سورة المؤمنون
ซูเราะฮ์ที่ 23 · ตอน 2/3 · เล่ม 5 หน้า 474–488
(لآيَاتٍ) أي: لحججًا (١) ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، وقادر على كل شيء، عليم بكل شيء.
وقوله: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنًا آخرين (٢) -قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم. وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ) -وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونه بشرًا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) أي: بعيد بعيد ذلك.
(إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أي: فيما جاءكم (٣) به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد. (وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) أي: استفتح عليهم الرسول واستنصَرَ ربَّه عليهم، فأجاب دعاءه، (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به،
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ) أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله لكفرهم وطغيانهم.
والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصَّرْصر العاصف القويّ الباردة، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى (٤) إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥].
وقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) أي: صرعى هَلْكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي
لا ينتفع بشيء منه. (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، كقوله (١): ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾
يقول تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ) أي: أمما وخلائق،
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.
(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) يعني (٢): بل يُؤْخَذون (٣) حَسَب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخَلفًا بعد سلف.
(ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى): قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضًا. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠].
وقوله: (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) أي: أهلكناهم، كقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧].
(وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) أي: أخبارًا وأحاديث للناس، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [الآية] (٤) [سبأ: ١٩] [(فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ)] (٥).
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾.
يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، ﵇، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بَشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب -وهو التوراة-فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وبعد أن
أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣].
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم، ﵉، أنه جعلهما آية للناس: أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى.
وقوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال الضحاك، عن ابن عباس: الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة.
قال ابن عباس: وقوله: (ذَاتِ قَرَارٍ) يقول: ذات خصب (وَمَعِينٍ) يعني: ماء ظاهرًا (١).
وقال مجاهد: ربوة مستوية.
وقال سعيد بن جبير: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ): استوى الماء فيها. وقال مجاهد، وقتادة: (وَمَعِينٍ): الماء الجاري.
ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة في أيّ أرض [الله] (٢) هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر. والماء حين يرسل (٣) يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى.
وروي عن وهب بن مُنَبِّه نحو هذا، وهو بعيد جدًّا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، قال: هي دمشق (٤).
قال: ورُوي عن عبد الله بن سلام، والحسن، وزيد بن أسلم، وخالد بن مَعْدان نحو ذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: أنهار دمشق.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ [ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ] (^١»، قال: عيسى ابن مريم وأمه، حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها.
وقال عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: في قوله (٢): (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) قال: هي الرملة من فلسطين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفرْيابي، حدثنا رَوّاد (٣) بن الجراح، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا السيباني (٤)، عن ابن (٥) وَعْلَة، عن كُرَيْب السَّحولي، عن مُرَّة البَهْزِي قال: سمعت النبي ﷺ يقول لرجل: "إنك ميت (٦) بالربوة" فمات بالرملة. (٧) وهذا حديث غريب جدًّا.
وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العَوْفِيّ، عن ابن عباس في قوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤].
وكذا قال الضحاك، وقتادة: (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ): هو بيت المقدس. فهذا والله أعلم هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى. والقرآن يفسر بعضه بعضا. وهو أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم الآثار.
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.
يأمر تعالى عباده المرسلين، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عَون على العمل الصالح، فقام الأنبياء، ﵈، بهذا أتم القيام. وجمعوا بين كل خير، قولا وعملا ودلالة ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا.
قال الحسن البصري في قوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قال: أما والله ما أُمِرُوا بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه.
وقال سعيد بن جبير، والضحاك: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) يعني: الحلال.
وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن أبي مَيْسَرَةَ بن شُرَحْبِيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.
وفي الصحيح: "ما من نبي إلا رعى الغنم". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" (١).
وفي الصحيح: أن داود، ﵇، كان يأكل من كسب يده (٢).
وفي الصحيحين: "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان (٣) ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سُدسَه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يَفر إذا لاقى" (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضَمْرَة بن حبيب، أن أم عبد الله، أخت (٥) شداد بن (٦) أوس بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: أنَّى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان الغد أتته أم عبد الله أخت (٧) شداد فقالت: يا رسول الله (٨)، بعثتُ إليك بلبن مَرثيةً (٩) لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إليَّ الرسول فيه؟. فقال لها: "بذلك أمرت الرسل، ألا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا" (١٠).
وقد ثبت في صحيح مسلم، وجامع الترمذي، ومسند الإمام أحمد -واللفظ له-من حديث فُضَيْل بن مرزوق، عن عَدِيّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس، إنَّ الله طَيِّبٌ لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، فأنَّى يستجاب لذلك" (١١).
وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فُضيل بن مرزوق.
(١) صحيح البخاري برقم (٢٢٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) صحيح البخاري برقم (٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) في ف: "وكان".
(٤) صحيح البخاري برقم (١١٣١) وصحيح مسلم برقم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٥) في أ: "بنت".
(٦) في ف: "بنت".
(٧) في ف، أ: "بنت".
(٨) في ف: "يا رسول الله صلى الله عليك"، وفي أ: "يا رسول الله ﷺ".
(٩) في ف: "مرئته".
(١٠) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٥) من طريق المعافي بن عمران عن أبي بكر بن أبي مريم به نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي: "قلت: وابن أبي مريم واه".
(١١) صحيح مسلم برقم (١٠١٥) وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩) والمسند (٦/ ١٥٩).
وقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي (١): دينكم -يا معشر الأنبياء-دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "الأنبياء"، وأن قوله: (أُمَّةً وَاحِدَةً) منصوب على الحال.
وقوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) أي: الأمم الذين بُعث إليهم الأنبياء، (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون؛ ولهذا قال متهددًا لهم ومتواعدًا: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ) أي: في غيهم وضلالهم (حَتَّى حِينٍ) أي: إلى حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ) يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء؛ ولهذا قال: (بَل لا يَشْعُرُونَ)، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥]، وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] والآيات في هذا كثيرة.
قال (٢) قتادة في قوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ) قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد [بن عُبَيْد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، حدثنا عبد الله] (٣) بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله قَسَم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يُعطي الدنيا من يُحِبّ ومن لا يحب، ولا يعطي الدِّين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم (٤) عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه-قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: غشمه وظلمه-
ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل (١) منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" (٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾
يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) أي: هم مع (٣) إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا.
(وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخبارًا عن مريم، ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، أي: أيقنت أن ما كان فإنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمرًا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيًا (٤) فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيرًا فهو حق، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأنه لا نظير له ولا كفء له.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.
وقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: يعطون العطاء (٥) وهم خائفون (٦) ألا يتقبل منهم، لخوفهم (٧) أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء. وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مِغْوَل، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة؛ أنها قالت: يا رسول الله، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله ﷿؟ قال: "لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله ﷿".
وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم، من حديث مالك بن مِغْوَل، به بنحوه (٨). وقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) قال الترمذي: ورُوي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا (١).
وهكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري في تفسير هذه الآية.
وقد قرأ آخرون هذه الآية: "والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قرأ كذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جُوَيْرِية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثني أبو خلف مولى بني جُمَح: أنه دخل مع عُبَيد بن عُمَيْر على (٢) عائشة، ﵂، فقالت: مرحبًا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا -أو: تُلِمّ بنا؟ -فقال: أخشى أن أمُلَّك. فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسأل (٣) عن آية في كتاب الله ﷿، كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها؟ قالت: أيَّة آية؟ فقال: (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) أو (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا)؟ فقالت: أيتهما (٤) أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعًا (٥) -أو: الدنيا وما فيها-قالت: وما هي؟ فقلت: (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) فقالت: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف (٦).
إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف.
والمعنى على القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم-أظهر؛ لأنه قال: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، فجعلهم من السابقين. ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك ألا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم.
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) يعني: كتاب الأعمال، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.
ثم قال منكرًا على الكفار والمشركين من قريش: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ) أي: غفلة وضلالة (مِنْ هَذَا) أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] (١) على رسوله ﷺ.
وقوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ): قال الحكم (٢) بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ) أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) قال: لا بد أن يعملوها. وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد.
وقال آخرون: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. ورُوِي نَحو هذا عن مقاتل بن حيَّان والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها".
وقوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذابُ الله وبأسه ونقمته بهم (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
وقوله: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ) أي: لا نجيركم (٣) مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتُّم، لا محيد ولا مناص ولا وَزَرَ لزم الأمر ووجب العذاب.
ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن (٤) طُلبتم امتنعتم؛ ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
وقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ): في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في (بِهِ) فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما (٥): أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهُجْر (٦) من الكلام.
والثاني: أنه (٧) ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: "إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة" إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة.
والثالث: أنه محمد ﷺ، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون. وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم، وأخرجهم من (١) الحرم صاغرين أذلاء.
وقيل: المراد بقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم (٢) أولياؤه، وليسوا (٣) بهم، كما قال النسائي في التفسير (٤) من سننه:
أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ)، فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله، (سَامِرًا) قال: يتكبرون [ويسمرون فيه، ولا] (٥) يعمرونه، ويهجرونه (٦).
وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بماذا (٧) حاصله.
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾
يقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم، وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما وآباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عنهم.
وقال قتادة: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) إذًا والله يجدون (٨) في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه، فهلكوا عند ذلك.
ثم قال منكرا على الكافرين من قريش: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) أي: أَفَهُمْ (١) لا يعرفون محمدًا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم، أفيقدرون (٢) على إنكار ذلك والمباهتة فيه؟ ولهذا قال جعفر بن أبي طالب، ﵁، للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك، إن الله بعث إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته. وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي ﷺ ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارًا لم يسلموا، ومع هذا ما أمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك.
وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) يحكي قول المشركين عن النبي ﷺ أنه تقوَّل (٣) القرآن، أي: افتراه من عنده، أو أن به جنونا لا يدري ما يقول. وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن، فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا يُطاق ولا يُدافع، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين؛ ولهذا قال: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي: في حال كراهة (٤) أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم.
وقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا فقال له: "أسلم" فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره. فقال نبي الله ﷺ: "وإن كنت كارها". وذُكِر لنا أنه لقي رجلا فقال له: "أسلم" فَتَصَعَّده (٥) ذلك وكبر عليه، فقال له نبي الله: "أرأيت لو كنتَ في طريق وَعْر وَعْث، فلقيت رجلا تعرف وجهه، وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل، أكنت متبعه (٦)؟ " قال: نعم. فقال: "فوالذي (٧) نفس محمد بيده، إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك لو دعيت إليه". وذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلا فقال له: "أسلم" فَتَصَعَّدَه ذلك، فقال له نبي الله ﷺ: "أرأيت فتييك، أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا (٨) ائتمنته أدى إليك أهو أحب إليك، أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا (٩) ائتمنته خانك؟ ". قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إلي. فقال النبي (١٠) ﷺ: "كذاكم أنتم عند ربكم".
وقوله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) قال مجاهد، وأبو صالح والسدي: الحق هو الله ﷿، والمراد: لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ (١١) وَمَنْ فِيهِنَّ) أي: لفساد أهوائهم واختلافها، كما أخبر عنهم في قولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]،
ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وتدبيره لخلقه (١) تعالى وتقدس، فلا إله غيره، ولا رب سواه.
ثم قال: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) يعني: القرآن، (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ).
وقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا): قال الحسن: أجرا. وقال قتادة: جعلا (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقال: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١].
وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أتاه -فيما يرى النائم-ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مَثَل هذا ومثل أمته. فقال: إن مَثَلَه ومثل أمته، كمثل قوم سُفْر انتهوا إلى رأس مَفَازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينا (٢) هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة، وحياضا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم. قال: فانطلق، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا (٣): بلى، قال: فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني. قال: فقالت طائفة: صدق والله، لنتبعنه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (٤).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إني ممسك بحجزكم: هَلُمَّ عن النار، هلم عن النار، وتغلبوني وتقاحمون فيها تَقَاحُم الفراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فَرَطكم على الحوض، فتردون علي معا وأشتاتا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله، فيُذْهَب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي رب، قومي، أي رب أمتي.
فيقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك شيئا. قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رُغَاء، ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك (١) شيئا، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة، فينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلغت، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم، ينادي: يا محمد، يا محمد: فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغت" (٢).
وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي.
قلت: بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح. ووثقه النسائي وابن حبان.
وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) أي: لعادلون جائرون منحرفون. تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها.
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.
وقوله: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: يخبر تعالى عن غلظهم (٣) في كفرهم بأنه لو أراح عللهم وأفهمهم القرآن، لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٩]، فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون، لو كان كيف يكون (٤).
[و] (٥) قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه "لو"، فهو مما لا يكون أبدا.
(١) في ف، أ: "لا أملك لك".
(٢) ورواه البزار في مسنده برقم (٩٠٠) وابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٣٠٠) من طريق مالك بن إسماعيل عن يعقوب بن عبد الله الأشعري به نحوه. وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٨٥): "رواه أبو يعلى في الكبير والبزار إلا أنه قال: يحمل قشعا مكان سقاء. ورجال الجميع ثقات".
(٣) في أ: "غلطهم".
(٤) في ف، أ: "ولو كان كيف كان يكون".
(٥) زيادة في ف، أ.
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (٨٣)﴾.
يقول تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ) أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد، (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي: فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على ضلالهم وغيهم. (فَمَا اسْتَكَانُوا) أي: ما خشعوا، (وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) أي: ما دعوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي ابن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد -يعني: النحوي-عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز -يعني: الوبر والدم-فأنزل الله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)
وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه، به (١). وأصل هذا الحديث في الصحيحين: أن (٢) رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كَيْسان، عن (٤) وهب بن عمر بن كيسان قال: حُبِس وهب بن مُنَبِّه، فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أَحَدَث لنا فأحدثنا. يعني: أحدث لنا الحبس، فأحدثنا زيادة عبادة.
وقوله: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي: حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبْلَسُوا (٥) من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.
ثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم، التي يدركون (٦) بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.
وقوله: (قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ) أي: وما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر، في بَرْئة الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرا ولا كبيرا، ولا ذكرا ولا أنثى، ولا جليلا ولا حقيرا، إلا أعاده كما بدأه؛ ولهذا قال: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: يحيي الرمم ويميت الأمم، (وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما، كقوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
وقوله: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم، الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء، وخضع له كل شيء.
ثم قال مخبرا عن منكري البعث، الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى، (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) يعنون: [أن] (١) الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلاقهم. وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله تعالى إخبارا عنهم: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١١ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].
﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾
يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له؛ ولهذا قال لرسوله محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في
(١) زيادة من أ.