سورة الأنبياء

ซูเราะฮ์ที่ 21 · ตอน 2/4 · เล่ม 5 หน้า 346–360

ج5 · ص346

أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر، أو حسنة؟ " قال: فيبهت الرجل فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك. فيخرج له بطاقة فيها: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن (١) محمدًا عبده ورسوله" فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: "فتوضع السجلات في كفة [والبطاقة في كفة] " (٢)، قال: "فطاشت السجلات وثقلت البطاقة" قال: "ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم" (٣).

ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث الليث بن سعد، به، (٤) وقال الترمذي: حسن غريب.

وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: "توضع الموازين (٥) يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، فيوضع (٦) ما أحصي عليه، فتمايل (٧) به الميزان" قال: "فيبعث به إلى النار" قال: فإذا أدبر به إذا (٨) صائح من عند الرحمن ﷿ يقول: [لا تعجلوا] (٩)، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها "لا إله إلا الله" فتوضع مع الرجل في كفة (١٠) حتى يميل به الميزان (١١).

وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو نوح قراد (١٢) أنبأنا ليث بن سعد، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، جلس بين يديه، فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين، يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ: "يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، إن (١٣) كان عقابك إياهم دون ذنوبهم، كان فضلا لك [عليهم] (١٤) وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتص لهم منك الفضل الذي يبقى (١٥) قبلك". فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ: ويهتف، فقال رسول الله ﷺ: ما له أما يقرأ كتاب الله؟: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) فقال الرجل: يا رسول الله، ما أجد شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء -يعني عبيده-إني أشهدك أنهم أحرار كلهم (١٦).

(١) في ف: "وأشهد أن".

(٢) زيادة من ف، والمسند والترمذي وابن ماجه.

(٣) المسند (٢/ ٢١٣).

(٤) سنن الترمذي برقم (٢٦٣٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٣٠٠).

(٥) في ف: "يوضع الميزان".

(٦) في ف: "ويوضع".

(٧) في ف: "فيمايل".

(٨) في ف: "فإذا"

(٩) زيادة من ف، والمسند.

(١٠) في ف: "كفته".

(١١) المسند (٢/ ٢٢١).

(١٢) في ف، أ: "مرارا".

(١٣) في ف: "فإن".

(١٤) زيادة من ف، والمسند.

(١٥) في ف: "بقي".

(١٦) المسند (٦/ ٢٨٠).

ج5 · ص347

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾.

قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما؛ ولهذا قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ). قال مجاهد: يعني: الكتاب. وقال أبو صالح: التوراة، وقال قتادة: التوراة، حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: يعني: النصر.

وجامع القول في ذلك: أن الكتب السماوية تشتمل على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب، وهداية وخوفًا وإنابة وخشية؛ ولهذا قال: (الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) أي: [تذكيرًا] (١) لهم وعظة.

ثم وصفهم فقال: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) كقوله ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]، (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) أي: خائفون وجلون.

ثم قال تعالى: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزلْنَاهُ) يعني: القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، (أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) أي: أفتنكرونه وهو في غاية [الجلاء] (٢) والظهور؟.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾.

يخبر تعالى عن خليله إبراهيم، ﵇، أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وما يذكر من الأخبار عنه (٣) في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع، وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات، فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم -فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق بما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له

(١) زيادة من ف.

(٢) زيادة من ف.

(٣) في ف: "عنه من الأخبار".

ج5 · ص348

مما ينتفع به في الدين. ولو كانت فيه فائدة تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة. والذي نسلكه (١) في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة (٢) عندهم بين صحيحها وسقيمها كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة.

والمقصود هاهنا: أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده، من قبل، أي: من قبل ذلك، وقوله: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أي: وكان أهلا لذلك.

ثم قال: (إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره، الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله، ﷿، فقال: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) أي: معتكفون على عبادتها.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال: مر عليّ، على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس صاحبكم جمرًا حتى يطفأ خير له من أن يمسها.

(قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ): لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال؛ ولهذا قال: (لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم.

فلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ) يقولون (٣): هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبًا أو محقًا فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك.

(قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي: ربكم الذي لا إله غيره، هو الذي خلق السماوات [والأرض] (٤) وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا رب سواه.

﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾

ثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه ليكيدن أصنامهم، أي: ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا (٥) مدبرين أي: إلى عيدهم. وكان لهم عيد يخرجون إليه.

(١) في هـ: "يذكر" والمثبت من ف.

(٢) في ف: "لا معرفة".

(٣) في ف: "يقول".

(٤) زيادة من ف.

(٥) في ف: "تولو".

ج5 · ص349

قال السدي: لما اقترب (١) وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض. وقال: إني سقيم، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع، فيقولون: مه! فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: (تَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ) فسمعه أولئك.

وقال أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم، إلى عيدهم مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم. وقد كان بالأمس قال: (تَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) فسمعه ناس منهم.

﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾.

وقوله: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا) أي: حطامًا كسرها كلها (إِلا كَبِيرًا لَهُمْ) يعني: إلا الصنم الكبير عندهم كما قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣].

وقوله: (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم، لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غَارَ لنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها.

(قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: في صنيعه هذا.

(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) أي: قال من سمعه يحلف أنه ليكيدنهم: (سَمِعْنَا فَتًى) أي: شابًا (يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس [عن أبيه] (٢)، عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًا إلا شابًا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ).

وقوله: (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) أي: على رءوس الأشهاد في الملإ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم أن يتبين (٣) في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم (٤) في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرًا، ولا تملك (٥) لها نصرًا، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟.

(قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) يعني: الذي تركه لم يكسره (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم، فيعترفوا أنهم لا ينطقون، فإن هذا لا يصدر عن هذا الصنم، لأنه جماد.

وفي الصحيحين من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم، ﵇، لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله (٦)، قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وقوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ قال: "وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه

(١) في ف: "قرب".

(٢) زيادة من ف.

(٣) في ف، أ: "يبين".

(٤) في ف: "عقولهم".

(٥) في ف: "ولا تستطيع".

(٦) في ف، أ: "كتاب".

ج5 · ص350

سارة، إذ نزل منزلا فأتى الجبار رجل، فقال: إنه قد نزل بأرضك رجل معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إليّ، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار (١) سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وأنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي. فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها، فتناولها، فأخذ أخذًا شديدًا، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فأهوى إليها، فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد. ففعل ذلك الثالثة فأخذ، [فذكر] (٢) مثل المرتين الأوليين (٣) فقال ادعي الله فلا أضرك. فدعت، له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه، فقال: إنك لم تأتني بإنسان، وإنما (٤) أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته، قال (٥): مَهْيَم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر، وأخدمني هاجر" قال محمد بن سيرين (٦) وكان (٧): أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (٨)

﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.

يقول تعالى مخبرًا (٩) عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) أي: ثم أطرقوا في الأرض فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) قال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ).

وقال السدي: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) أي: في الفتنة.

وقال ابن زيد: أي في الرأي.

وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا؛ ولهذا قالوا له: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ)، فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ) أي: إذا كانت لا تنطق (١٠)، وهي لا تضر ولا تنفع، فلم تعبدونها من دون الله.

(أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)

(١) في ف: "الجبار قد سألني".

(٢) زيادة من ف، والسنن.

(٣) في ف، أ: "الأولتين".

(٤) في ف: "ولكنك".

(٥) في ف: "وقال".

(٦) في ف، أ: "إدريس".

(٧) في ف: "فكان".

(٨) لم أجده في الصحيحين من طريق هشام بن حسان وإنما هو في السنن: فرواه أبو داود في السنن برقم (٢٢١٢) من طريق عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان. ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٣٧٤) من طريق أبي أسامة عن هشام بن حسان. وهو في الصحيحين من طريق أيوب عن محمد بن سيرين؛ صحيح البخاري برقم (٥٠٨٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٣٧١).

(٩) في ف، أ: "يخبر تعالى".

(١٠) في أ: "كان لا ينطق".

ج5 · ص351

أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة، وألزمهم بها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٨٣].

﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾.

لما دَحَضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: (حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًا -قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم-ثم جعلوه في جَوْبة من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد قط نار (١) مثلها، وجعلوا إبراهيم، ﵇، في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد -قال شُعَيب الجبائي: اسمه هيزن-فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقوه قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"، كما رواه البخاري، عن ابن عباس أنه قال: "حسبي (٢) الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها (٣) محمد حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (٤).

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا ابن هشام، حدثنا إسحاق (٥) بن سليمان، عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لما ألقي إبراهيم، ﵇، في النار قال: اللهم، إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك" (٦).

ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك (٧).

وقال شعيب الجبائي: كان عمره ست عشرة سنة. فالله أعلم.

وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا [وأما من الله فبلى] (٨).

(١) في ف، "نار قط".

(٢) في ف: "حسبنا".

(٣) في ف: "وقال".

(٤) صحيح البخاري برقم (٤٥٦٣)

(٥) في ف، أ: "أبو إسحاق".

(٦) ورواه البزار في مسنده برقم (٢٣٤٩) "كشف الأستار" وأبو نعيم في الحلية (١٩١١) والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٤٦) من طريق أبي هشام الرفاعي به. وقال البزار: "لا نعلم رواه عن عاصم إلا أبا جعفر، ولا عنه إلا إسحاق، ولم نسمعه إلا من أبي هشام" قلت: عاصم بن عمر بن حفص متكلم فيه.

(٧) رواه الطبري في تفسيره كما في الدر المنثور (٥/ ٦٤٢) عن أرقم.

(٨) زيادة من ف.

ج5 · ص352

وقال سعيد بن جبير -ويروى (١) عن ابن عباس أيضًا-قال: لما أُلقيَ إبراهيم جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان (٢) أمر الله أسرع من أمره، قال الله: [﷿] (٣) (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) قال: لم (٤) يبق نار في الأرض إلا طفئت.

وقال كعب الأحبار: لم ينتفع [أحد] (٥) يومئذ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه.

وقال الثوري، عن الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) [قال: بَرَدَتْ عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل: (وَسَلامًا)] (٦)، قال: لا تضرِّيه.

وقال ابن عباس، وأبو العالية: لولا أن الله ﷿ قال: (وَسَلامًا) لآذى إبراهيم بَرْدُها.

وقال جُوَيبر، عن الضحاك: (كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) قال: صنعوا له حظيرة من حَطَب جَزْل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصِبه منها شيء حتى أخمدها الله -قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يُصِبْه منها شيء غيرُ ذلك.

وقال السدي: كان معه فيها ملك الظل.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا مِهْران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن المِنْهَال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فقال: كان (٧) فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أيامًا وليالي قط أطيب عيشًا إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها.

وقال أبو زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: إن أحسن [شيء] (٨) قال أبو إبراهيم -لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه-قال عند ذلك: نعْمَ الربّ ربك يا إبراهيم.

وقال قتادة: لم يأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوَزَغ -وقال الزهري: أمر النبي ﷺ: بقتله وسماه فويسقًا (٩).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حدثنا جرير بن حازم، أن نافعًا حدثه قال: حدثتني مولاة (١٠) الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا. فقلت: يا أم المؤمنين، ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حين ألقي في النار، لم يكن (١١) في الأرض دابة إلا تطفئ النار، غير الوَزَغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم"، فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله (١٢).

(١) في ف، أ: "وروي".

(٢) في ف: "وكان".

(٣) زيادة من ف.

(٤) في ف، أ: "فلم".

(٥) زيادة من ف.

(٦) زيادة من ف.

(٧) في ف: "فكان".

(٨) زيادة من ف.

(٩) جاء من حديث أم شريك: رواه البخاري برقم (٣٣٠٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢٢٣٧).

(١٠) في ف، أ: "حدثني مولاه".

(١١) في ف: "تكن"

(١٢) ورواه أحمد في المسند (٦/ ٨٣، ١٠٩) وابن ماجه في السنن برقم (٣٢٣١) من طريق نافع عن سائبة مولاة الفاكه به.

ج5 · ص353

وقوله: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ) أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيدا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك.

وقال عطية العوفي: لما ألقِيَ إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه فطارت شرارة فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة.

﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم، أنه سلمه الله من نار قومه، وأخرجه من بين أظهرهم مهاجرًا إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها، كما قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قوله: (إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال: الشام، وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة.

وكذا قال أبو العالية أيضًا.

وقال قتادة: كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى الشام، [وكان يقال للشام: عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام] (١) وما نقص من الشام زيد في فلسطين. وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم، ﵇، وبها يهلك المسيح الدجال.

وقال كعب الأحبار في قوله: (إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) إلى حران.

وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشام، فلقي إبراهيم سارة، وهي ابنة ملك حران، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على ألا يغيرها.

رواه ابن جرير، وهو غريب [والمشهور أنها ابنة عمه، وأنه خرج بها مهاجرًا من بلاده] (٢).

وقال العَوفي، عن ابن عباس: إلى مكة؛ ألا تسمع قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].

وقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً) قال عطاء، ومجاهد: عطية.

وقال ابن عباس، وقتادة، والحكم بن عُيينة: النافلة ولد الولد، يعني: أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].

(١) زيادة من ف.

(٢) زيادة من ف.

ج5 · ص354

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]، فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة.

(وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ) أي: الجميع أهل خير وصلاح،

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.

(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً) أي: يقتدى بهم، (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أي: يدعون إلى الله بإذنه؛ ولهذا قال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ) من باب عطف الخاص على العام، (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) أي: فاعلين لما يأمرون الناس به.

ثم عطف بذكر لوط -وهو لوط بن هاران بن آزر-كان قد آمن بإبراهيم، واتبعه، وهاجر معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]، فآتاه الله حكمًا وعلمًا، وأوحى إليه، وجعله نبيًا، وبعثه إلى سَدُومَ وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودَمَّر عليهم، كما قص خبرهم في غير موضع من كتابه العزيز؛ ولهذا قال: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).

﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾.

يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح، ﵇، حين دعا على قومه لما كذبوه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]، ولهذا قال هاهنا: (إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ (١) وَأَهْلَهُ) أي: الذين آمنوا به كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].

وقوله: (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله ﷿، فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يقصدون لأذاه (٢) ويتواصون قرنًا بعد قرن، وجيلا بعد جيل على خلافه.

وقوله: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ) أي: ونجيناه وخلصناه منتصرًا من القوم (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: أهلكهم الله بعامة، ولم يُبْقِ على وجه الأرض منهم أحدًا؛ إذ (٣) دعا عليهم نبيهم.

(١) في ف، أ: "ونجيناه".

(٢) في ف: أذاه".

(٣) في ف: "كما".

ج5 · ص355

﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾

قال ابن إسحاق، عن مُرّة، عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرمًا قد نَبَتَتْ عناقيده. وكذا قال شُرَيْح.

قال ابن عباس: النَّفْشُ: الرعي.

وقال شُرَيح، والزهري، وقتادة: النَّفْشُ بالليل. زاد قتادة: والهَمْلُ بالنهار.

قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب وهارون بن إدريسَ الأصم قالا حدثنا المحاربي، عن أشعت، عن أبي إسحاق، عن مُرّة، عن ابن مسعود في قوله: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قال: كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته. قال: فقضى داود بالغَنَم لصاحب الكَرْم، فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيُصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ).

وهكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس.

وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، حدثنا (١) خليفة، عن ابن عباس قال: فحكم (٢) داود بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرِّعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟

فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيتُ بغير هذا! فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال (٣) أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها ويبذُر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثلَ حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ أصحاب الحرث الحرثَ وردوا الغنم إلى أصحابها.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خُدَيْج، عن أبي إسحاق، عن مُرَّة، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرما نفشت فيه الغنم، فلم تَدَع فيه ورقة ولا عنقودًا من عنب إلا أكلته، فأتوا داود، فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها (٤) أهلُ الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيصلحوه ويعمروه (٥) حتى يعود كالذي كان ليلة نَفَشت فيه الغنم، ثم يُعطَى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم.

(١) في ف: "حدثني".

(٢) في ف، أ: "قضى".

(٣) في ف: "فقال".

(٤) في ف: "فتعطى".

(٥) في ف: "يعمره ويصلحوه".

ج5 · ص356

وهكذا قال شُرَيح، ومُرَّة، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد وغير واحد.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل، عن عامر، قال: جاء رجلان إلى شُرَيح، فقال أحدهما: إن شاة هذا قطعت غزلا لي، فقال شريح: نهارًا أم ليلا؟ فإن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشاة، وإن كان ليلا ضَمِن، ثم قرأ: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ) الآية.

وهذا الذي قاله شُرَيح شبيه بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث الليث بن سعد، عن الزهري، عن حَرام بن مُحَيْصة (١)؛ أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (٢). وقد عُلِّل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب "الأحكام" وبالله التوفيق.

وقوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حميد؛ أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، قال (٣) ما يبكيك؟ قال (٤) يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان، ﵉، والأنبياء حكمًا يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود. ثم قال -يعني: الحسن-: إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثًا: لا يشترون به ثمنًا قليلا ولا يتبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحدًا، ثم تلا ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (٥) [ص: ٢٦] وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [المائدة: ٤٤].

قلت: أما الأنبياء، ﵈، فكلهم معصومون مُؤيَّدون من الله ﷿. وهذا مما لا خلاف (٦) فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،

(١) في ف: "عن حرام عن الزهري بن محيصة".

(٢) المسند (٥/ ٤٣٥) وسنن أبي داود برقم (٣٥٧٠) وسنن ابن ماجه برقم (٢٣٣٢). تنبيه: هذا الطريق إنما هو طريق ابن ماجه، أما أحمد فرواه عن مالك وسفيان ومعمر عن الزهري، وأما أبو داود فرواه عن معمر والأوزعي عن الزهري.

(٣) في ف، أ: "فقال".

(٤) في ف، أ: "فقال"

(٥) زيادة من ف، أ.

(٦) في ف: "ما لا اختلاف فيه".

ج5 · ص357

وإذا اجتهد فأخطأ (١) فله أجر" (٢) فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه "إياس" من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.

وفي السنن: "القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار" (٣).

وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدثنا علي بن حَفْص، أخبرنا وَرْقاء عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء (٤) الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا. فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها، لا تَشُقه، فقضى به للصغرى" (٥).

وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما (٦) وبوّب عليه النسائي في كتاب القضاء: (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق) (٧).

وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة "سليمان ﵇" من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس -فذكر قصة مطولة (٨) ملخصها-: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على (٩) كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود، ﵇، أنها مَكَّنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها. فلما كان عشية ذلك اليوم، جلس سليمان، واجتمع معه وِلْدانٌ، مثله، فانتصب حاكمًا وتزيا أربعة منهم بزيّ أولئك، وآخر بزيّ المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكَنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان: فرقوا بينهم. فقال لأولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود. فعزله، واستدعى الآخر فسأله عن لونه، فقال: أحمر. وقال الآخر: أغبش. وقال الآخر: أبيض. فأمر بقتلهم، فحكي ذلك لداود، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة، فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم (١٠).

(١) في ف: "وأخطأ".

(٢) صحيح البخاري برقم (٧٣٥٢).

(٣) سنن أبي داود برقم (٣٥٧٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٩٢٢) وسنن ابن ماجه برقم (٢٣١٥)

(٤) في ف: "إذ جاء".

(٥) المسند (٢/ ٣٢٢)

(٦) في ف: "صحيحيهما".

(٧) صحيح البخاري برقم (٦٧٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٢٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٩٥٨) والباب فيه "التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين له الحق".

(٨) في ف: "طويلة".

(٩) في أ: "عن".

(١٠) تاريخ دمشق (٧/ ٥٦٥ "المخطوط")

ج5 · ص358

وقوله: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ): وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّم به تقف الطير في الهواء، فتجاوبه، وتَرد عليه الجبال تأويبًا؛ ولهذا لمَّا مَرَّ النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب [جدًا] (١). فوقف واستمع لقراءته، وقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود". قال يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع (٢) لحبرته لك تحبيرًا (٣).

وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنْج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁، ومع هذا قال: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود.

وقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِيُحْصِنَكُمْ (٤) مِنْ بَأْسِكُمْ) يعني صنعة الدروع.

قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حلَقًا. كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠، ١١] أي: لا توسع الحلقة فتقلق (٥) المسمار، ولا تغلظ المسمار فتَقَدّ الحَلْقة؛ ولهذا قال: (لِتُحْصِنَكُمْ (٦) مِنْ بَأْسِكُمْ) يعني: في القتال، (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) أي: نعم الله عليكم، لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.

وقوله: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً) أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة، (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) يعني أرض الشام، (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) وذلك أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة، والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته، ثم تحمله فترفعه وتسير به، وتظله الطير من الحر، إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وخشبه (٧)، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، وقال ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].

قال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن عيينة، عن أبي سِنَان، عن سعيد بن جبير قال: كان يُوضَع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله ﷺ (٨).

وقال عبد الله بن عُبَيْد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح، فتجتَمع كالطَّود العظيم، كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفَرَس من ذوات الأجنحة، فترتفع (٩) حتى تصعد (١٠) على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كُل شَرَف دون السماء، وهو مطأطئ رأسه، ما يلتفت يمينا ولا شمالا تعظيمًا لله ﷿، وشكرًا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله

(١) زيادة من ف، أ.

(٢) في ف: "تستمع".

(٣) سبق الحديث في فضائل القرآن.

(٤) في ف، أ: "لتحصنكم".

(٥) في ف: "فتفلق".

(٦) في ف، أ: "لتحصنكم".

(٧) في أ: "وحشمه"

(٨) في أ: "فتحملهم ﵇".

(٩) في ف، أ: "فيرتفع".

(١٠) في ف، أ: "يصعد".

ج5 · ص359

تعالى (١) حتى تضعه (٢). الريح حيث شاء أن تضعه (٣)

﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾.

وقوله: (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) أي: في الماء يستخرجون اللآلئ [وغير ذلك. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ) أي: غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (٤). [ص: ٣٧، ٣٨].

وقوله: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (٥) أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو مُحَكَّم (٦) فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء؛ ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.

يذكر تعالى عن أيوب، ﵇، ما كان أصابه من البلاء، في ماله وولده وجسده (٧)، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية. فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده -يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله ﷿، حتى عافه الجليس، وأفردَ في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد (٨) يحنو عليه سوى زوجته، كانت تقوم بأمره (٩)، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ﷺ: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل" (١٠) وفي الحديث الآخر: "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه" (١١).

وقد كان نبي الله أيوب، ﵇، غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.

وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب، ﵇، بذهاب الأهل والمال والولد، ولم له يبق شيء، أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة، إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرَّغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت، حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا.

قال: وقال أيوب، ﵇: يا رب، إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك. وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي:

(١) في ف، أ: "﷿".

(٢) في ف: "يضعه".

(٣) في ف، أ: "حيث يشاء أن يضعه".

(٤) زيادة من ف، أ.

(٥) في ف: "له".

(٦) في ف، أ: "يحكم".

(٧) في ف: "وجسده وولده".

(٨) في ف: "أحد من الناس".

(٩) في ف: "بأوده".

(١٠) رواه أحمد في المسند (١/ ١٧٢) والترمذي في السنن برقم (٢٣٩٨) وابن ماجه في السنن برقم (٤٠٢٣) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

(١١) هو جزء من الحديث المتقدم، والله أعلم.

ج5 · ص360

يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش (١)، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم.

وقد ذكر عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول (٢).

وقد روى أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة، ابتلي أيوب، ﵇، سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كُنَاسَة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده ففرج الله عنه، وعَظَمَّ له الأجر، وأحسن عليه الثناء.

وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص.

وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب، لو دعوت ربك (٣) يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهل (٤) قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجَزَعت من ذلك فخرجت، فكانت تعمل للناس بأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه بَرَأ. فأتياه، فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا (٥): نحن فلان وفلان! فرحَّب بهما وقال: مرحبًا بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا يا أيوب، لعلك كنت تُسر شيئًا وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئًا أظهرت غيره. ولكن ربي ابتلاني لينظر أأصبر أم أجزع، فقالا له: يا أيوب، اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه بَرَأت. قال: فغضب وقال جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليّ حرام. فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصًا (٦)، وكان ابنهم نائمًا، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها.

فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر. قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله. [فانطلقي به إليه. فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء! فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله] (٧)، لا يقبل منهم شيئًا غيره، فقالت: رحم الله أيوب فدفعت القرص إليه ورجعت. ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سُقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك. فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث. لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة. فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب

(١) في ف: "الفراش".

(٢) تفسير الطبري (١/ ٤٢).

(٣) في ف، أ: "الله".

(٤) في أ: "فهو".

(٥) في ف، أ: "قالا".

(٦) في ف، أ: "قرصة".

(٧) زيادة من ف، أ.