سورة الصافات
ซูเราะฮ์ที่ 37 · ตอน 1/4 · เล่ม 7 หน้า 5–19
تفسير سورة الصافات
[وهي] (١) مكية.
قال النسائي: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد -يعني ابن الحارث-عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني الحارث بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا (٢) بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات. تفرد به النسائي (٣).
﷽
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾
قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، ﵁ أنه قال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) وهي: الملائكة، (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) وهي: الملائكة، (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) هي: الملائكة.
وكذا قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، ومجاهد، والسُّدِّيّ، وقتادة، والربيع بن أنس.
قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء.
وقال (٤) مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، حدثنا محمد بن فُضَيْل، عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعِيّ، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا (٥) وجُعلت لنا تُربتها (٦) طهورًا إذا لم نجد الماء" (٧).
وقد روى مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث الأعمش، عن المُسَيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ "ألا تَصُفّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ " قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال ﷺ: "يُتِمون الصفوف المتقدمة ويَتَراصون في الصف" (٨).
وقال السدي وغيره: معنى قوله (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) أنها تزجر السحاب.
وقال الربيع بن أنس: (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا): ما زجر الله عنه في القرآن. وكذا رَوَى مالك، عن زيد بن أسلم.
(فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥، ٦].
وقوله: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ) هذا هو المقسم عليه، أنه تعالى لا إله إلا هو (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: من المخلوقات، (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب (١) ثوابت، وسيارات تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه. وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠]. وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر.
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾
يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ)، قرئ بالإضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء (٢) لأهل الأرض، كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].
وقوله ها هنا: (وَحِفْظًا) تقديره: وحفظناها حفظًا، (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ) يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: (لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى) أي: لئلا يصلوا (٣) إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] ولهذا قال (وَيُقْذَفُون) أي: يرمون (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) أي: من كل جهة يقصدون السماء منها، (دُحُورًا) أي: رجما يدحرون به ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك، (وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ) أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].
وقوله: (إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ) أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها
من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: (إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) أي: مستنير.
قال (١) ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء فكانوا (٢) يستمعون الوحي. قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا تُرْمى قال: فإذا سمعوا (٣) الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعًا. قال: فلما بعث رسول الله ﷺ، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يُخْطئه حتى يُحرقَه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمْر حدث. قال: فَبَثّ جنوده، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة -قال وكيع: يعني بطن نخلة-قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث. (٤)
وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ٨ - ١٠].
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾
يقول تعالى: فَسَل هؤلاء المنكرين للبعث: أيما أشد خلقًا هم أم (٥) السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ -وقرأ ابن مسعود: "أم من عددنا"-فإنهم يُقرّون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا (٦). كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] ثم بين أنهم خُلقوا من شيء ضعيف، فقال (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيّد الذي يلتزق بعضه ببعض. وقال
ابن عباس، وعكرمة: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد.
وقوله: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) أي: بل عجبت -يا محمد-من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك.
قال قتادة: عجب محمد ﷺ، وسَخِر ضُلال بني آدم. (وَإِذَا رَأَوْا آيَةً) أي: دلالة واضحة على ذلك (يَسْتَسْخِرُونَ) قال مجاهد وقتادة: يستهزئون.
(وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي: إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ) يستبعدون ذلك ويكذبون به، (قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ) أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، (وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ) أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
ثم قال: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ) أي: إِنما هو أمر واحد من الله ﷿، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [قيام] (١) بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.
﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾
يخبر تعالى عن قِيلِ الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم (٢) كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة نَدمُوا كلَّ الندم حيث لا ينفعهم الندم، (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ). فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ). وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تُميزَ الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال النعمان بن بشير (٣) ﵁، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد
بن جُبَيْر، وعِكْرِمة ومجاهد، والسُّدِّي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم [وغيرهم] (١).
وقال سفيان الثوري، عن سمَاك، عن النعمان بن بشير، (٢) عن عمر بن الخطاب ﵁ (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال إخوانهم: (٣).
وقال شريك، عن سماك، عن النعمان قال: سمعت عمر يقول (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) قال: أشباههم قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب (٤) الزّنا مع أصحاب الزّنا، وصاحب (٥) الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خُصَيْف، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: (أَزْوَاجَهُمْ): نساءهم. وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير، عنه: (أَزْوَاجَهُمْ): قُرَناءهم (٦).
"وما كانوا يعبدون من دون الله" أي: من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم. وقوله: (فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ) أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) أي: قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك، عن ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم: (٧) حدثنا أبي، حدثنا النُّفَيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت ليثا يُحدّث عن بشر، عن أنس بن مالك [﵁] (٨) قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفًا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا"، ثم قرأ: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ). ورواه الترمذي، من حديث ليث بن أبي سليم. (٩) ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعا (١٠).
﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾
وقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زَائدَةَ يقول: إن أول ما يُسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: (مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ) أي: كما (١١) زعمتم أنكم جميع منتصر، (بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ) أي: منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾
يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دَرَكات النار، ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧، ٤٨]. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]. (١) قالوا لهم ههنا: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) قال الضحاك، عن ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا (٢) كنا أذلاء وكنتم أعزاء.
وقال مجاهد: يعني: عن الحق، الكفار تقوله (٣) للشياطين.
وقال قتادة: قالت الإنس للجن: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) قال: من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه.
وقال السدي تأتوننا [عن اليمين] (٤) من قبل الحق، تزينون (٥) لنا الباطل، وتصدونا عن الحق.
وقال الحسن في قوله: (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ) إيْ والله، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه.
وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به.
وقال يزيد الرشْك: من قبل "لا إله إلا الله". وقال خُصيف: يعنون من قبل ميامنهم. وقال
عكرمة (إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ)، قال: من حيث نأمنكم.
وقوله: (قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) تقول القادة من الجن، والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون؟ بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، (وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) (١) أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، (بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ) أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم.
(فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ)، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله (٢): إنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة، (فَأَغْوَيْنَاكُمْ) أي: دعوناكم إلى الضلالة، (إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) أي: دعوناكم (٣) إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا، قال الله تعالى: (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) أي: الجميع في النار، كل بحسبه، (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا) أي: في الدار الدنيا (إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وَهْب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مُسافر -يعني عبد الرحمن بن خالد-عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله"، وأنزل الله في كتابه -وذكر قوما استكبروا-فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) (٤).
وقال (٥) ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّاد، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: الله وعُزَيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله" فيستكبرون. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال -قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير-قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله. فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: نعلم أنه لا عِدْلَ له. قال: فيتعرف لهم ﵎، وينجي الله المؤمنين.
(وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) أي: أنحن (١) نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [هذا] (٢) الشاعر المجنون، يعنون رسول الله ﷺ؟! قال الله تعالى تكذيبا لهم، وردا عليهم: (بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ) يعني رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرْعة (٣) الله له من الإخبار والطلب، (وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) أي: صدّقهم فيما أخبروه (٤) عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه [وقدره] وأمره كما أخبروا، ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [فصلت: ٤٣].
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾
يقول تعالى مخاطبًا للناس: (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين، كما قال تعالى ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٤ - ٦]، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨، ٣٩] ولهذا قال هاهنا: (إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله من التضعيف.
وقوله: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ) قال قتادة، والسدي: يعني الجنة. ثم فسره بقوله تعالى (فَوَاكِهُ) أي: متنوعة (وَهُمْ مُكْرَمُونَ) أي: يُخْدمون [ويرزقون] (٥) ويرفهون وينعمون، (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك (٦) القزويني، حدثنا حسان بن (٧) حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، (٨) حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) ينظر بعضهم إلى بعض.
حديث غريب (١).
وقوله (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزفُونَ)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩] فنزه الله خمر الآخرة (٢) عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغول-وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى هاهنا: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها.
قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية (٣) بيضاء، أي: لونها مشرق حسن بهى لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو أصفرار أو كدورة، (٤) إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.
وقوله ﷿: (لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) أي طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك.
وقوله: (لا فِيهَا غَوْلٌ) يعني: لا تؤثر فيهم غولا -وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد-كما تفعله خمر الدنيا من القُولَنْج ونحوه، لكثرة مائيتها.
وقيل: المراد بالغول هاهنا: صداع الرأس. وروي هكذا عن ابن عباس.
وقال قتادة: هو صداع الرأس، ووجع البطن. وعنه، وعن السدي: لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر:
فَمَا زَالَتِ الكأسُ تَغْتَالُنا … وتَذْهبُ بالأوَّل الأوَّلِ (٥) (٦)
وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد: إنه وجع البطن.
وقوله: (وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ) قال مجاهد: لا تذهب عقولهم، وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال، كما ذكر في سورة "الصافات" (٧).
وقوله: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن
عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
وقوله (عِينٌ) أي: حسان الأعين. وقيل: ضخام الأعين. هو يرجع إلى الأول، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف حين جملته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه، وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره، قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، [فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن]. (١) وهكذا الحور العين ﴿خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ولهذا قال: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ)
وقوله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﵄: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يقول: اللؤلؤ المكنون.
وينشد هاهنا بيت أبي دهبل الشاعر في قصيدة له:
وَهْيَ زَهْرَاء مثْلَ لؤلؤة الغوّ … اص مُيِّزَتْ مِن جوهر مكْنُون (٢)
وقال الحسن: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يعني: محصون (٣) لم تمسه الأيدي.
وقال السدي: البيض في عشه مكنون.
وقال سعيد بن جبير: ([كَأَنَّهُنَّ] (٤) بَيْضٌ مَكْنُونٌ)، يعني: بطن البيض (٥).
وقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة.
وقال السدي: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يقول: بياض البيض حين ينزع قشره. واختاره ابن جرير لقوله: (مَكْنُونٌ)، قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة (٦) ﵂، قلت (٧): يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) (٨) قال: "رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة، التي تلي القشر وهي الغِرْقِئ" (٩).
(١) زيادة من ت.
(٢) البيت في تفسير الطبري (٢٣/ ٣٧).
(٣) في ت: "مصون"
(٤) زيادة من ت.
(٥) في ت: "العين".
(٦) في ت: "وروى ابن جرير بإسناده عن أم سلمة".
(٧) في ت: "عنها قالت: قلت".
(٨) في ت، س: "أخبرني عن قول الله: "حور عين" قال: "العين: الضخام العيون شفر الحوراء مثل جناح النسر" قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله: "كأنهن بيض مكنون".
(٩) تفسير الطبري (٢٣/ ٣٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٦٧) حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عمرو بن هاشم به، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٩): "فيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي".
وقال (١) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا أبو غسان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ﷿ ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون -أو: اللؤلؤ المكنون" (٢).
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾
يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم، (٣) واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد: يعني شيطانا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا.
ولا تنافي بين كلام مجاهد، وابن عباس؛ فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاديان، (٤) قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] وكل منهما يوسوس، كما قال (٥) تعالى: ([قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ] * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [سورة الناس] (٦).
﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.
ولهذا (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ) أي: أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟! يعني: يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد. (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) قال مجاهد، والسدي: لمحاسبون؟ وقال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا؟.
(١) في ت: "وروى".
(٢) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٨٣) من طريق منصور بن أبي الأسود عن ليث عن الربيع بن أنس به، ثم رواه من طريق حيان بن علي عن ليث عن عبيد الله بن زحر عن الربيع عن أنس به، وقال: "تابعه -أي الليث- محمد بن فضيل عن عبيد الله بن زحر".
(٣) في أ: "سراتهم".
(٤) في ت، س: "متعاونان".
(٥) في ت: "قال الله تعالى".
(٦) زيادة من ت، س، أ.
قال: (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ) أي: مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وخليد العصري وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني [وغيرهم] (١) يعني في وسط الجحيم.
وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد.
وقال قتادة: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر لنا أن كعب الأحبار قال: في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها، فازداد شكرا.
(قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) يقول المؤمن مخاطبا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك. (وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) أي: ولولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل [عليّ] (٢) ورحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وقوله: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة (٣) والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب؛ ولهذا قال: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
قال (٤) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄، في قول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩]، قال ابن عباس، ﵄: قوله: (هَنِيئًا) أي: لا يموتون (٥) فيها. فعندها قالوا: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)
وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، قيل [لهم]: (٦) لا. قالوا: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وقوله: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) قال قتادة: هذا من كلام أهل الجنة.
وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة (٧).
وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة.
قال أبو جعفر بن جرير: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال: إن رجلين كانا
شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارًا بألف دينار كانت لملك، مات، فدعا صاحبه فأراه فقال: كيف (١) ترى هذه الدار؟ ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها! فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي ابتاع (٢) هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارا من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة (٣) بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاما. فلما أتاه قال: إني تزوجت امرأة بألف دينار. قال: ما أحسن هذا! فلما انصرف قال: يا رب، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين. فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه فقال: إني ابتعت هذين البستانين. (٤) فقال: ما أحسن هذا! فلما خرج قال: يا رب، إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارا تعجبه، وإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله بستانين وشيئا الله به عليم، (٥) فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال: فإنه ذاك، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة. قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم. قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم. فقال عند ذلك: (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) الآيات.
قال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ: "أئنك لمن المُصَّدّقِينَ" بالتشديد.
وقال (٦) ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص قال: سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ)؟ قال: فقال لي: ما ذكرك هذا؟ قلت: قرأته آنفا فأحببت أن أسألك عنه؟ فقال: أما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به شيئا؟ أتجرت به في شيء؟ فقال له المؤمن: لا فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا (٧) قال: فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلانا -يعني شريكه الكافر-اشترى أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار، ثم يموت غدا ويتركها، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار (٨) أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة. قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال: ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر
للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا فما صنعت أنت. قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقا بألف دينار، يقومون بي (١) فيها، ويعملون لي فيها. فقال له المؤمن: أوفعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم إن فلانا -يعني شريكه الكافر-اشترى رقيقا من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدا ويتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم، وإني اشتري منك بهذه الألف الدينار رقيقا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال: ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال لا فما صنعت أنت؟ قال: أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا، فلانة قد مات عنها زوجها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أوفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهم إن فلانا -يعني شريكه الكافر-تزوج زوجة من أزواج الدنيا (٢) فيموت غدا فيتركها، أو يموت فتتركه، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار (٣) حوراء عيناء في الجنة. ثم (٤) أصبح فقسمها بين المساكين. قال: فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال: فلبس قميصا من قطن، وكساء من صوف، ثم أخذ مرا فجعله على رقبته، يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال: فجاءه رجل فقال: يا عبد الله، أتؤاجرني نفسك مشاهرة، شهرا بشهر، تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سَرْقينها؟ قال: نعم. قال: فواجره نفسه مشاهرة، شهرا بشهر، يقوم على دوابه. قال: فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة، أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه (٥) البارحة؟ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يوما (٦)، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: فانطلق يريده، فلما انتهى إلى بابه وهو ممس، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم: استأذنوا لي (٧) صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك، فقالوا له: انطلق إن كنت صادقا فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرض له. قال: فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته، ونصفه فوقه، ثم نام. فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له، فخرج شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عرفه فوقف عليه وسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ قال: بلى وهذه حالي (٨) وهذه حالك. قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه، فتطعمني هذه الكسرة يوما بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا، ولكن لا ترى مني خيرا حتى تخبرني ما صنعت في مالك؟ قال: أقرضته: قال: من؟ قال: المليء الوفي. قال: من؟ قال: الله ربي. قال: وهو
مصافحه فانتزع يده من يده، ثم قال: (أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) -قال السدي: محاسبون-قال: فانطلق (١) الكافر وتركه. قال: فلما رآه المؤمن ليس يلوي عليه، رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال: فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله المؤمن الجنة، يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لمن هذا (٢)؟ فيقال: هذا لك. فيقول: يا سبحان الله! أوَ بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: (إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ) قال: فالجنة عالية، والنار هاوية. قال: فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه، فيقول (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) بمثل ما (٣) من عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة، فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة، أشد عليه من الموت (٤).
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾
يقول الله تعالى: أهذا الذي ذكره (٥) من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ -خير ضيافة وعطاء (أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ)؟ أي: التي في جهنم.
وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة، كما قال بعضهم من أنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن.
وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر، يقال له: الزقوم، كقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، يعني الزيتونة. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١، ٥٢].
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ)، قال قتادة: ذكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة،