سورة فصلت

ซูเราะฮ์ที่ 41 · ตอน 1/2 · เล่ม 7 หน้า 161–175

12
ج7 · ص161

تفسير سورة فصلت

(١)

وهي مكية.

﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾

يقول تعالى: (حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].

وقوله: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) أي: بُينت معانيه وأحكمت أحكامه (٢)، (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي: في حال كونه لفظا عربيا، بينا واضحا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].

وقوله: (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماءُ الراسخون، (بَشِيرًا وَنَذِيرًا) أي: تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي: أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئا مع بيانه ووضوحه.

(وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ) أي: في غلف مغطاة (مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) أي: صمم عما جئتنا به، (وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) فلا يصل إلينا شيء مما تقول، (فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) أي: اعمل أنت على طريقتك، ونحن على طريقتنا لا نتابعك.

قال الإمام العَلَم عبد بن حُمَيد في مسنده: حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مُسْهِر عن الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرْمَلة الأسدي عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعْلَمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة ابن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع

(١) في س: "تفسير حم السجدة".

(٢) في أ: "آياته".

ج7 · ص162

قولك، إنا والله ما رأينا سَخْلةً قط أشأم على قومك (١) منك؛ فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا! والله ما ننظر (٢) إلا مثل صيحة الحُبْلى أن يقوم بعضنا إلى (٣) بعض بالسيوف، حتى نتفانى! أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا (٤) وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش [شئت] (٥) فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله ﷺ: "فَرَغْتَ؟ " قال: نعم فقال رسول الله ﷺ: (بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ [قال: نعم، قالوا: فما قال؟] (٦) قال: لا والذي نصبها بَنيَّةً ما فَهِمْتُ شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك! يكلمك الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟! قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة.

وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده، مثله سواء (٧).

وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فُضَيل، عن الأجلح -وهو ابن عبد الله الكندي [الكوفي] (٨) -وقد ضُعِّفَ بعض الشيء عن الذّيَّال بن حرملة، عن جابر، فذكر الحديث إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صَبَا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة [قد] (٩) أصابته، فانطلقوا بنا إليه. فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت لك (١٠) حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، وقال: والله، لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه [القصة] (١١) فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب (١٢).

وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، والله أعلم.

وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط، فقال:

(١) في س: "جماعته".

(٢) في س: "ننتظر".

(٣) في أ: "على".

(٤) في س، أ: "رجلا واحدا".

(٥) زيادة من س، أ.

(٦) زيادة من أ.

(٧) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٢١) ومسند أبي يعلى (٣/ ٣٤٩) وفي إسناده الأجلح الكندي ضعفه النسائي وغيره.

(٨) زيادة من س، أ.

(٩) زيادة من أ.

(١٠) في س، أ: "بك".

(١١) زيادة من س، أ.

(١٢) معالم التنزيل للبغوي (٧/ ١٦٧).

ج7 · ص163

حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي قال: حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدا-قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه (١). فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها. قال: فقال له رسول الله ﷺ: "قل يا أبا الوليد، أسمع". قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريدُ بما جئتَ به من (٢) هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا أموالا (٣). وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُدَاوَى منه -أو كما قال له-حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم. قال: "فاستمع مني" قال: أفعل. قال: (بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك (٤) فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: أقسم -يحلف (٥) بالله-لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلْكُهُ ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (٦).

وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم.

(١) في أ: "وكلمه".

(٢) في أ: "في".

(٣) في س: "مالا".

(٤) في أ: "وحالك".

(٥) في س: "نحلف".

(٦) انظر السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٩٣).

ج7 · ص164

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾

يقول تعالى: (قُلْ) يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا كما تعبدونه (١) من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ) أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل، (وَاسْتَغْفِرُوهُ) أي: لسالف الذنوب، (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) أي: دمار لهم وهلاك عليهم،

(الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وكذا قال عكرمة.

وهذا كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]، وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وقوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨] والمراد بالزكاة هاهنا: طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك. وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام، وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات.

وقال السدي: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أي: الذين لا يَدِينون بالزكاة.

وقال معاوية بن قرة: ليس هم من أهل الزكاة.

وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم.

وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة الصدقة كان مأمورا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بَيَّن أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله [ﷺ] (٢) الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئا، والله أعلم.

ثم قال بعد ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) قال مجاهد وغيره: لا مقطوع ولا مجبوب (٣)، كقوله: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣]، وكقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].

وقال السدي: غير ممنون عليهم. وقد رد عليه بعض الأئمة هذا التفسير، فإن المنة لله على أهل الجنة؛ قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، وقال رسول الله ﷺ: "إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".

(١) في س: "يعبدونه".

(٢) زيادة من س، أ.

(٣) في أ: "غير مقطوع ولا محسوب".

ج7 · ص165

﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾

هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقدر لكل شيء، فقال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) أي: نظراء وأمثالا تعبدونها (١) معه (ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم.

وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ففصل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس، والأصل أن يُبْدَأَ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٩]،.

فأما قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣] ففي هذه الآية أن دَحْى الأرض كان بعد خلق السماء (٢)، فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه، فإنه قال:

وقال المنهال، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية؟ وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ (٣) بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، فذكر خلق السماء قبل [خلق] (٤) الأرض ثم قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى قوله: (طَائِعِينَ) فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟ وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، فكأنه كان ثم مضى.

قال -يعني ابن عباس-: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور، ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، فلا أنساب بينهم عند

(١) في س: "يعبدونها".

(٢) في أ: "السموات".

(٣) في س: "والسماء".

(٤) زيادة من س.

ج7 · ص166

ذلك ولا يتساءلون ثم في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾

وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون: تعالوا نقول: "لم نكن مشركين"، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف (١) أن الله لا يكتم حديثا، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحجر: ٢].

وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثم دَحَى الأرض، ودَحْيُها: أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ وقوله (خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) فَخُلِقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين.

﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، سمى نفسه بذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك؛ فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من عند الله ﷿.

قال البخاري: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة (٢)، عن المنهال -هو ابن عمرو-بالحديث (٣).

فقوله: (خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين.

(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا) أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا)، وهو: ما يحتاج (٤) أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس، يعني: يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة؛ ولهذا قال تعالى: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه.

وقال مجاهد وعكرمة في قوله: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها، ومنه: العصب باليمن، والسابري بسابور والطيالسة بالرّي.

وقال ابن عباس، وقتادة، والسدي في قوله تعالى: (سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) أي: لمن أراد السؤال عن ذلك.

وقال ابن زيد: معناه (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) أي: على وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله قدر له ما هو محتاج إليه.

وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والله أعلم.

وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، وهو: بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض،

(١) في أ: "عرفوا".

(٢) في أ: "شيبة".

(٣) صحيح البخاري (٨/ ٥٥٦) "فتح".

(٤) في س: "ما تحتاج".

ج7 · ص167

(فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) أي: استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين.

قال الثوري، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله [تعالى] (١) (فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) قال: قال الله تعالى للسماوات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك. فقالتا: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ)

واختاره ابن جرير ﵀.

(قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) أي: بل نستجيب لك مطيعين بما فينا، مما تريد خلقه من الملائكة والإنس والجن جميعا مطيعين (٢) لك. حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية قال: وقيل: تنزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما.

وقيل (٣) إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم.

وقال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه. رواه ابن أبي حاتم.

﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾

(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) أي: ففرغ من تسويتهن سبع سماوات في يومين، أي: آخرين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة.

(وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) أي: ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، (وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) وهن الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض، (وَحِفْظًا) أي: حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى.

(ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) أي: العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم.

قال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد (٤) البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس -قال هناد: قرأت سائر الحديث-أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: "خلق الله الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ لمن سأل، قال: "وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال، حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة". ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: "ثم استوى على العرش". قالوا: قد أصبت لو أتممت! قالوا:

(١) زيادة من س.

(٢) في س: "مطيعون".

(٣) في س، أ: "ويقال".

(٤) في س: "سعد".

ج7 · ص168

ثم استراح. فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٨ - ٣٩] (١).

هذا الحديث فيه غرابة. فأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل" فقد رواه مسلم، والنسائي في كتابيهما، عن حديث ابن جريج، به (٢). وهو من غرائب الصحيح، وقد عَلَّله البخاري في التاريخ فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة [﵁] (٣) عن كعب الأحبار، وهو الأصح.

﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾

يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين (صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) أي: ومن شاكلهما (٤) ممن فعل كفعلهما. (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل

(١) تفسير الطبري (٢٤/ ٦١) ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم ٨٧٨ والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٣) من طريق هناد به، وقال الحاكم صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: أبو سعيد البقال قال ابن معين: لا يكتب حديثه."

(٢) صحيح مسلم برقم (٢٧٨٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠١٠).

(٣) زيادة من ت.

(٤) في أ: "شاكلهم".

ج7 · ص169

يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس (١) أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً) أي: لو أرسل الله رسلا (٢) لكانوا ملائكة من عنده، (فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) أي: أيها البشر (كَافِرُونَ) أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا.

قال الله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ [بِغَيْرِ الحَقٍّ]) (٣) أي: بغوا وعتوا وعصوا، (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) أي: أفما يتفكرون (٤) فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت.

والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق "صرصرا (٥) لقوة صوت جريه.

وقوله: (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) أي: متتابعات، ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، كقوله ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، أي: ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى) [أي] (٦) أشد خزيا لهم، (وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) أي: في الأخرى (٧)، كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال.

وقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بينا لهم (٨).

وقال الثوري: دعوناهم.

(فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) أي: بصرناهم، وبينا لهم، ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ﷺ (٩)، فخالفوه وكذبوه، وعقروا ناقة الله التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ) أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا وعذابا ونكالا (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: من التكذيب والجحود.

(١) في س: "ألبس الله".

(٢) في ت: "رسولا".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في ت، س: "أفما يفكرون"، وفي أ: "فيما يتفكرون".

(٥) في ت، س: "صرصر".

(٦) زيادة من أ.

(٧) في ت: "الآخرة".

(٨) في ت: "وسعيد بن جبير وغيرهم".

(٩) في ت، س: "﵇".

ج7 · ص170

(وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [وَكَانُوا يَتَّقُونَ] (^١» أي: من بين أظهرهم، لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله مع نبيهم صالح [﵇] (٢) بإيمانهم، وتقواهم لله، ﷿.

﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾

يقول تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار (٣) (يُوزَعُونَ)، أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، أي: عطاشا.

وقوله: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا) أي: وقفوا عليها، (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٤) أي: بأعمالهم مما قدموه وأخروه، لا يُكْتَم منه حرف.

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾

(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا) أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: (قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: فهو لا يخالف ولا يمانع، وإليه ترجعون.

قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك، عن عبيد المُكْتَب، عن الشعبي (٥)، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم وتبسم (٦)، فقال: "ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟ " قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: "عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: بلى فيقول: فإني لا أقبل عليّ شاهدا إلا من نفسي. فيقول الله ﵎: أوليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال: فيردد هذا الكلام مرارا". قال: "فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعْدًا لكُنَّ وسُحقا، عنكن كنت أجادل".

ثم رواه (٧) هو وابن أبي حاتم، من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبيد المُكْتَب، عن فُضيل بن عمرو، عن الشعبي (٨) ثم قال: "لا نعلم رواه عن أنس غير الشعبي". وقد أخرجه مسلم

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في ت، أ: "جهنم".

(٤) في ت: "يكسبون" وهو خطأ.

(٥) في ت: "وروى الحافظ أبو بكر البزار بإسناده".

(٦) في أ: "أو تبسم".

(٧) في ت: "ورواه".

(٨) ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (١٨) من طريق مهران بن أبي عمر عن سفيان الثوري بنحوه.

ج7 · ص171

والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عُبَيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن الثوري به (١). ثم قال النسائي: "لا أعلم أحدا رواه عن الثوري غير الأشجعي". وليس كما قال كما رأيت، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلَّية، عن يونس بن عُبَيْد، عن حُميد بن هلال قال: قال أبو بُرْدَة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه ﷿-عمله، فيجحد ويقول: أي رب، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل! فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك، أي رب ما عملته. [قال] (٢) فإذا فعل ذلك خُتِم على فيه -قال الأشعري: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى.

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زُهَيْر حدثنا حسن، عن ابن لَهِيعة: قال دَرّاج عن أبي الهيثم (٣) عن أبى سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة عُرّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك، يشهدون عليك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك [و] (٤) عشيرتك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم، ويدخلهم النار" (٥).

وقال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث: سمعت أبي: حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صُبيْح أبي الضُّحى، عن ابن عباس: أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح، فتقول: (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فتقر الألسنة بعد الجحود.

وقال (٦) ابن أبي حاتم: حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن -وصف رجلا جحد-قال: فيشير الله إلى لسانه، فيربو في فمه (٧) حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة، ثم يقول لآرابه (٨) كلها: تكلمي واشهدي عليه. فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده، وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا، عملنا، فعلنا.

وقد تقدم أحاديث كثيرة، وآثار عند قوله تعالى في سورة يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

(١) صحيح مسلم برقم (٢٩٦٩)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٦٥٣).

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت: "وقال الحافظ أبو يعلى بإسناده".

(٤) زيادة من أ.

(٥) مسند أبي يعلى (٥٢٦٢)، ودراج عن أبي الهيثم، ضعيف.

(٦) في ت: "وروى".

(٧) في ت، س، أ: "فيه".

(٨) في أ: "لأركانه".

ج7 · ص172

وقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي، عن ابن خُثَيْم، عن أبي الزبير (١)، عن جابر بن عبد الله قال: لما رجعت إلى النبي (٢) ﷺ مهاجرة البحر قال: "ألا تحدثون بأعاجيب (٣) ما رأيتم بأرض الحبشة؟ " فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينا (٤) نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدَر، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا؟ قال: يقول رسول الله ﷺ: "صَدَقَتْ [و] (٥) صدقت، كيف يُقدس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ ".

هذا حديث غريب من هذا الوجه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا يحيى بن سليم، به (٦)

وقوله: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تتكتمون (٧) منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال: (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) أي: هذا الظن الفاسد -وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون-هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم، (فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.

قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد (٨)، عن عبد الله قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر: قرشي، وختناه ثقفيان -أو ثقفي وختناه قرشيان-كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه (٩)، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) إلى قوله: (مِنَ الْخَاسِرِينَ)

وكذا رواه الترمذي عن هناد، عن أبي معاوية، بإسناده نحوه (١٠). وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضا، من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عُمارة بن عمير، عن وهب بن

(١) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".

(٢) في أ: "رسول الله".

(٣) في ت: "بأعجب".

(٤) في ت، س، أ: "بينما".

(٥) زيادة من أ.

(٦) الأهوال لابن أبي الدنيا برقم (٢٤٣) ورواه ابن ماجه في السنن برقم (٤٠١٠) حدثنا سويد بن سعيد فذكره. قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "هذا إسناد حسن، سويد مختلف فيه".

(٧) في أ: "تكتمون".

(٨) في ت: "رواه الإمام أحمد بإسناده".

(٩) في ت: "يسمعه".

(١٠) المسند (١/ ٣٨١) وسنن الترمذي برقم (٣٢٤٩).

ج7 · ص173

ربيعة، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، بنحوه (١). ورواه البخاري ومسلم أيضا، من حديث السفيانين، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبرة، عن ابن مسعود به (٢).

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ في قوله: (أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ) قال: "إنكم تُدعَون مُفَدَّمًا على أفواهكم بالفدام، فأول شيء يبين (٣) عن أحدكم فخذه وكفه (٤) (٥) ".

قال معمر: وتلا الحسن: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله أنا مع عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني" ثم افترَّ الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله فأساءا العمل. ثم قال: قال الله تعالى: (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ) إلى قوله: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل القاص (٦) -وهو أبو المغيرة-حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر (٧) قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٨).

وقوله: (فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) " أي: سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا (٩) فما لهم أعذار، ولا تُقَال لهم عثرات.

قال ابن جرير: ومعنى قوله: (وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا) أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا، فلا جواب لهم -قال: وهذا كقوله تعالى إخبارا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].

(١) المسند (١/ ٤٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٢٤٩).

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٨١٧)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٥).

(٣) في أ: "ينطق".

(٤) في أ: "وكتفه".

(٥) تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٥١)، والمصنف (٢٠١١٥)، ورواه النسائي في السنن (٥/ ٤) وابن ماجه في السنن برقم (٢٥٣٦) من طريق عن بهز بن حكيم بنحوه.

(٦) في أ: "القاضي".

(٧) في ت: "وروى الإمام أحمد عن جابر".

(٨) المسند (٣/ ٣٩٠).

(٩) في ت، أ: "أعذارهم".

ج7 · ص174

﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾

يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله، بما قَيَّض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن: (فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) أي: حَسَّنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].

وقوله تعالى: (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) أي: كلمة العذاب كما حق على أمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم، من الجن والإنس، (إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ) أي: استوَوا هم وإياهم في الخسار والدمار.

وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) أي: تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا للقرآن، ولا ينقادوا لأوامره (١)، (وَالْغَوْا فِيهِ) أي: إذا تلي لا تسمعوا له. كما قال مجاهد: (وَالْغَوْا فِيهِ) يعني: بالمكاء (٢) والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله ﷺ إذا قرأ القرآن قريش تفعله.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: (وَالْغَوْا فِيهِ) عيبوه (٣).

وقال قتادة: اجحدوا به، وأنكروه وعادوه.

(لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن. وقد أمر الله -سبحانه-عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

ثم قال تعالى، منتصرا للقرآن، ومنتقما ممن عاداه من أهل الكفران: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا) أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه، (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: بشَرِّ أعمالهم وسيِّئ أفعالهم: (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ).

قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن مالك بن الحصين الفزاري، عن أبيه (٤)، عن علي،

(١) في ت: "لأمره".

(٢) في ت، أ: "بالمكاء والتصدية".

(٣) في ت، س: "قعوا فيه، عيبوه".

(٤) في ت: "عن أبيه روى".

ج7 · ص175

﵁، في قوله: (الَّذَيْنِ أَضَلانَا) قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.

وهكذا روى حبة العُرَنِي عن علي، مثل ذلك.

وقال السدي، عن علي: فإبليس يدعو به كل صاحب شرك، وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة، فإبليس -لعنه الله-هو الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه، وابن آدم الأول. كما ثبت في الحديث: "ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل" (١).

وقوله (٢) (نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا) أي: أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذابا منا؛ ولهذا قالوا: (لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ) أي: في الدرك الأسفل من النار، كما تقدم في "الأعراف" من سؤال الأتباع من الله أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم، قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: إنه تعالى قد أعطى كلا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾

يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) أي: أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم.

قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الجراح، حدثنا سلم (٣) بن قتيبة أبو قتيبة الشَّعِيري، حدثنا سهيل (٤) بن أبي حزم، حدثنا ثابت (٥) عن أنس بن مالك قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم (٦)، فمن قالها حتى (٧) يموت فقد (٨) استقام عليها.

وكذا رواه النسائي في تفسيره، والبزار وابن جرير، عن عمرو بن علي الفلاس، عن سلم (٩) بن قتيبة، به (١٠). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الفلاس، به. ثم قال ابن جرير:

حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد (١١)

(١) الحديث أخرجه الجماعة سوى أبي داود، وانظر تخريجه عند الآية: ٢٩ من سورة المائدة.

(٢) في س: "وقولهم".

(٣) في أ: "مسلم".

(٤) في أ: "سهل".

(٥) في ت: "قال الحافظ أبو يعلى الموصلي بسنده".

(٦) في أ: "ثم كفروا".

(٧) في ت: "حين".

(٨) في ت، س: "فهو ممن".

(٩) في أ: "مسلم".

(١٠) مسند أبي يعلى ٠٦/ ٢١٣)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٧٠) وتفسير الطبري (٢٤/ ٧٣).

(١١) في أ: "سعيد".