سورة النور
ซูเราะฮ์ที่ 24 · ตอน 3/6 · เล่ม 6 หน้า 35–49
أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم؛ ولهذا قال: (أُولَئِكَ (١) مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
وهذا -أيضًا -يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له، لا شرعا ولا قدرا؛ ولهذا قال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) أي: هم بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان، (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب، (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي: عند الله في جنات النعيم. وفيه وعد بأن تكون زوجة النبيّ ﷺ في الجنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار قال: جاء أسير (٢) بن جابر إلى عبد الله فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم بكلام أعجبني. فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة غير طيبة (٣) تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها (٤) رجل عنده يَتُلّها فيضمها إليه. وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها (٥) الرجل الذي عنده يَتُلُّها (٦) فيضمها إليه، ثم قرأ عبد الله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ).
ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعا: "مثل الذي يسمع الحكمة ثم لا يُحدِّث إلا بشرِّ ما سمع، كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم، فقال: أجْزِرني شاة. فقال: اذهب فَخُذ بأذُن أيها شئتَ. فذهب فأخذ بأذن كَلْب الغنم" (٧) وفي الحديث الآخر: "الحكمة (٨) ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها" (٩).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾
(١) في ف، أ: "فأولئك" وهو خطأ".
(٢) في ف، أ: "أسيد".
(٣) في أ: "طائل".
(٤) في أ: "فسمعها".
(٥) في أ: "فسمعها".
(٦) في أ: "مثلها".
(٧) المسند (٢/ ٣٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٨) في أ: "الكلمة".
(٩) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٨٧) وابن ماجه في السنن برقم (٤١٦٩) من طريق عبد الله بن نمير، عن إبراهيم بن الفضل، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ﵁. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم ابن الفضل المدني المخزومي، يضعف في الحديث من قبل حفظه".
هذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمر الله المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له، وإلا انصرف، كما ثبت (١) في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، انصرف. ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رَجَعَك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فلينصرف". فقال: لَتَأتِيَنَّ على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملأ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد (٢) لك إلا أصغرنا. فقام معه أبو سعيد الخُدْريّ فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصَّفْق بالأسواق (٣).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر عن ثابت، عن أنس -أو: غيره (٤) أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: "السلام عليك ورحمة الله". فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا. ورد عليه (٥) سعد ثلاثًا ولم يُسْمعه. فرجع النبي ﷺ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما سلمتَ تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رَدَدْت عليك ولم أُسْمِعك، وأردتُ أن أستكثر من سلامك ومن البركة. ثم أدخله البيت، فقرَّب إليه زَبيبًا، فأكل نبي الله. فلما فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصَلَّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون" (٦).
وقد رَوَى أبو داود والنسائي، من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد (٧) بن زرارة، عن قيس بن سعد -هو ابن عبادة -قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله". فردّ سعد ردًا خفيًا (٨)، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ؟ فقال: ذَرْه (٩) يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله ﷺ: "السلام عليكم ورحمة الله". فرد سعد رَدًا خفيًا (١٠)، ثم قال رسول الله ﷺ: " السلام عليكم ورحمة الله" ثم رَجَع رسول الله ﷺ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله، إني كنت أسمع تسليمك، وأرد عليك ردّا خفيًا (١١)، لتكثر علينا من السلام. قال: فانصرف معه [رسول الله ﷺ، فأمر له سعد بغسل، فاغتسل، ثم ناوله ملْحَفَة مصبوغة] (١٢) بزعفران -أو: وَرس -فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: "اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". قال: ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرّب إليه سعد حمارًا قد وَطَّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس، اصحب رسول
الله ﷺ. قال قيس: فقال رسول الله ﷺ: "اركب". فأبيت، فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف". قال: فانصرفت.
وقد روي هذا من وجه آخر (١) فهو حديث جيد قويّ، والله أعلم.
ثم ليُعْلمْ أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليَكن (٢) البابُ، عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود: حدثنا مُؤَمَّل بن الفضل الحراني -في آخرين -قالوا: حدثنا بَقيَّة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بُسْر (٣) قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: "السلام عليكم، السلام عليكم". وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. تَفَرد به أبو داود (٤).
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، (ح) قال أبو داود: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هُزَيل قال: جاء رجل -قال عثمان: سعد -فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب -قال عثمان: مستقبل الباب -فقال له النبي ﷺ: "هكذا عنك -أو: هكذا -فإنما الاستئذان من النظر" (٥).
وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش عن طلحة بن مُصَرّف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ. رواه أبو داود من حديثه (٦).
وفي الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فَخَذَفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح" (٧).
وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيتُ النبي ﷺ في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: "من ذا"؟ قلت: أنا. قال: "أنا، أنا" كأنه كرهه (٨).
وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرَف صاحبها حتى يُفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يُعبِّر عن نفسه بـ"أنا"، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان. وكذا قال غيرُ واحد.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بَشَّار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
(١) سنن أبي داود برقم (٥١٨٥) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٥٧)، (٥٠١٥٩) من طريق عبد الله، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أن رسول الله ﷺ أتى سعد بن عبادة زائرا، فذكر الحديث.
(٢) في أ: "ليكون".
(٣) في أ: "بشر".
(٤) سنن أبي داود برقم (٥١٨٦).
(٥) سنن أبي داود برقم (٥١٧٤).
(٦) سنن أبي داود برقم (٥١٧٥).
(٧) صحيح البخاري برقم (٦٩٠٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٥٨).
(٨) صحيح البخاري برقم (٦٢٥٠) وصحيح مسلم برقم (٢١٥٥) وسنن أبي داود برقم (٥١٨٧) وسنن الترمذي برقم (٢٧١١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٦٠) وسنن ابن ماجه برقم (٣٧٠٩).
وَتُسَلِّمُوا) (١) قال: إنما هي خطأ من الكاتب، "حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا".
وهكذا رواه (٢) هُشَيم، عن أبي بشر -وهو جعفر بن إياس -به. وروى معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس، بمثله، وزاد: وكان ابن عباس يقرأ: "حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا"، وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب ﵁.
وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس.
وقال هُشَيْم (٣) أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود: "حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا". وهذا أيضًا رواية عن ابن عباس، وهو اختيار ابن جرير.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا رَوْح، حدثنا ابن جُرَيْج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان: أن عمرو بن أبي صفوان أخبره، أن كَلَدَةَ بن الحنبل أخبره، أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بِلبَأ وجَدَايَة وضَغَابيس، والنبي ﷺ بأعلى الوادي. قال: فدخلتُ عليه ولم أسلم ولم أستأذن. فقال النبي ﷺ: "ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟ " وذلك بعدما أسلم صفوان.
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج، به (٤) وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوَص، عن منصور، عن رِبْعي قال: حدثنا (٥) رجل من بني عامر استأذن على النبي ﷺ، وهو في بيته، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلِّمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ " فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ، فدخل (٦).
وقال هُشَيْم: أخبرنا منصور، عن ابن سِيرِين -وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عَمْرو بن سعيد الثقفي -أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج -أو: أنلج؟ -فقال النبي ﷺ لأمة له، يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم، أأدخل". فسمعها الرجل، فقالها، فقال: "ادخل" (٧).
وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا، عن عَنْبَسَة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "السلام قبل الكلام" (٨).
ثم قال الترمذي: عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان مُنكَر الحديث.
وقال هُشَيْم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة، وقد آذاه الرمضاء، فأتى فُسْطَاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام. فأعاد، فأعادت،
وهو يُرَاوح بين قدميه، قال: قولي: ادخل. قالت: ادخل، فدخل (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحول، حدثنا خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن [على عائشة] (٢) فقلت: ندخل؟ قالت: لا قلن (٣) لصاحبتكن: تستأذن. فقالت: السلام عليكم، أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) [الآية] (٤).
وقال هُشَيْم: أخبرنا أشعث بن سَوَّار، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. قال أشعث، عن عدي بن ثابت: إن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال؟ قال: فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) (٥).
وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس، ﵁، قال: ثلاث آيات جَحَدها الناس: قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا. قال: والإذن كله قد جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري، معي في بيت واحد؟ قال: نعم. فرددت ليرخِّص (٦) لي، فأبى. قال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا. قال: فاستأذن. قال: فراجعته أيضًا، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم. قال: فاستأذن.
قال ابن جُرَيْج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عريتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك.
وقال ابن جريج، عن الزهري: سمعت هُزَيل بن شُرَحْبِيل الأوْدِيّ الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا.
وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، [قال] (٧) حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب -امرأة عبد الله بن مسعود -، عن زينب، ﵂، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق؛ كراهية (٨) أن يهجُم منا على أمر يكرهه (٩). إسناد صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا
الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي هُبَيْرة (١) قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس -تكلم ورفع صوته.
[و] (٢) قال مجاهد: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: تنحنحوا -أو (٣) تَنَخَّموا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، أنه قال: إذا دخل الرجل بيته، استحب له أن يتنحنح، أو يحرك نعليه.
ولهذا جاء في الصحيح، عن رسول الله ﷺ: أنه نَهَى أن يطرق الرجل أهلَه طُروقًا -وفي رواية: ليلا يَتَخوَّنهم (٤).
وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارًا، فأناخ بظاهرها، وقال: "انتظروا حتى تدخل عشاء -يعني: آخر النهار -حتى تمتشط الشَّعثَة وتستحدّ المُغَيبة" (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن (٦) بن سليمان، عن واصل بن السائب، حدَّثني أبو سَوْرة ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: "يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنحنح فَيؤذنُ أهل البيت". هذا حديث غريب (٧).
وقال قتادة في قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: هو الاستئذان. [قال: وكان يقال: الاستئذان] (٨) ثلاث، فمن لم يؤذن له فيهن، فليرجع. أما الأولى: فليسمع (٩) الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا رَدّوا. ولا تَقِفَنَّ على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.
وقال مقاتل بن حيَّان في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه، لا يسلم عليه، ويقول: حُيِّيتَ صباحًا وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم. وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: "قد دخلتُ". فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغَيَّر الله ذلك كله، في ستر وعفة، وجعله نقيًا نزهًا من الدنس والقذر والدرَن، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا).
(١) في ف، أ: "عبيدة".
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) في أ: "و".
(٤) صحيح البخاري برقم (٥٢٤٣، ٥٢٤٤) وصحيح مسلم برقم (٧١٥) من حديث جابر، ﵁.
(٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٢٤٧) من حديث جابر، ﵁.
(٦) في هـ: "عبد الرحيم".
(٧) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٦٠٧) ومن طريقه ابن ماجه في السنن برقم (٣٧٠٧) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٧٨)، حدثنا عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، به. قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٧١): "هذا إسناد ضعيف".
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) في ف، أ: "فليستمع".
وهذا الذي قاله مقاتل حسن؛ ولهذا قال: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) يعني: الاستئذان خير لكم، بمعنى: هو خير للطرفين (١): للمستأذن ولأهل البيت، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)، وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: إذا رَدُّوكم من الباب قبل الإذن أو بعده (فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: رجوعكم (٢) أزكى لكم وأطهر (وَاللهُ بِمَا تَعْملُونَ عَلِيم).
وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كلَّه هذه الآية فما أدركتها: أن أستأذنَ على بعض إخواني، فيقول لي: "ارجع"، فأرجع وأنا مغتبط (٣) [لقوله] (٤)، (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
وقال سعيد بن جبير: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) أي: لا تقفوا على أبواب الناس.
وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) هذه الآية الكريمة أخصُّ من التي (٥) قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد، إذا كان له (٦) فيها متاع، بغير إذن، كالبيت المعد للضيف، إذا أذن له فيه أول مرة، كفى.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ)، ثم نسخ واستثني فقال (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ): وكذا روي عن عكرمة، والحسن البصري.
وقال آخرون: هي بيوت التجار، كالخانات (٧) ومنازل الأسفار، وبيوت مكة، وغير ذلك. واختار ذلك ابن جرير، وحكاه، عن جماعة. والأول أظهر، والله أعلم.
وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشَّعر.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾.
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه (٨)، وأن يغضوا (٩) أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث يونس بن عُبَيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله البجلي، ﵁، قال: سألت النبي ﷺ، عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري.
وكذا رواه الإمام أحمد، عن هُشَيْم، عن يونس بن عبيد، به. ورواه أبو داود والترمذي
والنسائي، من حديثه أيضًا (١). وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم: فقال: "أطرقْ بصرك"، يعني: انظر إلى الأرض. والصرف أعم؛ فإنه قد يكون إلى الأرض، وإلى (٢) جهة أخرى، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفَزَاري، حدثنا شَريك، عن أبي ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي، لا تتبع النظرة النظرةَ، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة"
ورواه الترمذي من حديث شريك (٣)، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا، نتحدث فيها. فقال رسول الله ﷺ: "إن أبيتم، فأعطوا الطريق حقَّه". قالوا: وما حقّ الطريق يا رسول الله؟ قال: "غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر" (٤).
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل (٥) بن جبير: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اكفلوا لي بِستّ أكفل لكم بالجنة: إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يَخُن، وإذا وَعَد فلا يخلف. وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم" (٦).
وفي صحيح البخاري: "من يكفل (٧) لي ما بين لَحْيَيه وما بين رجليه، أكفل له الجنة" (٨).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كل ما عُصي الله به، فهو كبيرة. وقد ذكر الطَّرْفين فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).
ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: "النظر سهام سم إلى القلب"؛ ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ). وحفظُ الفَرج تارةً يكون بمنعه من الزنى، كما قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩، ٣٠] وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد (٩) والسنن:
(١) صحيح مسلم برقم (٢١٥٩) والمسند (٤/ ٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٢١٤٨) وسنن الترمذي برقم (٢٧٧٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٢٣٣).
(٢) في أ: "أو إلى".
(٣) سنن أبي داود برقم (٢١٤٩) وسنن الترمذي برقم (٢٧٧٧).
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٤٦٥) وصحيح مسلم برقم (٢١٢١) من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.
(٥) في هـ: "فضال".
(٦) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٢) من طريق أبي القاسم البغوي، به. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣١٤) وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٤) من طريق فضال بن جبير. ويقال: ابن زبير، به. وقال ابن حبان: "فضال بن جبير لا يحل الاحتجاج به".
(٧) في أ: "كفل".
(٨) صحيح البخاري برقم (٦٤٧٤) من حديث سهل بن سعد، ﵁.
(٩) في أ: "المسند".
احفظ عورتك، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" (١).
(ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: "مَنْ حفظ بصره، أورثه الله نورًا في بصيرته". ويروى: "في قلبه".
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عُبَيْد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [أوّل مَرّة] (٢) ثم يَغُضّ بصره، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها" (٣).
ورُوي هذا مرفوعًا عن ابن عمر، وحذيفة، وعائشة، ﵃ (٤) ولكن في إسنادها ضعف، إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه.
وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زَحْر،، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: "لَتغضُنَّ أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمُنّ وجوهكم -أو: لتكسفن وجوهكم" (٥).
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير التُّسْتُري قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، حدثنا هُرَيْم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركه مخافتي، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه" (٦).
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وفي الصحيح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "كُتِبَ على ابن آدم حَظّه من الزنى، أدرَكَ ذلك لا محالة. فَزنى العينين: النظر. وزنى اللسان: النطقُ. وزنى الأذنين: الاستماع. وزنى اليدين: البطش. وزنى الرجلين: الخطى. والنفس تمَنّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يُكذبه".
(١) المسند (٥/ ٣، ٤) وسنن أبي داود برقم (٤٠١٧) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٢٠) من حديث معاوية بن حيدة، ﵁.
(٢) زيادة من ف، أ.
(٣) المسند (٥/ ٢٦٤). وفي إسناده عبيد الله بن زحر، قال ابن حبان: "يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم".
(٤) أما حديث حذيفة، فرواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٤) من طريق إسحاق القرشي، عن هشيم، عن عبد الرحمن، عن إسحاق، عن محارب، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، ﵁، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي. قلت: إسحاق واه وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه. وأما حديث ابن عمر، فرواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠١) من طريق أبي اليمان، عن أبي المهدي، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن ابن عمر، ﵄، وإسناده ضعيف جدا.
(٥) المعجم الكبير (٨/ ٢٤٦) وعبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم ضعفاء.
(٦) المعجم الكبير (١٠/ ٢١٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٦٣): "وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف".
رواه البخاري تعليقًا، ومسلم مسندًا من وجه آخر (١) بنحو ما تقدم.
وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهَون أن يحدَّ الرجل بَصَره (٢) إلى الأمرد. وقد شَدَّد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحَرَّمه طائفة من أهل العلم، لما فيه من الافتتان، وشَدّد آخرون في ذلك كثيرًا جدًا.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني (٣)، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن محمد بن صُهْبَان، حدثني صفوان بن سليم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "كل عين باكية (٤) يوم القيامة، إلا عينًا غَضّت عن محارم الله، وعينًا سهِرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب، من خشية الله، ﷿" (٥).
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
هذا (٦) أمْرٌ من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغَيْرَة (٧) منه لأزواجهنّ، عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيَّان قال: بلغنا -والله أعلم -أن جابر بن عبد الله الأنصاري حَدَّث: أن "أسماء بنت مُرْشدَة" كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير مُتَأزّرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا. فأنزل الله: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) الآية.
فقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) أي: عما حَرَّم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. ولهذا ذهب [كثير من العلماء] (٨) إلى أنه: لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا. واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي، من حديث الزهري، عن نبهان -مولى أم سلمة -أنه حدثه: أن أم سلمة حَدَّثته: أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة، قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابنُ أمّ مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعدما أُمِرْنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ: "احتجبا منه" فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟
(١) صحيح البخاري برقم (٦٣٤٣) وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٧).
(٢) في أ: "نظره".
(٣) في أ: "المقبري".
(٤) في أ: "زانية".
(٥) ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٣) من طريق داود بن عطاء، عن عمر بن صهبان، عن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. فلا أدري أسقط أبو سلمة من إسناد ابن أبي الدنيا أم لا؟ وعمر بن صهبان منكر الحديث اتفق الأئمة على تضعيفه.
(٦) في ف، أ: "وهذا".
(٧) في أ: "وعزة".
(٨) زيادة من ف، أ.
فقال رسول الله ﷺ: "أو عمياوان (١) أنتما؟ ألستما تبصرانه" (٢).
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى مَلَّت ورجعت (٣).
وقوله: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) قال سعيد بن جُبَيْر:، عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل:، عن الزنى. وقال أبو العالية: كل آية أنزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنى، إلا هذه الآية: (وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) ألا يراها أحد.
وقال (٤): (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي: لا يُظهرْنَ شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه.
وقال ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني: على ما كان يتعاناه نساء العرب، من المِقْنعة التي تُجَلِّل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال] (٥) بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم.
وقال الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) قال: وجهها وكفيها والخاتم. ورُوي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النَّخَعي، وغيرهم -نحوُ ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السَّبيعي، عن أبي الأحْوَص، عن عبد الله قال في قوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ): الزينة القُرْط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان: فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب، وهي] (٦) الظاهر من الثياب.
وقال الزهري: [لا يبدو] (٧) لهؤلاء الذين سَمَّى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم.
وقال مالك، عن الزهري: (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) الخاتم والخلخال.
ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه:
حدثنا يعقوب بن كعب الإنطاكي ومُؤَمَّل بن الفضل الحَرَّاني قالا حدثنا الوليد، عن سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن خالد بن دُرَيك، عن عائشة، ﵂؛ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم
يصلح أن يُرَى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه (١).
لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل؛ خالد بن دُرَيك لم يسمع من عائشة، فالله أعلم.
وقوله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني: المقانع يعمل لها صَنفات ضاربات على صدور النساء، لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها؛ ليخالفن شعارَ نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك، بل كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت (٢) عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. وقال في هذه الآية الكريمة: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) والخُمُر: جمع خِمار، وهو ما يُخَمر به، أي: يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.
قال سعيد بن جبير: (وَلْيَضْرِبْن): وليشددن (بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يعني: على النحر والصدر، فلا يرى منه شيء.
وقال البخاري: وقال أحمد بن شَبِيب (٣): حدَّثنا أبي، عن يونس، عن (٤) ابن شِهَاب، عن عُرْوَةَ، عن عائشة، ﵂، قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شقَقْنَ مُرُوطهن فاختمرن به (٥) (٦).
وقال أيضا: حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صَفيّة بنت شيبة؛ أن عائشة، ﵂، كانت تقول (٧): لما نزلت هذه الآية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): أخذن أزرهن فَشَقَقنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها (٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجيّ بن خالد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة، قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة، ﵂: إن لنساء قريش لفضلا وإني -والله -وما رأيت أفضلَ من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)، انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابة (٩)، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها المُرَحَّل فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحْنَ وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات، كأن على رؤوسهن الغربان.
(١) سنن أبي داود برقم (٤١٠٤).
(٢) في ف: "ظهرت".
(٣) في هـ: "حدثنا أحمد بن شبيب" وفي ف، أ: "حدثنا أحمد بن شبيب قال" والمثبت من البخاري.
(٤) في ف، أ: "قال".
(٥) في ف: "بها" وفي أ: "بهن".
(٦) صحيح البخاري برقم (٤٧٥٨).
(٧) في هـ، ف: "﵂ قالت: لما"، والمثبت من البخاري.
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٧٥٩).
(٩) في ف: "قرابته".
ورواه أبو داود من غير وجه، عن صفية بنت شيبة، به (١).
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أن قُرَّةَ بن عبد الرحمن أخبره، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة؛ أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأوَل، لما أنزل الله: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شَقّقن أكثَف مروطهن فاختمرن به. ورواه أبو داود من حديث ابن وهب، به (٢).
وقوله: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ) يعني: أزواجهن، (أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتصاد وتبهرج (٣).
وقال ابن المنذر: حدثنا موسى -يعني: ابن هارون -حدثنا أبو بكر -يعني ابن أبي شيبة -حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي وعِكْرمَة في هذه الآية: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) -حتى فرغ منها قال: لم يذكر العم ولا الخال؛ لأنهما ينعَتان (٤) لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله، فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره.
وقوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يعني: تُظهر زينتها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك -وإن كان محذورًا في جميع النساء -إلا أنه في نساء أهل الذمة أشدّ، فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه. وقد قال رسول الله ﷺ: "لا تباشر المرأةَ المرأةَ، تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها". أخرجاه في الصحيحين، عن ابن مسعود (٥).
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغاز،، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فانْهَ مَنْ قِبَلَك فلا (٦) يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها (٧).
وقال مجاهد في قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) قال: نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة.
وروى عَبد في تفسيره (٨) عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: (أَوْ نِسَائِهِنَّ)، قال: هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النَّحْر والقُرْط والوٍشَاح، وما لا يحل أن يراه إلا محرم.
وروى سعيد: حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) فليست (١) من نسائهن.
وعن مكحول وعبادة بن نُسَيّ: أنهما كرها أن تقبل النصرانيةُ واليهودية والمجوسية المسلمة.
فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمير، حدثنا ضَمْرَة قال: قال ابن عطاء، عن أبيه: ولما قدم أصحاب النبي ﷺ بيت المقدس، كان قَوَابل نسائهم اليهوديات والنصرانيات فهذا -إن صح -مَحمولٌ على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.
وقوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) قال ابن جُرَيج (٢): يعني: من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر [زينتها لها وإن كانت مشركة؛ لأنها أمتها. وإليه ذهب سعيد بن المسيَّب. وقال الأكثرون: بل يجوز لها أن تظهر] (٣) على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود:
حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس، أن النبي (٤) ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها. قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قَنَّعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك" (٥).
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه [في] (٦) ترجمة حُدَيْج الخَصِيّ -مولى معاوية -أن عبد الله بن مَسْعَدَة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة، فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على عليّ بن أبي طالب، ﵁ (٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزهري، عن نَبْهَان، عن أم سلمة، ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان لإحداكن مُكَاتَب، وكان له ما يؤدي، فلتحتجب منه".
ورواه أبو داود، عن مُسَدَّد، عن سفيان، به (٨).
وقوله: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) يعني: كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وَله وخَوَث (٩)، ولا همَّ لهم إلى النساء ولا يشتهونهن.
قال ابن عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له.
وقال مجاهد: هو الأبْلَه.
وقال عكرمة: هو المخَنَّث الذي لا يقوم زُبُّه. وكذلك قال غير واحد من السلف.
وفي الصحيح من حديث الزهري، عن عُرْوَةَ، عن عائشة؛ أن مخنثًا كان يدخل على أهل
رسول الله ﷺ، وكانوا يعدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبيّ ﷺ وهو ينَعت امرأة: يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال رسول الله ﷺ: "ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلَنّ عليكُنَ" فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل يوم كل جمعة يستطعم (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: دخل عليها [رسول الله ﷺ] (٢) وعندها مخنث، وعندها [أخوها] (٣) عبد الله بن أبي أمية [والمخنث يقول لعبد الله: يا عبد الله بن أبي أمية] (٤) إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر (٥) بثمان. قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة: "لا يدخلن هذا عليك".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام بن عروة، به (٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، ﵂، قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يَعُدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة. فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ: "ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا؟ لا يدخلَنَّ عليكم هذا" فحجبوه.
ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي من طريق عبد الرزاق، به (٧).
وقوله: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهنّ من كلامهن (٨) الرخيم، وتعطفهن في المشية وحركاتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله على النساء. فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء. وقد ثبت في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إياكم والدخول على النساء". قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحَمْو؟ قال: "الحَمْو الموت".
وقوله: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت (٩) تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت -لا يسمع صوته -ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتحركت بحركة لتظهر (١٠) ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ): ومن ذلك أيضا أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليَشْتَمَّ (١١) الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى الترمذي:
(١) صحيح مسلم برقم (٢١٨١) وزيادة: "فأخرجه، فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة .... الحديث" أخرجها أبو داود في السنن برقم (٤١٠٩) من طريق الزهري، به، وليست في صحيح مسلم.
(٢) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٣) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٤) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٥) في ف، أ: "وتذهب".
(٦) المسند (٦/ ٢٩٠) وصحيح البخاري برقم (٥٨٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢١٨٠).
(٧) المسند (٦/ ١٥٢) وصحيح مسلم برقم (٢١٨١) وسنن أبي داود برقم (٤١٠٨) والنسائي في السنن الكبرى (٩٢٤٧).
(٨) في ف: "كلامهم".
(٩) في ف: "كانت المرأة إذا كانت في الجاهلية".
(١٠) في ف: "ليظهر".
(١١) في أ: "ليشم".