن حذيفة ﵁".

(٥) مسند البزار برقم (٣٥٨٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٨٦): "فيه الحسن بن الحسين العرني وهو ضعيف".

(٦) في ت: "وروى".

(٧) في ت: "الركن".

(٨) في ت، أ: "بما هو عليه".

(٩) في ت: "وهكذا".

(١٠) المنتخب لعبد بن حميد برقم (٧٩٣) وفيه موسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف.

(١١) في ت: "وروى".

(١٢) المسند (٤/ ١٥٨) وتفسير الطبري (٢٦/ ٨٩) قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٨٤): "فيه ابن لهيعة وفيه لين، وبقية رجاله وثقوا". قلت: الراوي عنه في رواية الطبري عبد اله بن وهب، فهذه متابعة قوية ليحيى بن إسحاق.

ج7 · ص388

وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.

حديث آخر: قال (١) الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سِمَاك، عن عبد الله بن عَمِيرة زوج درة ابنة أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال ﷺ: "خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم لله ﷿، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم" (٢).

حديث آخر: قال (٣) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قط، إلا ذو تقى. تفرد به أحمد ﵀ (٤).

وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) أي: عليم بكم، خبير بأموركم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله. وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة، من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين، لقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكورة في كتب الفقه، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في "كتاب الأحكام" ولله الحمد والمنة. وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلا من بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله. فقال: غيرك أولى به منك، ولك منه نسبه.

﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾

(١) في ت: "وروى".

(٢) المسند (٦/ ٤٣٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٢٥٧) من طريق شريك به، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٦٣): "رجالهما ثقات، وفي كلام بعضهم كلام لا يضر".

(٣) في ت: "وروى".

(٤) المسند (٦/ ٦٩).

ج7 · ص389

يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ). وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، ﵇، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.

قال (١) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبي ﷺ: "أو مسلم" حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي ﷺ يقول: "أو مسلم" ثم قال النبي ﷺ: "إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شيئًا؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم".

أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (٢).

فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على (٣) أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري، ﵀، ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) أي: استسلمنا خوف القتل والسباء. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ.

والصحيح الأول؛ أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، كما ذكر المنافقون في سورة براءة. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.

ثم قال: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا]) (٤) أي: لا ينقصكم من أجوركم شيئا، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].

وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: لمن تاب إليه وأناب.

(١) في ت: "وروى".

(٢) المسند (١/ ١٧٦) وصحيح البخاري برقم (٢٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٠).

(٣) في ت: "إلى".

(٤) زيادة من ت.

ج7 · ص390

وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) أي: إنما المؤمنون الكُمَّل (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا (١) على حال واحدة، وهي التصديق المحض، (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: وبذلوا مهجهم (٢) ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي: في قولهم إذا قالوا: "إنهم مؤمنون"، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة.

وقال (٣) الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رِشْدين، حدثني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد (٤) قال: إن النبي ﷺ قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [الذين] (٥) آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله، ﷿" (٦).

وقوله: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) أي: أتخبرونه (٧) بما في ضمائركم، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) أي: لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

ثم قال [تعالى] (٨): (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا)، يعني: الأعراب [الذين] (٩) يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، يقول الله ردًا عليهم: (قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ (١٠).

وقال (١١) الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [﵄] (١٢) قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم تقاتلك، فقال رسول الله ﷺ: "إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق (١٣) على ألسنتهم". ونزلت هذه الآية: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)

(١) في ت: "تثبتوا".

(٢) في ت: "مهجتهم".

(٣) في ت: "وروى".

(٤) في ت: "أبي سعيد ﵁".

(٥) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٦) المسند (٣/ ٨) وفي إسناده بن أبي السمح عن أبي الهيثم وهو ضعيف.

(٧) في ت: "أتخبرون".

(٨) زيادة من ت.

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٣٣٠) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁.

(١١) في ت: "وروى".

(١٢) زيادة من ت.

(١٣) في أ: "ينطق".

ج7 · ص391

ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير، غير (١) هذا الحديث (٢).

ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)

آخر تفسير الحجرات، ولله الحمد والمنة.

(١) في أ: "سوى".

(٢) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٥١٩) من طريق يحيى بن سعيد الأموي به.