سورة الحجر
ซูเราะฮ์ที่ 15 · ตอน 2/3 · เล่ม 4 หน้า 539–553
وكذا روى الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، بنحوه.
وقال سفيان بن عُيَيْنة، عن إسرائيل، عن أبي موسى، سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله -أهل بدر -نزلت هذه الآية: (وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)
وقال كثير النَّواء: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم. إني أسألك بالله: أتبرأ من أبي بكر وعمر؟ فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] تولهما (١) يا كثير، فما أدركك فهو في رقبتي هذه، ثم تلا هذه الآية: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) قال: أبو بكر، وعمر، وعلي، ﵃ أجمعين.
وقال الثوري، عن رجل، عن أبي صالح في قوله: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) قال: هم عشرة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أجمعين.
وقوله: (مُتَقَابِلِينَ) قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض.
وفيه حديث مرفوع، قال ابن أبي حاتم.
حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشير (٢) حدثنا يحيى بن معين، عن إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، فتلا هذه الآية: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) في الله، ينظر بعضهم إلى بعض (٣)
وقوله: (لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ) يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين: "إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصَب، لا صخب فيه ولا نصب" (٤)
وقوله: (وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) كما جاء في الحديث: "يقال (٥) يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا"، وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨]
وقوله: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ) أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب أليم.
وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة، وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب
(١) في ت: "برهما" وفي أ": "برها".
(٢) في هـ، ت، أ: "بشر" والمثبت عن الجرح والتعديل ١/ ١/٦٠ مستفادا من حاشية الشعب.
(٣) ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٨٦) في ترجمة زيد بن أبي أوفى ومن طريق حسان بن حسان به، وقال: "لا يتابع عليه".
(٤) صحيح البخاري برقم (٣٨٢٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٥) في أ: "فقال".
نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال: مر رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه يضحكون، فقال: "اذكروا الجنة، واذكروا النار". فنزلت: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ) رواه ابن أبي حاتم. وهو مرسل (١)
وقال ابن جرير، حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: "ألا أراكم تضحكون؟ " ثم أدبر، حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى، فقال: "إني لما خرجت جاء جبريل، ﵇، فقال: يا محمد، إن الله يقول (٢) لم تقنط (٣) عبادي؟ (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ) (٤)
وقال سعيد، عن قتادة في قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عقابه لبخع نفسه" (٥)
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾
يقول (٦) تعالى: وخبرهم يا محمد عن قصة (ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) والضيف: يطلق على الواحد والجمع، كالزور والسُّفْر.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾
وكيف (دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) أي: خائفون.
وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه لهم (٧) ضيافة، وهو العجل السمين الحنيذ.
(قَالُوا لا تَوْجَلْ) أي: لا تخف، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وهو إسحاق، ﵇، كما تقدم في سورة هود.
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٨٦) وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم. وموسى بن عبيدة الربذي ضعيف.
(٢) في أ: "يقول الله".
(٣) في ت: "يقنط".
(٤) تفسير الطبري (١٤/ ٢٧).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٧) وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله برقم (٦٤) من طريق سعيد به مرسلا، وروى موصولا نحوه عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري، أما حديث ابن عمر، فرواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله برقم (٦٣) من طريق موسى عن عطية، عن ابن عمر مرفوعا: "لو تعلمون قدر رحمة الله ﷿ لا تكلتم وما عملتم من عمل، ولو علمتم قدر غضبه ما نفعكم شيء"، وحديث أبي سعيد، رواه البزار في مسنده ولفظه: "لو تعلمون قدر رحمة الله لا تكلتم - أحسبه قال: عليها". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٤): "إسناده حسن".
(٦) في أ: "يخبر".
(٧) في ت، أ: "إليهم".
ثم قال (١) متعجبًا من كبره وكبر زوجته ومتحققًا للوعد: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون) فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا وبشارة بعد بشارة، (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) وقرأ بعضهم: "القنطين" (٢) -فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنَّت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾
يقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم، ﵇، لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى: إنه شرع يسألهم عما جاءوا له، فقالوا: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) يعنون: قوم لوط. وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين؛ ولهذا قالوا: (إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) أي: الباقين المهلكين.
﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾
يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) يعنون: بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم، (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ) كما قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨]
وقوله: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) تأكيد لخبرهم (٣) إياه بما أخبروه به، من نجاته وإهلاك قومه، [والله أعلم] (٤)
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾
يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يَسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط، ﵇، يمشي وراءهم، ليكون أحفظ لهم.
وهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغَزاة بما كان يكون (٥) ساقة، يُزجي الضعيف، ويحمل المنقطع (٦)
وقوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما
حل بهم من العذاب والنكال، (وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) كأنه كان معهم من يهديهم السبيل.
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ) أي: تقدمنا إليه في هذا (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) أي: وقت: الصباح كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]
﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾
يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه (١) وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين، (قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ)
وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله كما قال في سياق (٢) سورة هود، وأما هاهنا فتقدم ذِكرُ أنهم رسل الله، وعطف بذكر مجيء قومه ومحاجته لهم. ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دل دليل (٣) على خلافه، فقالوا له مجيبين: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ) أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدًا؟ فأرشدهم إلى نسائهم، وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم أيضا القول في ذلك، بما أغنى عن إعادته.
﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾
هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يُصبحهم من العذاب المستقر؛ ولهذا قال تعالى لنبيه ﷺ: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) أقسم تعالى بحياة نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع وجاه عريض.
قال عمرو بن مالك النُّكْري (٤) عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: (٥) (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا " إنهم لفي سكرتهم يعمهون"] (٦) رواه ابن جرير.
وقال قتادة: (فِي سَكْرَتِهِمْ) أي: في ضلالتهم، (يَعْمَهُونَ) أي: يلعبون.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (لَعَمْرُكَ) لعيشك، (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) قال: يتحيرون (٧)
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾
يقول: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس، وهو طلوعها، وذلك مع رفع (١) بلادهم إلى عَنان السماء ثم قلْبها، وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. وقد تقدم الكلام على السجيل في [سورة] (٢) هود بما فيه كفاية.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) أي: إن آثار هذه النقم ظاهرة (٣) على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسَّمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) قال: المتفرسين.
وعن ابن عباس، والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: (لِلْمُتَوَسِّمِينَ) للمتأملين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العَبْدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ "اتقوا فِرَاسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". ثم قرأ النبي ﷺ: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)
رواه الترمذي، وابن جرير، من حديث عمرو بن قيس الملائي (٤) وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مِهْران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا فِرَاسَة المؤمن؛ فإن المؤمن ينظر (٥) بنور الله" (٦)
وقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحِمْصِيّ، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المُؤَمَّل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن مُنَبِّه، عن طاوس بن كَيْسَان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله" (٧)
وقال أيضًا: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي (٨) ﷺ: "إن لله عبادًا
(١) في ت: "رفيع".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في أ: "الظاهرة".
(٤) سنن الترمذي برقم (٣١٢٧) وتفسير الطبري (١٤/ ٣١).
(٥) في ت، أ: "يبصر".
(٦) تفسير الطبري (١٤/ ٣٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٤) من طريق فرات بن السائب به، وقال: "غريب من حديث ميمون لم نكتبه إلا من هذا الوجه". والفرات متروك".
(٧) تفسير الطبري (١٤/ ٣٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨١) من طريق سليمان بن سلمة به، وقال: "غريب من حديث وهيب، تفرد به مؤمل عن أسد". وسليمان بن سلمة وشيخه المؤمل ضعيفان.
(٨) في أ: "رسول الله".
يعرفون الناس بالتوسم" (١)
ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر -يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة -عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم" (٢)
وقوله: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة (٣) منتنة خبيثة لبطريق مَهْيَع مسالكه (٤) مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]
وقال مجاهد، والضحاك: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) قال: مُعَلَّم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.
وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ولكن ليس المعنى على ما قال هاهنا، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية (٥) للمؤمنين بالله ورسله.
﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾
أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب.
قال الضحاك، وقتادة، وغيرهما: الأيكة: الشجر الملتف.
وكان ظلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان. فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بَعْدَهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان؛ ولهذا قال تعالى: (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) أي: طريق مبين.
قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: طريق ظاهر؛ ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾
(١) تفسير الطبري (١٤/ ٣٢) ورواه القضاعي في مسند الشهاب برقم (١٠٠٥) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (٥٠٠٤) "مجمع البحرين" من طريق أبي بشر المزلق به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٨): "إسناده حسن". وقال الذهبي في ترجمة أبي بشر المزلق: "روى خبرا منكرا فذكره" وهذا أقرب.
(٢) مسند البزار برقم (٣٦٣٢) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلم رواه عن ثابت، عن أنس إلا أبو بشر".
(٣) في ت: "بخرة"، وفي أ: "بخرة".
(٤) في ت، أ: "سالكة".
(٥) في أ: "جليلة".
أصحاب الحجر هم: ثمود الذين كذبوا صالحا نبيهم، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين؛ ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين.
وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح، كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء فكانت (١) تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم. فلما عَتَوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]
وذكر تعالى: أنهم (كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرا وبطرا وعبثا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر، الذي مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك فَقَنَّع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم" (٢)
وقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ) أي: وقت الصباح من (٣) اليوم الرابع، (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضَنُّوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾
يقول تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ) أي: بالعدل؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]
ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين، في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم (٤) به، كما قال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) [الزخرف: ٨٩]
وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا فإن هذه مكية، والقتال إنما
(١) في ت: "وكانت".
(٢) جاء من حديث ابن عمر، ﵄، رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣٨٠) ومسلم في صحيحه برقم (٢٩٨) ولفظه: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم. ." الحديث. ورواه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٠٢) بلفظ: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم".
(٣) في أ: "في".
(٤) في ت، أ: "ما جاء".
(٥) في ت: "تعلمون".
شرع بعد الهجرة.
وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ) تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق ما يشاء، وهو العليم بما تمزق (١) من الأجساد، وتفرق (٢) في سائر أقطار الأرض، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨١ - ٨٣].
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
يقول تعالى لنبيه: كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي: ألِن لهم جانبك (٣) كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
وقد اختلف في السبع المثاني: ما هي؟
فقال ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك وغير واحد: هي السبع الطُّوَل. يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، نص عليه ابن عباس، وسعيد بن جبير.
وقال سعيد: بيَّن (٤) فيهن الفرائض، والحدود، والقصص، والأحكام.
وقال ابن عباس: بين (٥) الأمثال والخَبَر والعِبَر (٦)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: (الْمَثَانِي) الْمُثَنَّى: (٧) البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة (٨) سورة واحدة.
قال ابن عباس: ولم يُعْطهن أحد إلا النبي ﷺ، وأعطي موسى منهن
ثنتين. رواه هُشَيْم، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار (٩) عن سعيد بن جبير عنه.
[و] (١٠) قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي النبي ﷺ سبعا من المثاني الطُّوَل، وأوتي موسى، ﵇، ستًّا، فلما ألقى الألواح ارتفع (١١) اثنتان وبقيت أربع.
وقال مجاهد: هي السبع الطُوَل. ويقال: هي القرآن العظيم.
وقال خَصِيف، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) قال: أعطيتك سبعة أجزاء: آمر، وأنهى، وأبشر (١) وأنذر، وأضرب الأمثال، وأعدد النعم، وأنبئك بنبأ (٢) القرآن. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
والقول الثاني: أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. رُوي ذلك عن عمر وعلي، وابن مسعود، وابن عباس. قال ابن عباس: والبسملة هي (٣) الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. وبه قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عُمَيْر، وابن أبي مليكة، وشَهْر بن حَوْشَب، والحسن البصري، ومجاهد.
وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين (٤) في كل قراءة. وفي رواية: في كل ركعة مكتوبة أو تطوع.
واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة "الفاتحة" في أول التفسير، ولله الحمد.
وقد أورد البخاري، ﵀، هاهنا حديثين:
أحدهما: قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُنْدر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: "ما (٥) منعك أن تأتيني (٦)؟ ". فقلت: كنت أصلي. فقال: "ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ " فذهب النبي ﷺ ليخرج، فذكرته (٧) فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (٨)
[و] (٩) الثاني: قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أم القرآن هي: السبع المثاني والقرآن العظيم" (١٠)
فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي (١١) وصف غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] فهو مثاني من وجه، ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم
أيضًا، كما أنه، ﵇ (١٢) لما سُئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قُباء، فلا تنافي، فإن (١٣) ذكر الشيء لا ينفي (١٤)
ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم.
وقوله: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) أي: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية.
ومن هاهنا ذهب ابن عُيَيْنَة إلى تفسير الحديث الصحيح: "ليس منا من لم يتغَنَّ بالقرآن" (١) إلى أنه يُستغنى به عما عداه، وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو المقصود من الحديث، كما تقدم في أول التفسير.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن وَكِيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: أضاف النبي ﷺ ضيف (٢) ولم يكن عند النبي ﷺ شيء (٣) يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقا إلى هلال رجب. قال: لا إلا بِرَهْن. فأتيت النبي ﷺ [فأخبرته] (٤) فقال: "أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه". فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى آخر الآية. [طه: ١٣١] كأنه (٥) يعزيه عن الدنيا (٦)
وقال العوفي، عن ابن عباس: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) قال: نهي الرجل أن يتمنى مال صاحبه.
وقال مجاهد: (إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) هم الأغنياء.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾
يأمر تعالى نبيه، صلوات الله وسلامه عليه، أن (٧) يقول للناس: إنه (النَّذِيرُ الْمُبِينُ) البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام.
وقوله: (الْمُقْتَسِمِينَ) أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] أي: نقتلهم ليلا قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩] فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه، فسموا مقتسمين.
(١) وانظر فيما تقدم في فضائل القرآن، باب: من لم يتغن بالقرآن.
(٢) في ت: "ضيفا" وهو الصواب".
(٣) في ت، أ: "أمرا".
(٤) زيادة من ت، أ.
(٥) في ت: "كما".
(٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٣١) من طريق عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة به نحوه، وقال العراقي: "إسناده ضعيف" وذلك لأجل موسى بن عبيدة الربذي.
(٧) في ت، أ: "بأن".
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون أصحاب صالح، الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله.
وفي الصحيحين، عن أبي موسى [الأشعري] (١) عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء! فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكَذب ما جئت به من الحق" (٢)
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
وقوله: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أي: جَزَّؤوا كتبهم المنزلة عليهم، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
قال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: (جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) قال: هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه (٣) (٤)
حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي (٥) ظَبْيان، عن ابن عباس: (كَمَا أَنزلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) قال: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض: اليهُود والنصارى (٦)
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، مثل ذلك.
وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: (جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) قال: السحر (٧) وقال عكرمة: العَضْه: السحر بلسان قريش، تقول (٨) للساحرة: إنها العاضهة (٩)
وقال مجاهد: عَضوه أعضاء، قالوا: سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: أساطير الأولين.
وقال عطاء: قال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: مجنون. وقال بعضهم كاهن. فذلك
العضين (١٠) وكذا روي عن الضحاك وغيره.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف (١١) فيهم، وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر
(١) زيادة من ت، أ.
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٤٨٢، ٧٢٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٣).
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٠٥).
(٤) في هـ بعد قوله "وكفروا ببعضه" ما يلي: "حدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: (جعلوا القرآن عضين) قال: هم أهل الكتاب، جزءوه أجزاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه" وليس في صحيح البخاري ولا في باقي النسخ، وهو خطأ.
(٥) في ت: "ابن".
(٦) صحيح البخاري برقم (٤٧٠٦).
(٧) في ت، أ: "سحر".
(٨) في ت: "يقول".
(٩) في ت: "الكاهنة".
(١٠) في ت: "الحضين".
(١١) في ت، أ: "ذا سن".
صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضًا. فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس، فقل (١) وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم قولوا (٢) لأسمع. قالوا: نقول (٣) "كاهن". قال: ما هو بكاهن. قالوا: فنقول: "مجنون". قال: ما هو بمجنون! قالوا (٤) فنقول: "شاعر". قال: ما هو بشاعر! قالوا: فنقول: "ساحر". قال: ما هو بساحر! قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله حلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر. فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) أصنافا (٥) (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) دُوينك (٦) النفر الذين قالوا: ذلك لرسول الله.
وقال عطية العوفي، عن ابن عمر (٧) في قوله: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال: عن لا إله إلا الله.
وقال عبد الرزاق. أنبأنا الثوري، عن ليث -هو ابن أبي سليم -عن مجاهد، في قوله: (لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال: عن (٨) لا إله إلا الله (٩)
وقد روى الترمذي، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سليم، عن بَشِير (١٠) بن نَهِيك، عن أنس، عن النبي ﷺ: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [قال] (١١) عن لا إله إلا الله (١٢)
ورواه ابن إدريس، عن ليث، عن بشير (١٣) عن أنس موقوفا (١٤)
وقال ابن جرير: حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عُكَيم قال: قال عبد الله -هو ابن مسعود -: والذي لا إله غيره، ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم، ماذا (١٥) غرك مني بي؟ ابن آدم، ماذا عملتَ فيما علمت؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين (١٦)؟
وقال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية: قال: يسأل العباد كلهم عن خُلَّتين يوم القيامة، عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين.
(١) في ت: "فقيل".
(٢) في ت، أ: "تقولوا".
(٣) في ت: "فنقول".
(٤) في أ: "قال".
(٥) في ت: "أضيافا".
(٦) في ت، أ: "أولئك".
(٧) في أ: "عن ابن عباس".
(٨) في أ: "عن قول".
(٩) تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٠٣).
(١٠) في ت، أ: "بشر".
(١١) زيادة من ت، أ.
(١٢) سنن الترمذي برقم (٣١٢٦) ومسند أبي يعلى (٧/ ١١١) وهو عندهما من طريق ليث بن أبي سليم، عن بشر، عن أنس، وفي تفسير الطبري (١٤/ ٤٦) رواه من طريق شريك عن بشر عن أنس، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث ليث ابن أبي سليم، وقد روى عبد الله بن أدريس، عن ليث بن أبي سليم، عن بشر، عن أنس نحوه ولم يرفعه".
(١٣) في أ: "بشر".
(١٤) أشار إليه الترمذي كما تقدم، ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٦) من طريق أبي كريب وأبي السائب، عن ابن إدريس به موقوفا.
(١٥) في ت: "ما".
(١٦) تفسير الطبري (١٤/ ٤٦).
وقال ابن عيينة عن عملك، وعن مالك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحُوَّاري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة الشيباني، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا معاذ، إن المؤمن ليسأل (١) يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى كحل عينيه، وعن (٢) فتات الطينة بأصبعيه، فلا ألفينك يوم القيامة (٣) وأحد أسعد بما آتى (٤) الله منك" (٥)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ثُمَّ قَالَ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه (٦) والصَّدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) أي: أمضه. وفي رواية: افعل ما تؤمر.
وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.
وقال أبو عبيدة، عن (٧) عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيا، حتى نزلت: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فخرج هو وأصحابه (٨)
وقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولا تخفْهم؛ فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كَهْمَس، عن يزيد بن درهم، قال: سمعت أنسًا (٩) يقول في هذه الآية: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)
(١) في أ: "يسأل".
(٢) في أ: "وحتى".
(٣) في أ: "فلا ألفينك تأتي يوم القيامة".
(٤) في ت، أ: "أتاك".
(٥) ورواه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣١) من طريق إسحاق بن أبي حسان، عن أحمد بن أبي الحوارى به نحوه، وسيأتي مطولا عند تفسير الآية: ١٤ من سورة الفجر، وقد علق الحافظ ابن كثير: "حديث غريب جدا في إسناده نظر وفي صحته".
(٦) في أ: "وإنفاذه".
(٧) في ت، أ: "ابن".
(٨) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٧).
(٩) في ت، أ، هـ: "عن أنس قال: "سمعت أنسا" وهو تحريف وقد وقع مثله في كشف الأستار للهيثمي.
قال: مر رسول الله ﷺ، فغمزه بعضهم، فجاء جبريل -أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم -كهيئة الطعنة حتى ماتوا (١)
وقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير -خمسة نفر، كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، من بني أسد بن عبد العزى بن قُصي: الأسود بن المطلب أبو (٢) زمعة، كان رسول الله ﷺ -فيما بلغني -قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [به] (٣) فقال: اللهم، أعم بصره، وأثكله ولده. ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد. ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان -فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) إلى قوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)
وقال ابن إسحاق: فحدث يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره (٤) من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود [ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومر به الأسود] (٥) بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى (٦) بطنه، فمات منه حَبَنَا، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جُرح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض (٧) على شِبْرِقَةٍ فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخط قيحا، فقتله (٨)
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسُهم الوليد بن المغيرة، وهو الذي جمعهم.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة، نحو سياق محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عروة، بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن غيطلة. وعكرمة يقول: الحارث بن قيس.
قال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة.
وكذا روي عن مجاهد، ومقسم، وقتادة، وغير واحد، أنهم كانوا خمسة.
(١) مسند البزار برقم (٢٢٢٢) "كشف الأستار" ونقل عنه الهيثمي قوله: "تفرد به يزيد بن درهم، عن أنس ولا أعلم له عن أنس غيره"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٦): "فيه يزيد بن درهم، ضعفه ابن معين، ووثقه الفلاس".
(٢) في ت: "ابن".
(٣) زيادة من ت، أ.
(٤) في ت: "وغيره".
(٥) زيادة من ت، أ، وابن هشام والطبري.
(٦) في أ: "فاستقى".
(٧) في ت، أ: "فربض به".
(٨) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٤٠٩، ٤١٠) وتفسير الطبري (١٤/ ٤٨).
وقال الشعبي: كانوا سبعة.
والمشهور الأول.
وقوله: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن جعل مع الله معبودا آخر.
وقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك انقباض وضيق صدر. فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة؛ ولهذا قال: (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مُرَّة، عن نعيم بن هَمَّار (١) أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره".
ورواه أبو داود (٢) من حديث مكحول، عن كثير بن مرة، بنحوه (٣)
ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حَزبه أمر صلَّى.
وقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال البخاري: قال سالم: الموت (٤)
وسالم هذا هو: سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير:
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال: الموت (٥)
وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره (٦)
والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]
وفي الصحيح (٧) من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء -امرأة من الأنصار -أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون -وقد مات -قلت: رحمة الله عليك (٨) أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ "