سورة النمل
ซูเราะฮ์ที่ 27 · ตอน 1/3 · เล่ม 6 หน้า 178–192
تفسير سورة النمل
وهي مكية.
﷽
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾
قد تقدم الكلام في "سورة البقرة" على الحروف المتقطعة (١) في أوائل السُّوَر.
وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ) أي: هذه آيات (الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ) أي: بين واضح.
(هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لِمَنْ آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن (٢) بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]؛ ولهذا قال هاهنا: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غَيهم فهم يَتيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) أي: في الدنيا والآخرة، (وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ) أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.
وقوله: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) أي: (وَإِنَّكَ) يا محمد - قال قتادة: (لَتُلَقَّى) أي: لتأخذ. (الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ]﴾ (٣) [الأنعام: ١١٥].
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾
يقول تعالى لرسوله ﷺ (١) مذكرًا له ما كان من أمر موسى، كيف اصطفاه الله وكلمه، وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ) أي: اذكر حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي: رأى نارًا تأجج (٢) وتضطرم، فقال (لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) أي: عن الطريق، (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: تتدفؤون به. وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا؛ ولهذا قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: فلما أتاها رأى (٣) منظرًا هائلا عظيمًا، حيث انتهى إليها، والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء.
قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا (٤) يَتَوَهَّج.
وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي أن بورك من في النار. قال ابن عباس: [أي] (٥) قُدّس.
(وَمَنْ حَوْلَهَا) أي: من الملائكة. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -[و] (٦) هو الطيالسي -حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مُرَّة، سمع أبا عُبَيْدة يحدث، عن أبي موسى، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل (٧). زاد المسعودي: "وحجابه النور -أو النار -لو كشفها لأحْرَقَتْ سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره". ثم قرأ أبو عُبَيْدة: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) (٨)
وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم، من حديث عمرو بن مُرَّة، به (١).
وقوله: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: الذي يفعل ما يشاء ولا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات.
وقوله: (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أعلمه (٢) أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز، الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله.
ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء. فلما ألقى موسى تلك العصا (٣) من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) والجان: ضرب من الحيات، أسرعه حركة، وأكثره اضطرابا -وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنَّان (٤) البيوت (٥) -فلما عاين موسى ذلك (وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: لم يلتفت من شدة فرقه (يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطَفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا.
وقوله: (إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على [عمل] (٦) شيء ثم أقلع عنه، ورجع وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] والآيات في هذا كثيرة جدًا.
وقوله: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) هذه آية أخرى، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْق من جعل له معجزة، وذلك أن الله -تعالى -أمره أن يُدخل يده في جيب دِرْعِه، فإذا أدخلها وأخرجها خَرجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان يتلألأ (٧) كالبرق الخاطف.
وقوله: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ) أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن، وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] كما تقدم تقرير ذلك هنالك.
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً) أي: بينة واضحة ظاهرة،
(قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) وأرادوا معارضته بسحرهم ﴿فغلبوا [هنالك] (١) وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾
(وَجَحَدُوا بِهَا) أي: في ظاهر أمرهم، (وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) أي: علموا في أنفسهم أنها حق (٢) من عند الله، ولكن جَحَدوها وعاندوها وكابروها، (ظُلْمًا وَعُلُوًّا) أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، (وَعُلُوًّا) أي: استكبارًا عن اتباع الحق؛ ولهذا قال: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة كُفرهم (٣)، في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة.
وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون بمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه (٤) أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه (٥) من ربه أفضل الصلاة والسلام.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾.
يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان، عليهما من الله السلام، من النعم الجزيلة، والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين؛ ولهذا قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ).
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام (٦): أخبرني أبي، عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عَبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان حَمْدُه أفضل من نعمته (٧)، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل؛ قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)، وأي نعمة أفضل مما أوتي داود
وسليمان، ﵉؟
وقوله: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) أي: في الملك والنبوة، وليس المراد وراثَةَ المال؛ إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائةُ امرأة. ولكن المراد بذلك وراثةُ الملك والنبوة؛ فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ [في قوله] (١): نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة (٢) (٣).
وقوله (٤): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) (٥)، أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سَخَّر له الإنس والجن والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يُعطَه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله. وَمَنْ زعم من الجهلة والرّعاع أنّ الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس -فهو قولٌ بلا علم. ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة؛ إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل (٦) البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خُلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال. ولكن الله، ﷾، كان قد أفهم سليمان، ﵇، ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق (٧) به الحيوانات على اختلاف أصنافها؛ ولهذا قال: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: مما يحتاج إليه الملك، (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) أي: الظاهر البين لله علينا.
قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "كان داود، ﵇، فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع". قال: "فخرج ذات يوم وأغلقت (٨) الأبواب، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لِمَنْ في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود، ﵇، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذًا ملك الموت. مرحبًا بأمر الله، فتزمل داود، ﵇، مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان، ﵇، للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض،
(١) زيادة من ف، أ.
(٢) في ف، أ: "ما تركناه فهو صدقة".
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٧٢٧) من حديث عائشة بلفظ: "لا نورث ما تركناه صدقة". قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ٨): وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ: "نحن" وانظر بقية كلامه وحمله لمعنى الحديث في الفتح.
(٤) في ف: "وقال".
(٥) بعدها في ف، أ: "إن هذا لهو الفضل المبين".
(٦) في ف: "بل نزل".
(٧) في ف: "وما ينطق".
(٨) في ف: "وغلقت".
فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا" قال أبو هريرة: يا رسول الله، كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله ﷺ يده، وغلبت عليه يومئذ المضرَحية (١) (٢).
قال أبو الفرج بن الجَوْزيّ: المَضْرَحيّة (٣) النسور الحُمر.
وقوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة (٤) كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم [يكونون] (٥) في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حرًّا أظلته منه بأجنحتها.
وقوله: (فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي: يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له.
قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة، يردون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم.
وقوله: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ) أي: حتى إذا مر سليمان، ﵇، بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ).
أورد (٦) ابن عساكر، من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذّيب (٧).
أي: خافت على النمل أن تحطمها (٨) الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها (٩) ففهم ذلك سليمان، ﵇، منها (١٠).
(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) أي: عملا تحبه وترضاه، (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.
ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها.
(١) في ف: "المصرحية".
(٢) المسند (٢/ ٤١٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٠٦) "فيه المطلب بن عبد الله بن حنطب وثقه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٣) في هـ، ف، أ: "المصرحية" والمثبت من لسان العرب، مادة "ضرح".
(٤) في ف: "عظيمة".
(٥) زيادة من ف.
(٦) في ف، أ: "فأورد".
(٧) في ف: "الذئب".
(٨) في ف: "يحطمها".
(٩) في ف: "مساكنهم".
(١٠) في ف: "عنها".
وعن نَوْف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذئاب. هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت. وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم.
والغرض أن سليمان، ﵇، فهم قولها، وتبسم ضاحكًا من ذلك (١)، وهذا أمر عظيم جدا.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مِسْعَر، عن زيد العَمّي، عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان (٢) عليه (٣) السلام، يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان ﵇: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقد ثبت في الصحيح -عند مسلم -من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ [قال] (٤) قَرَصَت نبيا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي (٥) أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تُسَبِّح؟ فهلا نملة واحدة! " (٦).
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان، ﵇، على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان، ﵇، الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط (٧) الماء من قراره، فنزل سليمان، ﵇ [يوما] (٨)، بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، (فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ).
حدَّث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: "نافع بن الأزرق"، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا بن عباس، غُلبت اليوم! قال: وَلِمَ؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته. فقال (٩) له: ويحك! إنه إذا نزل القَدَر عَمي البصر، وذهب الحَذَر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن
أبدًا (١).
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البَرْزيّ -من أهل "بَرْزَةَ" من غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم [يوم] (٢) الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين -فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد: أنه سأله عن سبب عَوَره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورًا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن وادٍ بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورًا كثيرًا، حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يَعْزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار. فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يُخَيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما تُري المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا فسرت معهما وهما يحدثان، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا. فلم أزل كذلك ملقى مكتوفًا، حتى مر بي نفر ففَكَّ وَثَاقي. فهذا ما كان من خبر عيني (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عَبّاد بن مَيْسَرة المِنْقَرِيّ، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان ﵇: عنبر.
وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان، ﵇، إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه: تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نُوَبٌ من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلّها من حَضَره إلا الهدهد، (فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟.
وقوله: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا): قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس: يعني نتف ريشه.
وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه. وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتف ريشه، وتركه مُلْقًى يأكله الذر والنمل.
وقوله: (أَوْ لأذْبَحَنَّهُ) يعني: قتله، (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: بعذر واضح بين.
وقال سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قال له الطير: ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ فقالوا: نعم، قال: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) فقال: نجوت إذًا.
قال مجاهد: إنما دفع [الله] (١) عنه ببره بأمه (٢).
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾
يقول تعالى: (فَمَكَثَ) الهدهد (غَيْرَ بَعِيدٍ) أي: غاب زمانًا يسيرًا، ثم جاء فقال لسليمان: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) أي: بخبر صدق حق يقين.
وسبأ: هم: حِمْير، وهم ملوك اليمن.
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾
ثم قال: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ)، قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شَرَاحيل ملكة سبأ.
وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مُؤخَّر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة.
وقال زهير بن محمد: وهي بلقيس بنت شَرَاحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية.
وقال ابن جُرَيْج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها يلتقة.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان -يعني ابن عيينة -عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة (٣) سليمان ألف قَيْل، تحت كل قيل مائة ألف [مقاتل] (٤).
وقال الأعمش، عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قَيْل، تحت كل قيل: مائة ألف مقاتل.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا (٥) مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ): كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء.
وهذا القول هو أقرب، على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم.
وقوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أي: من متاع الدنيا ما (٦) يحتاج إليه الملك المتمكن، (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)
يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ.
قال زهير بن محمد: كان من ذهب صفحتاه، مرمول بالياقوت والزبرجد. [طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا.
وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد] (١) واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، لها ستمائة امرأة تلي الخدمة (٢).
قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه (٣)، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساءً؛ ولهذا قال: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم ْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أي: عن طريق الحق، (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ).
وقوله: (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) [معناه: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ)] (٤) أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
وقرأ بعض القراء: "ألا يا اسجدوا لله" جعلها "ألا" الاستفتاحية، و"يا" للنداء، وحذف المنادى، تقديره عنده: "ألا يا قوم، اسجدوا لله".
وقوله: (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد.
وقال سعيد بن المسيب: الخَبْء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض: ما جعل فيها من الأرزاق: المطر من السماء، والنبات من الأرض.
وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها.
وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال. وهذا كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠].
وقوله: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه.
ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة، ﵁، قال: نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد. وإسناده صحيح (١).
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾.
يخبر تعالى عن قيل سليمان، ﵇، للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) أي: أصدقت (٢) في إخبارك هذا، (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) في مقالتك، فتتخلص (٣) من الوعيد الذي أوعدتك؟.
(اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ): وذلك أن سليمان، ﵇، كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل: بمنقاره. وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كُوّة هنالك (٤) بين يديها، ثم تولى ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ) تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به (٥) فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم.
(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ). فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قبَل لهم به. وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حَصّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قبل سليمان، ﵇.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره، حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل (٦) أبو يعلى الحناط (٧)، حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] (٨) أبي أمية، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: "إني أعلم آية لم
(١) لم أجده من حديث أبي هريرة إلا عند ابن ماجه في السنن برقم (٣٢٢٣) بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد". وهو بهذا اللفظ من حديث ابن عباس في مسند الإمام أحمد (١/ ٣٣٢) وسنن أبي داود برقم (٥٢٦٧) وسنن ابن ماجه برقم (٣٢٢٤).
(٢) في ف: "صدقت".
(٣) في ف: "لتتخلص".
(٤) في ف، أ: "هناك".
(٥) في ف، أ: "جاء به".
(٦) في أ: "المفضل".
(٧) في ف، أ: "الخياط".
(٨) زيادة من ف، أ.
تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود" قال: قلت: يا رسول الله، أي آية؟ قال: "سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (١).
هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف.
وقال ميمون بن مِهْرَان: كان رسول الله ﷺ يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وقوله: (أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ): يقول (٢) قتادة: لا تجيروا علي (وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي.
(وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ): قال ابن عباس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عُيَيْنَة: طائعين.
﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾.
لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) أي: حتى تحضرون وتشيرون.
(قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ) أي: مَنوا إليها بعَدَدهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: (وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) أي: نحن ليس لنا عاقة [ولا بنا بأس، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة] (٣) عنه. وبعد هذا فالأمر (٤) إليك، مري فينا برأيك (٥) نمتثله ونطيعه.
قال الحسن البصري، ﵀: فوضوا أمرهم إلى عِلْجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه (٦) لا قبل لها بجنوده وجيوشه، وما سُخّر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إليّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا).
قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدًا (١) عنْوَة أفسدوه، أي: خَرّبوه، (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر.
قال ابن عباس: قالت بلقيس: (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً) (٢)، قال الرب، ﷿ (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ). ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) أي: سأبعث إليه بهدية تليق به (٣) وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خَرَاجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس.
وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.
ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت إليه بلَبِنَة من ذهب. والصحيح أنها أرسلت [إليه] (٤) بآنية من ذهب.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي. قالوا: فأمرهم [سليمان] (٥) ﵇، أن يتوضؤوا، فجعلت الجارية تُفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك.
وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن (٦) يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس.
وقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن (٧) من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم.
وذكر بعضهم: أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. والظاهر أن سليمان، ﵇، لم ينظر إلى ما
جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه.
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾.
وقال منكرًا عليهم: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟! (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، (بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) أي: أنتم الذين (١) تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف.
قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، ﵁: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلها ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا. وفي هذا دلالة على جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد.
(ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) أي: بهديتهم، (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا) أي: لا طاقة لهم بقتالهم، (وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا) أي: من بلدهم، (أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ) أي: مهانون مدحورون.
فلما رجعت إليها رسلُها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام. ولما تحقق سليمان، ﵇، قدومهم عليه ووفودهم إليه، فرح (٢) بذلك وسَرّه.
﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾.
قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد -والله -عرفتُ، ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكاثرته (٣) شيئًا. وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي، لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه -وكان من ذهب مُفصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ -فجعل في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب، ثم قالت لمن خَلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يَرَينَّه أحد حتى آتيك. ثم شَخَصَت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قَيْل منهم ألوف كثيرة. فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دَنت جمع مَنْ عنده من الجن والإنس، مِمَّنْ تحت يديه، فقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية، وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب،
وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترًا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق (١)، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ).
وهكذا قال عطاء الخراساني، والسُّدِّي، وزُهير بن محمد: (قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) فتحرم علي أموالهم بإسلامهم.
(قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ) قال مجاهد: أي مارد من الجن.
قال شُعَيب الجبائي: وكان اسمه كوزن. وكذا قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان. وكذا قال أيضا وهب بن منبه.
قال أبو صالح: وكان كأنه جبل.
(أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) قال ابن عباس: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي، وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام (٢) من أول النهار إلى أن تَزول الشمس.
(وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ): قال ابن عباس: أي قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجوهر.
فقال سليمان، ﵇: أريد أعجل من ذلك. ومن هاهنا يظهر أن النبي سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله له من الملك، وسَخَّر له من الجنود، الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده. وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها؛ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يَقْدموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ) قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان. وكذا رَوَى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: أنه آصف بن برخياء، وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم.
وقال قتادة: كان مؤمنا من الإنس، واسمه آصف. وكذا قال أبو صالح، والضحاك، وقتادة: إنه كان من الإنس -زاد قتادة: من بني إسرائيل.
وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم.
وقال قتادة -في رواية عنه -: كان اسمه بليخا.
وقال زهير بن محمد: هو رجل من الأندلس (٣) يقال له: ذو النور.
وزعم عبد الله بن لَهِيعة: أنه الخضر. وهو غريب جدًا.
وقوله: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) أي: ارفع بصرك وانظر مُدّ بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.