سورة يوسف

ซูเราะฮ์ที่ 12 · ตอน 1/5 · เล่ม 4 หน้า 365–379

ج4 · ص365

تفسير سورة يوسف

[وهي مكية] (١)

روى الثعلبي وغيره، من طريق سَلام بن سليم -ويقال: سليم -المدائني، وهو متروك، عن هارون بن كثير -وقد نصّ على جهالته أبو حاتم -عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: " علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها، أو علمها أهله، أو ما (٢) ملكت يمينه، هَوَّن الله عليه سكرات الموت، وأعطاه من القوة ألا يحسد مسلما " (٣).

وهذا من هذا الوجه لا يصح، لضعف إسناده بالكلية. وقد ساق له (٤) الحافظ ابن عساكر متابعا من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير، به -ومن طريق شَبَابة، عن مخلد بن عبد الواحد البصري (٥) عن علي بن زيد بن جدعان -وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حُبَيش، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ -فذكر نحوه (٦) وهو منكر من سائر طرقه.

وروى البيهقي في " الدلائل " أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله ﷺ يتلو هذه السورة أسلموا لموافقتها ما عندهم. وهو من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة".

وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن، (الْمُبِينِ) أي: الواضح الجلي، الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها (٧).

(إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزلَ أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة (٨) أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في ت: "وما".

(٣) تفسير الثعلبي (٧/ل ٦١ "المحمودية") وأورده الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ١٧٩) من رواية الثعلبي في تفسيره، ورواه الواحدي في الوسيط (٢/ ٥٩٩) من طريق إبراهيم بن شريف عن أحمد بن يونس عن سلام بن سليم به.

(٤) في جميع النسخ: "وقد ساقه" وهذا التعبير غير صحيح".

(٥) جميع النسخ: "محمد بن عبد الواحد النضري"، وفي أ، ت: "مخلد بن عبد الواحد النضري" والصواب ما أثبتناه.

(٦) نقله الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ١٨٠) عن المؤلف.

(٧) في ت: "وتفسيرها وتبينها".

(٨) في ت: "كسفارة".

ج4 · ص366

شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه؛ ولهذا قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن.

وقد وَرَدَ في سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن جرير:

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأوْدِيّ (١). حدثنا حكام الرازي، عن أيوب، عن عمرو -هو ابن قيس الملائي -عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (٢).

ورواه من وجه آخر، عن عمرو بن قيس مرسلا.

وقال أيضا: حدثنا محمد بن سعيد (٣) العطار (٤)، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خَلاد الصفار، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مُرَّة (٥)، عن مصعب بن سعد عن سعد قال: أنزل على النبي ﷺ القرآن، قال: فتلا عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصتَ علينا. فأنزل الله ﷿: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٦). ثم تلا عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا. فأنزل الله ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وذكر الحديث.

ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن رَاهَويه، عن عمرو بن محمد القرَشي العَنْقزي، به (٧).

وروى ابن جرير بسنده (٨)، عن المسعودي، عن عَوْن بن عبد الله قال: مَلّ أصحابُ رسول الله ﷺ مَلّةَ، فقالوا: يا رسول الله، حَدثنا. [فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ثم مَلّوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله، حدثنا] (٩) فوق الحديث ودون القرآن -يعنون القصص -فأنزل الله: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) فأرادوا الحديث، فدلَّهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص (١٠).

ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة، المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب ما قال الإمام أحمد:

حدثنا سُرَيْج بن النعمان، أخبرنا هُشَيْم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله؛ أن

(١) في ت: "الأوذي".

(٢) تفسير الطبري (١٥/ ٥٥٢).

(٣) في أ: "سعد".

(٤) في ت، أ: "القطان".

(٥) في ت، أ: "قرة".

(٦) في ت: " (لعلكم تعقلون) الآية".

(٧) تفسير الطبري (١٥/ ٥٥٣) والمستدرك (٢/ ٣٤٥) وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية برقم (٣٦٥٢).

(٨) في ت: "بسند".

(٩) زيادة من ت، أ، والطبري.

(١٠) تفسير الطبري (١٥/ ٥٥٢).

ج4 · ص367

عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: "أمُتَهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذّبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا، لما (١) وسعه إلا أن يتبعني" (٢)

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ. قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه (٣) رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال: فسُرِّي عن النبي (٤) ﷺ وقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حَظِّي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين" (٥).

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عُرْفَطة قال: كنت جالسا عند عمر، إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس، قال: نعم. فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس. فجلس، فقرأ عليه: (بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ [أَحْسَنَ الْقَصَصِ]) (٦) إلى قوله: (لَمِنَ الْغَافِلِينَ) فقرأها (٧) ثلاثا، وضربه ثلاثا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال! قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقْرأه (٨) ولا تُقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنّك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ: "ما هذا في يدك يا عمر؟ ". قال: قلت: يا رسول الله، كتاب نسخته لنزداد (٩) به علما إلى علمنا. فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم ﷺ؟ السلاح السلاح. فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ، فقال: "يا أيها الناس، إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختُصِر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها

(١) في ت: "ما".

(٢) المسند (٣/ ٣٧٨).

(٣) في ت: "ما توجه".

(٤) في أ: "رسول الله".

(٥) المسند (٣/ ٣٦٥).

(٦) زيادة من ت.

(٧) في ت، أ: "فقرأها عليه".

(٨) في ت: "لا يقرأه".

(٩) في ت: "ليزداد".

ج4 · ص368

بيضاء نقية فلا تَتهوَّكوا، ولا يغرنكم المتهوِّكون". قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبك رسولا. ثم نزل رسول الله ﷺ (١).

وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرا، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شَيبَة (٢) الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه.

قلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري، عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر: أن جُبَير بن نُفَير حَدّثهم: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر، ﵁، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود صلاصفة (٣) فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين ويقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة. وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا إنا بأرض أهل الكتابين، وإنا نسمع منهم كلاما تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئا. قالا (٤) لا. قال: سأحدثكما، انطلقت في حياة رسول الله (٥) ﷺ حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديا يقول قولا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي ما تقول؟ قال: نعم. فأتيت بأديم، فأخذ يملي علي، حتى كتبت في الأكرُع. فلما رجعت قلت: يا نبي الله، وأخبرته، قال: "ائتني به". فانطلقت أرغب عن المشي رجاء أن أكون أتيت (٦) رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: "اجلس اقرأ عليّ". فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجهه فإذا هو يتلوّن، فتحيرت من الفَرق، فما استطعت أجيز (٧) منه حرفا، فلما رأى الذي بي دَفَعه (٨) ثم جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه، وهو يقول: "لا تتبعوا هؤلاء، فإنهم قد هَوكوا وتَهَوَّكوا"، حتى محا آخره حرفًا حرفا. قال عمر، ﵁: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكالا لهذه الأمة! قالا والله ما نكتب منه شيئًا أبدا. فخرجا بصلاصفتهما (٩) فحفرا لها (١٠) فلم يألُوا أن يعمِّقَا، ودفناها

(١) لم أعثر عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى، وأورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٢) وقال: "رواه أبو يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، ضعفه أحمد وجماعة". ورواه المقدسي في المختارة برقم (١١٥) من طريق أبي يعلى وقال: "عبد الرحمن بن إسحاق أخرج له مسلم وابن حبان". يقصد عبد الرحمن بن إسحاق المدني وهو أثبت من الواسطي وفترتهما متقاربة، لكن المزني ذكر علي بن مسهر من الرواة عن الواسطي الضعيف، وقد رجح المؤلف هنا أنه الواسطي. وكذا في مسند عمر بن الخطاب (٢/ ٥٩١) وقال: "وزعم الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "المختارة" أنه الذي روى له مسلم كما (أظن صوابه كذا) قال: وأما شيخه خليفة بن قيس فقال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ ليس بالمعروف. وقال البخاري: لم يصح حديثه".

(٢) في ت: "ابن شيبة".

(٣) في هـ: "ملاصق" بدون نقط، والمثبت من ت، أ.

(٤) في ت، أ: "فقالا".

(٥) في ت: "النبي".

(٦) في ت: "جئت".

(٧) في ت: "أحبر".

(٨) في ت: "دفعته".

(٩) في هـ، ت: "بصفيهما" والمثبت من أ.

(١٠) في ت: "فحفراها".

ج4 · ص369

فكان آخر العهد منها (١).

وكذا روى الثوري، عن جابر بن يزيد الجُعْفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت الأنصاري، عن عمر بن الخطاب، بنحوه (٢) وروى أبو داود في المراسيل، من حديث أبي قِلابة، عن عمر نحوه (٣). والله أعلم.

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾

يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قَصَصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه، وأبوه هو: يعقوب، ﵇، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".

انفرد بإخراجه البخاري، فرواه (٤) عن عبد الله بن محمد، عن عبد الصمد به (٥) وقال البخاري أيضا:

حدثنا محمد، أخبرنا عبدة، عن عُبَيْد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ: أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ " قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهوا". ثم قال: تابعه أبو أسامة، عن عبيد الله (٦).

وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي.

وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أن الأحد عشر كوكبا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلا [سواه] (٧) والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه. رُوي هذا عن ابن عباس، والضحاك،

(١) ورواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٣٦) عن الطبراني، عن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث به.

(٢) سبق تخريجه في المسند.

(٣) المراسيل برقم (٤٥٥).

(٤) في أ: "ورواه".

(٥) المسند (٢/ ٩٦) وصحيح البخاري برقم (٤٦٨٨).

(٦) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٩).

(٧) زيادة من ت.

ج4 · ص370

وقتادة وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، وهو سريره، وإخوته بين يديه: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].

وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبا -فقال الإمام أبو جعفر بن جرير.

حدثني علي بن سعيد الكندي، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، [عن جابر] (١) قال: أتى النبي ﷺ رجل من يهود يقال له: "بستانة اليهودي"، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي ﷺ ساعة فلم يجبه بشيء، ونزل [عليه] (٢) جبريل، ﵇، فأخبره بأسمائها. قال: فبعث رسول الله ﷺ إليه فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ " فقال: نعم. قال: "خرتان (٣) والطارِقُ، والذَّيَّال (٤) وذو الكَنَفَات، وقابس، ووَثَّاب، وعَمُودَان، والْفَيلَقُ، والمُصَبِّحُ، والضَّرُوحُ، وذو الفرغ، والضِّيَاُء، والنُّور"، فقال اليهودي: إيْ والله، إنها لأسماؤها (٥).

ورواه البيهقي في "الدلائل"، من حديث سعيد (٦) بن منصور، عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧) أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير، به وزاد: قال رسول الله ﷺ: "لما رآها يوسف قَصّها على أبيه يعقوب، فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد؛ قال: والشمس أبوه، والقمر أمه".

تفرد به الحكم بن ظهير الفزاري (٨) وقد ضَعَّفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط، وهو صاحب حديث حُسْن يوسف.

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾

(١) زيادة من ت، أ، والطبري.

(٢) زيادة من ت، أ:، والطبري.

(٣) في هـ: "حرثان" وفي ت، أ: "جربان" والمثبت من ميزان الاعتدال ١/ ٥٧٢. مستفاد من ط. الشعب.

(٤) في ت: "والدثال".

(٥) تفسير الطبري (١٥/ ٥٥٥).

(٦) في ت: "سعد".

(٧) دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٢٧٧) ومسند البزار برقم (٢٢٢٠) "كشف الأستار". وقد وقع اختلاف في أسماء الكواكب في هذه المصادر وليست بالمهمة، والحديث حكم عليه ابن الجوزي بالوضع.

(٨) لم يتفرد به بل توبع، فرواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٩٦) من طريق طلحة عن أسباط بن نصر، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر به نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" قال الزيلعي: "وسند الحاكم وارد على البزار في قوله: لا نعلم له طريقا غيره، وعلى البيهقي في قوله: تفرد به الحكم بن ظهير ولهما عذرهما" تخريج الكشاف (٢/ ١٦١).

ج4 · ص371

يقول تعالى مخبرًا عن قيل يعقوب لابنه يوسف حين قَصّ عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدًا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا وإكراما واحتراما (١) فخشي يعقوب، ﵇، أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدوه (٢) على ذلك، فيبغوا له الغوائل، حسدا منهم له؛ ولهذا قال له: (لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) أي: يحتالوا لك حيلةً يُرْدُونَك فيها. ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحوَّل إلى جنبه الآخر وليتفل عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره" (٣). وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد، وبعض أهل السنن، من رواية معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعَبر، فإذا عُبرت وقعت" (٤) ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث: "استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود" (٥)

﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾

يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك (٦) ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك، (كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) أي: يختارك ويصطفيك لنبوته، (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ) قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا.

(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) أي: بإرسالك والإيحاء إليك؛ ولهذا قال: (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ) وهو الخليل، (وَإِسْحَاقَ) ولده، وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح، (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: [هو] (٧) أعلم حيث يجعل رسالاته، كما قال في الآية الأخرى.

(١) في ت، أ: "واحتراما وإكراما".

(٢) في ت: "فيحسدونه".

(٣) جاء من حديث جابر، وأم سلمة، وأبي قتادة: أما حديث جابر، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٢٦٢)، وأما حديث أم سلمة، فرواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٧٤١)، وأما حديث أبي قتادة، فرواه أحمد في المسند (٥/ ٢٩٦) وهذا لفظه.

(٤) لم أعثر عليه من حديث معاوية، وإنما من حديث لقيط بن عامر ﵁، رواه أحمد في المسند (٤/ ١٠) وأبو داود في السنن برقم (٥٠٢٠) والترمذي في السنن برقم (٢٢٧٨) وابن ماجه في السنن برقم (٣٩١٤).

(٥) رواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٠٩) وابن عدي في الكامل (٣/ ٤٠٤) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٦) من طريق سعيد بن سالم العطار عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن معاذ به مرفوعا، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٦٥) وقال أبو حاتم في العلل (٢/ ٢٥٨): "حديث منكر". وآفته سعيد بن سلام العطار فهو كذاب.

(٦) في ت: "اختار".

(٧) زيادة من ت.

ج4 · ص372

﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾

يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي عبرةٌ ومواعظُ للسائلين عن ذلك، المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب، يستحق أن يستخبر عنه، (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) أي: حلفوا فيما يظنون: والله ليوسف وأخوه -يعنون بنيامين، وكان شقيقه لأمه - (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي: جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة؛ (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا.

واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر. ويحتاج مُدّعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوَى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب؛ يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم.

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم، ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي -تستريحوا منه، وتختلوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من (١) بعد إعدامه قوما صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب.

(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) قال قتادة، ومحمد بن إسحاق: كان أكبرهم واسمه روبيل. وقال السدي: الذي قال ذلك يهوذا. وقال مجاهد: هو شمعون (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) أي: لا تَصِلوا (٢) في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم (٣) سبيلٌ إلى قتله؛ لأن الله تعالى كان يريد منه أمرًا لا بدّ من إمضائه وإتمامه، من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب، وهو أسفله.

قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس.

(يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) أي: المارة من المسافرين، فتستريحوا بهذا، ولا حاجة إلى قتله.

(إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون.

قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم، من قطيعة الرحم، وعقوق

(١) في أ: "وتكونوا من بعده، أي من بعد".

(٢) في أ: "لا تغلوا".

(٣) في ت: "له".

ج4 · ص373

الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضَّرَع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله، مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين ابنه (١) وحبيبه، على كبر سنه، ورِقَّة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلا صغيرا، وبين أبيه على ضعف قوته وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرا عظيما.

رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل، عنه.

﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾

لما تواطئوا على أخذه وطَرْحه في البئر، كما أشار عليهم أخوهم الكبير رُوبيل، جاءوا أباهم يعقوب، ﵇، فقالوا: (يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) وهذه توطئة وسلف ودعوى، وهم يريدون خلاف ذلك؛ لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له، (أَرْسِلْهُ مَعَنَا) أي: ابعثه معنا، (غَدًا نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ) وقرأ بعضهم بالياء (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ)

قال ابن عباس: يسعى وينشط. وكذا قال قتادة، والضحاك والُّسدِّي، وغيرهم.

(وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.

﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾

يقول تعالى مخبرا عن نبيه (٢) يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ) أي: يشق علي مفارقتُهُ مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفَرْط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة والكمال في الخُلُق والخلق، صلوات الله وسلامه عليه.

وقوله: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورَعْيتكم (٣) فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: (لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ) يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا، ونحن جماعة، إنا إذًا لهالكون عاجزون.

﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾

(١) في ت: "أبيه".

(٢) في ت، أ: "عن نبي الله".

(٣) في ت: "ورعيكم".

ج4 · ص374

يقول تعالى: فلما ذهب (١) به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك، (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) هذا فيه تعظيم لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يُظهرونه له إكراما له، وبسطا وشرحًا لصدره، وإدخالا للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب (٢) ﵇، لما بعثه معهم ضمه إليه، وقَبَّله ودعا له.

وقال (٣) السدي وغيره: إنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له، إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول، من شتم ونحوه، والفعل من ضَرْب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشَتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه، يقال لها: "الراغوفة" (٤) فقام فوقها.

قال الله تعال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) يقول تعالى ذاكرًا لطفه ورحمته وعائدته (٥) وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق، تطييبًا لقلبه، وتثبيتًا له: إنك لا تحزن مما (٦) أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجًا ومخرجًا حسنًا، وسينصرك الله عليهم، ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم (٧) بما فعلوا معك من هذا الصنيع.

وقوله: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) -قال [مجاهد و] (٨) قتادة: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بإيحاء الله إليه.

وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك، ولا يستشعرون بك، كما قال ابن جرير:

حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عُبادة الأسدي، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصّواع، فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام: أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له "يوسف"، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب -قال: ثم نقره فطنّ -فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كَذب -قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس، ﵄: لا نرى (٩) هذه الآية نزلت إلا فيهم: (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (١٠).

﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾

(١) في ت، أ: "ذهب".

(٢) في ت، أ: "يوسف".

(٣) في ت: "فذكر".

(٤) في أ: "الراغوف".

(٥) في ت: "وعائد به".

(٦) في ت، أ: "فيما".

(٧) في ت، أ: "وسيجزيهم".

(٨) زيادة من ت.

(٩) في ت: "فلا يرى"، وفي أ: "فلا نرى".

(١٠) تفسير الطبري (١٥/ ٥٧٦).

ج4 · ص375

يقول تعالى مخبرا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب: أنهم (١) رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) أي: نترامى، (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا) أي: ثيابنا وأمتعتنا، (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وهو الذي كان [قد] (٢) جزع منه، وحذر عليه.

وقولهم: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) تلّطفٌ عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا -والحالة هذه -لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك، لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا؛ لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا.

(وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي: مكذوب مفترى. وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سَخْلة -فيما ذكره مجاهد، والسدي، وغير واحد -فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يَرُج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي: فسأصبر صبرًا جميلا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه، حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال.

وقال الثوري، عن سِمَاك، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) قال: لو أكله السبع لخرق القميص. وكذا قال الشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد.

وقال مجاهد: الصبر الجميل: الذي لا جزع فيه.

وروى هُشَيْم، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبَّان بن أبي جَبَلة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) فقال: "صبر لا شكوى (٣) فيه" وهذا مرسل (٤).

وقال عبد الرزاق: قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: ألا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك (٥).

وذكر البخاري هاهنا حديث عائشة، ﵂، في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف (٦)، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (٧).

(١) في ت، أ: "ثم".

(٢) زيادة من أ.

(٣) في ت: "لا قوى".

(٤) تفسير الطبري (١٥/ ٥٨٥).

(٥) تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٧٧).

(٦) في ت: "إلا يعقوب" وفي أ: "إلا أبا يوسف إذ قال".

(٧) صحيح البخاري برقم (٤٦٩٠).

ج4 · ص376

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾

يقول تعالى مخبرًا عما جرى ليوسف، ﵇، حين ألقاه إخوته، وتركوه في ذلك الجب فريدا وحيدًا، فمكث في البئر ثلاثة أيام، فيما قاله أبو بكر بن عياش (١)

وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ما يصنع وما يُصنع به، فساق الله له سَيَّارة، فنزلوا قريبًا من تلك (٢) البئر، وأرسلوا واردهم -وهو الذي يتطلب لهم الماء -فلما جاء تلك (٣) البئر، وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف، ﵇، فيها، فأخرجه واستبشر به، وقال: (يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ).

وقرأ بعض القراء: "يا بشرى"، فزعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه، معلما له أنه أصاب غلامًا. وهذا القول من السدي غريب؛ لأنه لم يُسبَق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس، والله أعلم. وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه، وحذف ياء الإضافة وهو يريدها، كما تقول العرب: "يا نفسُ اصبري"، و"يا غلام أقبل"، بحذف حرف الإضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى (يَا بُشْرَى) والله أعلم.

وقوله: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) أي: وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضّعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره. قاله مجاهد، والسدي، وابن جرير. هذا قول.

وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) يعني: إخوة يوسف، أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع. فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه: (يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ) يباع، فباعه إخوته.

وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) أي: يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقَدرَ سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

وفي هذا تعريض لرسوله محمد ﷺ (٤)، وإعلامه له بأنني عالم بأذى قومك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته.

(١) في ت، "ابن عباس".

(٢) في ت: "ذلك".

(٣) في ت: "ذلك".

(٤) في ت: "صلوات الله عليه" وفي أ: "صلوات الله عليه وسلامه".

ج4 · ص377

وقوله: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل، قاله مجاهد وعِكْرِمة.

والبخس: هو النقص، كما (١) قال تعالى: ﴿فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣] أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دُونٍ قليل، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه، بل لو سألوه (٢) بلا شيء لأجابوا.

قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن الضمير في قوله: (وَشَرَوْهُ) عائد على إخوة يوسف.

وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة.

والأول أقوى؛ لأن قوله: (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) إنما أراد إخوته، لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فيرجح من هذا أن الضمير في (وَشَرَوْهُ) إنما هو لإخوته.

وقيل: المراد بقوله: (بَخْسٍ) الحرام. وقيل: الظلم. وهذا وإن كان كذلك، لكن ليس هو المراد هنا؛ لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال، وعلى كل أحد، لأنه نبي ابن نبي، ابن نبي، ابن خليل الرحمن، فهو الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما، أي: إنهم إخوته، وقد باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان؛ ولهذا قال: (دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) فعن ابن مسعود باعوه بعشرين درهما، وكذا قال ابن عباس، ونَوْف البَكَالي، والسُّدِّي، وقتادة، وعطية العَوْفي وزاد: اقتسموها درهمين درهمين.

وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما.

وقال محمد بن إسحاق وعِكْرِمة: أربعون درهمًا.

وقال الضحاك في قوله: (وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) وذلك أنهم لم يعلموا نبوته

ومنزلته عند الله ﷿.

وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر، فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك، وكان مسلمًا.

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾

(١) في ت: "وكما".

(٢) في أ: "لو سئلوا".

ج4 · ص378

يخبر تعالى بألطافه بيوسف، ﵇، أنه قيض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والفلاح، فقال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. [قال] (١) العوفي، عن ابن عباس: وكان اسمه قطفير.

وقال محمد بن إسحاق: اسمه إطفير (٢) بن روحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريَّان بن الوليد، رجل من العماليق قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل.

وقال غيره: اسمها زليخا.

وقال محمد بن إسحاق أيضا، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بُويب (٣) بن عنقا بن مديان بن إبراهيم، فالله أعلم.

وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) والمرأة التي قالت لأبيها [عن موسى] (٤): ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب، ﵄ (٥).

يقول تعالى: وكما أنقذنا يوسف من إخوته، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ) يعني: بلاد مصر، (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ) قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أي (٦) إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه.

قال سعيد بن جبير في قوله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أي: فعال لما يشاء.

وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد (٧).

وقوله: (وَلَمَّا بَلَغَ) أي: يوسف ﵇ (أَشُدَّهُ) أي: استكمل عقله (٨) وتم خلقه. (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) يعني: النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي: إنه كان محسنًا في عمله، عاملا بطاعة ربه تعالى.

وقد اختُلِف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد بن جبير: ثمانية عشرة سنة. وقال الإمام مالك، وربيعة، وزيد بن أسلم، والشعبي: الأشد الحلم. وقيل غير ذلك،

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في ت: "إظفير".

(٣) في ت: "نويب".

(٤) زيادة من أ.

(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٩).

(٦) في أ: "فهو".

(٧) في ت، أ: "يريده".

(٨) في أ: "خلقه".

ج4 · ص379

والله (١) أعلم.

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾

يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه [(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا] عَنْ نَفْسِهِ) أي: حاولته على (٢) نفسه، (٣) ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًا شديدًا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها، (وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و(قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي [أَحْسَنَ مَثْوَايَ]) (٤) وكانوا يطلقون "الرب" (٥) على السيد والكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن (٦) مثواي أي: منزلي وأحسن إلي، فلا أقابله بالفاحشة في أهله، (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) قال ذلك مجاهد، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.

وقد اختلف القراء في قراءة: (هَيْتَ لَكَ) فقرأه كثيرون بفتح الهاء، وإسكان الياء، وفتح التاء. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: معناه: أنها تدعوه إلى نفسها. وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: (هَيْتَ لَكَ) تقول: هلم لك. وكذا قال زِرّ بن حبيش، وعِكْرِمة، والحسن وقتادة.

قال عمرو بن عبُيَد، عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية، أي: عليك.

وقال السدي: (هَيْتَ لَكَ) أي: هلم لك، وهي بالقبطية.

قال مجاهد: هي لغة عربية (٧) تدعوه بها.

وقال البخاري: وقال عكرمة: (هَيْتَ لَكَ) هَلُم لك بالحَوْرَانية.

وهكذا ذكره معلقًا، وقد أسنده الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سُهَيْل الواسطي، حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا النضر بن عربي الجَزَري (٨)، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: (هَيْتَ لَكَ) قال: هلم لك. قال: هي بالحورانية.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي (٩) هذه القراءة -يعني: (هَيْتَ لَكَ) -ويقول: هي لغة، لأهل حَوْران، وقعت إلى أهل الحجاز، معناها: تعال. وقال أبو عبيد: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران، فذكر أنها لغتهم يعرفها.

(١) في ت: "فالله".

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في ت، أ: "عن".

(٤) زيادة من أ.

(٥) في ت، أ: "ذلك".

(٦) في ت، أ: "أكرم".

(٧) في ت: "غريبة".

(٨) في ت: "غربي الحوري".

(٩) في ت، أ: "يحب".