سورة هود

ซูเราะฮ์ที่ 11 · ตอน 3/5 · เล่ม 4 หน้า 332–346

ج4 · ص332

قلت! (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) وما كان عليه أسلافنا، (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) أي: [في] (١) شك كثير (٢).

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) فيما أرسلني به إليكم على يقين وبرهان [من الله] (٣)، (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، فلو تركته (٤) لما نفعتموني ولما زدتموني (غَيْرَ تَخْسِيرٍ) أي: خسارة.

﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾

وتقدم الكلام على هذه القصة مستوفى في سورة "الأعراف" (٥) بما أغنى عن إعادته ها هنا، وبالله التوفيق.

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾

يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وهم الملائكة، إبراهيم بالبشرى، قيل: تبشره (٦) بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط. ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، (قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ) أي: عليكم.

قال علماء (٧) البيان: هذا أحسن مما حَيّوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام (٨).

(فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) أي: ذهب (٩) سريعا، فأتاهم بالضيافة، وهو عجل: فتى البقر،

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في ت، أ: "كبير".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في ت، أ: "فلو تركت ذلك".

(٥) عند تفسير الآيات ٧٣ - ٧٨.

(٦) في ت: "تبشيره".

(٧) في ت: "علمنا".

(٨) في ت، أ: "والاستقرار".

(٩) في ت: "فذهب".

ج4 · ص333

حَنِيذ: [وهو] (١) مَشْوي [شيًا ناضجًا] (٢) على الرّضْف، وهي الحجارة المُحْماة.

هذا معنى ما روي عن ابن عباس [ومجاهد] (٣) وقتادة [والضحاك، والسدي] (٤) وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: ٢٦، ٢٧].

وقد تضمَّنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة.

وقوله: (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) تَنَكرهم، (وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه؛ فلهذا رأى حالهم معرضين (٥) عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نَكرهم، (وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً).

قال السدّي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط (٦) أقبلت تمشي في صُور رجال شبان (٧) حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم [إبراهيم] (٨) أجَلَّهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فذبحه ثم شواه في الرضف (٩). [فهو الحنيذ حين شواه] (١٠) وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم (١١) فذلك حين يقول: "وامرأته قائمة وهو جالس" في قراءة ابن مسعود: "فلما قَربه إليهم قال ألا تأكلون قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن. قال فإن لهذا ثمنا. قالوا (١٢) وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله، وتحمدونه على آخره فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُق لهذا أن يتخذه ربه خليلا"، (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ) يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم، وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه (١٣) سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبا لأضيافنا هؤلاء، [إنا] (١٤) نخدمهم بأنفسنا كرامة (١٥) لهم، وهم لا يأكلون طعامنا.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، [حدثنا] (١٦) نوح بن قيس، عن عثمان بن مِحْصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل. قال نوح بن قيس: فزعم نوح بن أبي شداد أنهم لما دخلوا على إبراهيم، فقرب إليهم العجل، مسحه جبريل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه، وأم العجل في الدار.

وقوله تعالى إخبارا عن الملائكة: (قَالُوا لا تَخَفْ [إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ]) (١٧) أي قالوا: لا تخف منا، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم (١٨). فضحكت (١٩) سارة استبشارًا [منها] (٢٠) بهلاكهم، لكثرة فسادهم، وغِلَظ كفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) في ت، أ: "معرضا".

(٦) في ت، أ: "الملائكة لمهلك قوم لوط".

(٧) في ت، أ: "شباب".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) في ت: "الرصف".

(١٠) زيادة من ت، أ.

(١١) في ت، أ: "عليهم".

(١٢) في ت: "قال".

(١٣) في ت: "إليهم".

(١٤) زيادة من ت، أ.

(١٥) في ت: "تكرمة".

(١٦) زيادة من ت، أ.

(١٧) زيادة من ت، أ.

(١٨) في ت: "إلى قوم لوط لندمر عليهم ونهلكهم كما ذكر في الآية الأخرى".

(١٩) في ت: "وضحكت".

(٢٠) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص334

بالولد بعد الإياس.

وقال قتادة: ضحكت [امرأته] (١) وعجبت [من] (٢) أن قوما يأتيهم (٣) العذاب وهم في غفلة [فضحكت من ذلك وعجبت فبشرناها بإسحاق].

وقوله: (وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) قال العوفي، عن ابن عباس: (فَضَحِكَتْ) أي: حاضت.

وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط، وقول الكلبي إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم -ضعيفان جدا، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم.

وقال وهب بن مُنَبِّه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق. وهذا مخالف لهذا السياق، فإن البشارة صريحة مُرتبة على.

(فَبَشَّرْنَاهَا (٤) بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل؛ فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].

ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية، على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل (٥) صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده. ووعد الله حق لا خُلْفَ فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.

﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾

(قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ]) (٦) حكى قولها في هذه الآية، كما حكى فعلها في الآية الأخرى، فإنها: (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) وفي الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب. (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي: قالت الملائكة لها، لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئًا أن (٧) يقول له: "كن" فيكون، فلا تعجبي من هذا، وإن كنت عجوزا [كبيرة] (٨) عقيما، وبعلك [وهو زوجها الخليل ﵇، وإن كان] (٩) شيخا كبيرا، فإن الله على ما يشاء قدير.

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في ت: "أتاهم".

(٤) في ت: "فبشرت".

(٥) في ت: "غلام".

(٦) زيادة من ت، أ، وفي هـ "الآية".

(٧) في ت: "إنما".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص335

(رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود، ممجد في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على [إبراهيم و] (١) آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٢).

﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾

يخبر تعالى عن [خليله] (٣) إبراهيم، ﵇، أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوْجَس من الملائكة خيفة، حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد [وطابت نفسه] (٤) وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول كما قال (٥) [عنه] (٦) سعيد بن جبير في الآية (٧) قال: لما جاءه جبريل ومن معه، قالوا له (٨) ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ]﴾ [العنكبوت: ٣١]، (٩) قال لهم [إبراهيم] (١٠) أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا. قال: ثلاثون؟ قالوا لا حتى بلغ خمسة قالوا: لا. قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ﴾ الآية [العنكبوت: ٣٢]، فسكت عنهم واطمأنت نفسه.

وقال قتادة وغيره قريبا من هذا -زاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب، قالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا [لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ]﴾ [العنكبوت: ٣٢]. (١١)

وقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) مدح (١٢) إبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها [في سورة براءة] (١٣).

وقوله: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ]) (١٤)

(١) زيادة من ت، والبخاري.

(٢) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧) وصحيح مسلم برقم (٤٠٦) من حديث كعب بن عجرة، ﵁.

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) في ت: "قاله".

(٦) زيادة من ت.

(٧) في ت، أ: "في قوله: يجادلنا في قوم لوط".

(٨) في أ: "فقالوا لإبراهيم".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) زيادة من ت.

(١١) زيادة من ت، أ. وفي هـ: "الآية".

(١٢) في ت، أ: "مدح له".

(١٣) زيادة من ت، أ.

(١٤) زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".

ج4 · ص336

أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحَقَّت عليهم الكلمة بالهلاك، وحلول البأس الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾

يخبر تعالى عن قُدوم رسله من الملائكة (١) بعد ما أعلموا (٢) إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة. فانطلقوا من عنده، فأتوا لوطا (٣) ﵇، وهو -على ما (٤) قيل -في أرض له [يعمرها] (٥) وقيل: [بل كان] (٦) في منزله، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون، على هيئة شبان (٧) حسان الوجوه، ابتلاء من الله [واختبارا] (٨) وله الحكمة والحجة البالغة، [فنزلوا عليه] (٩) فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يُضِفْهم (١٠) أن يضيفهم أحد من قومه، فينالهم بسوء، (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ).

قال ابن عباس [ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق] (١١) وغير واحد [من الأئمة] (١٢) شديد بلاؤه وذلك أنه علم أنه سيدافع [قومه] (١٣) عنهم، ويشق عليه ذلك.

وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له [يعمل فيها] (١٤) فتضيّفوه (١٥) فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال (١٦) لهم في أثناء الطريق، كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم، حتى كرره أربع مرات قال قتادة: وقد كانوا أمروا ألا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.

وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية (١٧) لوط (١٨) فبلغوا (١٩) نهر سدون نصف النهار، ولقوا بنت (٢٠) لوط تستقي [من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى رثيا والصغرى زغرتا] (٢١) فقالوا [لها] (٢٢) يا جارية، هل من منزل؟ فقالت [لهم] (٢٣) مكانكم حتى آتيكم، وفَرقت عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، أدرك فتيانا على باب المدينة، ما رأيت

(١) في ت، أ: "من الملائكة الذين فارقوا إبراهيم الخليل ﵇ بعد".

(٢) في ت، أ: "أعلموه".

(٣) في ت: "فأتوا على لوط"، وفي أ: "فأتوا لوط".

(٤) في ت، أ: "وهو فيما".

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت، أ: "شباب".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في ت، أ: "يضيفهم".

(١١) زيادة من ت، أ.

(١٢) زيادة من ت، أ.

(١٣) زيادة من ت، أ.

(١٤) زيادة من ت، أ.

(١٥) في ت، أ: "فيضيفوه".

(١٦) في ت، أ: "فقال".

(١٧) في ت: "قوم".

(١٨) في ت، أ: "لوط فأتوها نصف النهار، فبلغوا".

(١٩) في ت، أ: "فلما بلغوا".

(٢٠) في ت، أ: "ابنة".

(٢١) زيادة من ت، أ.

(٢٢) زيادة من ت، أ.

(٢٣) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص337

وجوه قوم [هي] (١) أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم، و[قد] (٢) كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فقالوا: خل عنا فلْنُضِف (٣) الرجال. فجاء بهم، فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته (٤) فخرجت امرأته فأخبرت قومها [فقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط] (٥)، فجاءوا (٦) يهرعون إليه.

وقوله: (يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) أي: يسرعون ويهرولون [في مشيتهم ويجمرون] (٧) من فرحهم بذلك [وروي في هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وشمر بن عطية وسفيان بن عيينة] (٨).

وقوله: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: لم يزل هذا من سجيتهم [إلى وقت آخر] (٩) حتى أخذوا وهم على ذلك الحال.

وقوله: (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد [للرجال والنساء] (١٠)، فأرشدهم إلى ما هو أنفع (١١) لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، وقوله في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أي: ألم (١٢) ننهك عن ضيافة الرجال ﴿قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧١، ٧٢]، وقال في هذه الآية الكريمة: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) قال (١٣) مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمَّتِهِ، وكل نبي أبو أمَّتِه.

وكذا روي عن قتادة، وغير واحد.

وقال ابن جُرَيْج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحا.

وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم، هن بَنَاته، وهو أب لهم (١٤) ويقال في بعض القراءات (١٥) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم.

وكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.

وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم (١٦)، (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) أي: [ليس منكم رجل] (١٧) فيه خير، يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في ت، أ: "فلنضيف".

(٤) في ت، أ: "بيت لوط".

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) في ت، أ: "فجاءه قومه".

(٧) زيادة من ت، أ.

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) زيادة من ت، أ.

(١١) في ت: "الأنفع".

(١٢) في ت، أ: "أو لم".

(١٣) في ت، أ: "وقال".

(١٤) في ت، أ: "هن بناته هو نبيهم".

(١٥) في ت، أ: "القراءة".

(١٦) في ت، أ: "أي اقبلوا ما آمركم به من إتيانكم نساءكم واقتصاركم عليهن وترككم الفواحش من إتيان الذكران من العالمين".

(١٧) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص338

عنه؟

(قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) أي: إنك تعلم (١) أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن، (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور، وأنت تعلم ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟

قال السدي: (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) إنما نريد الرجال.

﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾

يقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط، ﵇: إن لوطا توعدهم بقوله (٢): (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ]) (٣) أي: لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل [من العذاب والنقمة وإحلال البأس بكم] (٤) بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في الحديث، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "رحمة الله على لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد -يعني: الله ﷿ -فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه" (٥).

[وروي من حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا ومن حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به، ومن حديث ابن لهيعة عن أبي يونس سمع أبا هريرة به وأرسله الحسن وقتادة] (٦).

فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم (٧) رُسل الله إليه، و[وبشروه] (٨) أنهم لا وصول لهم إليه [ولا خلوص] (٩) (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتَّبع أدبارهم، أي: يكون ساقة لأهله، (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أي: إذا سمعت (١٠) ما نزل بهم، ولا تهولنَّكم (١١) تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين [كما أنتم] (١٢).

(إِلا امْرَأَتَكَ) قال الأكثرون: هو استثناء من المثبت (١٣) وهو قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) تقديره (إِلا امْرَأَتَكَ) وكذلك قرأها ابن مسعود ونصب هؤلاء امرأتك؛ لأنه من مثبت (١٤)،

(١) في ت، أ: "لتعلم".

(٢) في ت، أ: "﵇ إنه توعدهم بهذا الكلام وهو قوله".

(٣) زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) رواه الترمذي في السنن برقم (٣١١٦) من طريق الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو به، ورواه عن طريق عبدة وعبد الرحيم عن محمد بن عمرو ونحو حديث الفضل بن موسى، وقال الترمذي: "وهذا - أي الطريق الثاني - أصح من رواية الفضل بن موسى وهذا حديث حسن".

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت: "بأنهم".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في ت، أ: "إذا سمعتم".

(١١) في ت: "ولاتهيلنكم".

(١٢) زيادة من ت، أ.

(١٣) في ت: "من المبيت".

(١٤) في ت: "من مبيت".

ج4 · ص339

فوجب نصبه عندهم.

وقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ) فجَّوزوا الرفع والنصب، وذكر هؤلاء [وغيرهم من الإسرائيليات] (١) أنها خرجت معهم، وأنها لما سمعت الوَجْبَة التفتت وقالت (٢) واقوماه. فجاءها حجر من السماء فقتلها (٣).

ثم قربوا له هلاك قومه تبشيرًا له؛ لأنه قال لهم: "أهلكوهم الساعة"، فقالوا: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) هذا وقومُ لُوطِ وقُوف على الباب وعُكوف قد جاءوا يُهرعون إليه من كل جانب، ولوط واقف على (٤) الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل، ﵇، فضرب وجوههم بجناحه، فطمس أعينهم، فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * [وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ]﴾ [القمر: ٣٧ - ٣٩] (٥).

وقال مَعْمَر، عن قتادة، عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم، ﵇، يأتي (٦) قوم لوط، فيقول: أنَهاكم (٧) الله أن تَعَرّضوا لعقوبته؟ فلم يطيعوه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله [لمحل عذابهم وسطوات الرب بهم قال] (٨) انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة فقالوا: إنا ضيوفك (٩) الليلة، وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يُعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شَهادات فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشر [والدواهي العظام] (١٠)، فمشى معهم ساعة، ثم التفت إليهم فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرا منهم. أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم [من] (١١) أشر خلق الله، فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوها (١٢) هذه واحدة. ثم مشى معهم ساعة، فلما توسط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم، إن قومي أشر خلق الله. فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوا، هاتان اثنتان، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال (١٣) إن قومي أشر من خلق الله؟ أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرًا (١٤) منهم. فقال جبريل للملائكة: احفظوا، هذه ثلاث، قد حق العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوز السوء فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يُهرَعون سراعا، قالوا: ما عندك؟ قالت: ضَيَّف لوطًا قوم (١٥) ما رأيت قط أحسن وجوها منهم، ولا أطيب ريحًا منهم. فهُرعوا يسارعون إلى الباب، فعالجهم لوط على الباب، فدافعوه طويلا هو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: (هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) فقام

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في ت: "فقالت".

(٣) في ت: "فقتلتها".

(٤) في ت، أ: "في".

(٥) زيادة من ت، أ، وفي هـ: "الآية".

(٦) في ت، أ: "يأتيهم يعني".

(٧) في ت، أ: "أنهاكم الله عنه".

(٨) زيادة من ت، أ، والطبري.

(٩) في ت: "مضيفوك".

(١٠) زيادة، ت، أ.

(١١) زيادة من ت، أ.

(١٢) في ت، أ: "احفظوا".

(١٣) في ت: "وقال".

(١٤) في ت، أ: "أشر".

(١٥) في ت، أ: "الليلة\".

ج4 · ص340

الملك فَلَزّ (١) بالباب -يقول فسده (٢) -واستأذن جبريل في عقوبتهم، فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه. ولجبريل جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى الجبين، ورأسه حُبُكٌ حُبُك مثل المرجان وهو اللؤلؤ، كأنه الثلج، ورجلاه إلى الخضرة. فقال يا لوط: (إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ) امض يا لوط عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب، فخرج إليهم، فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربة شدخ أعينهم، فصاروا عُمْيًا لا يعرفون الطريق [ولا يهتدون بيوتهم] (٣) ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) (٤).

وروي عن محمد بن كعب [القرظي] (٥) وقتادة، والسدي نحو هذا.

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾

يقول تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) وكان ذلك عند طلوع الشمس، (جَعَلْنَا عَالِيَهَا) وهي [قريتهم العظيمة وهي] (٦) سَدُوم [ومعاملتها] (٧) (سَافِلَهَا) كقوله (٨) ﴿[وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى] * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٣، ٥٤] (٩) أي: أمطرنا (١٠) عليها حجارة من "سجيل" وهي بالفارسية: حجارة من طين، قاله ابن عباس وغيره.

وقال بعضهم: أي من "سنك" وهو الحجر، و"كل" (١١) وهو الطين، وقد قال في الآية الأخرى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] أي: مستحجرة قوية شديدة. وقال بعضهم: مشوية، [وقال بعضهم: مطبوخة قوية صلبة] (١٢) وقال البخاري. "سِجيل": الشديد الكبير. سجيل وسجين واحد، اللام والنون أختان، وقال تميم بن مُقبِل:

وَرَجْلَةٍ يَضْربُون البَيْضَ ضَاحِيةٌ … ضَرْبًا تواصَت به الأبطال (١٣) سِجّينا (١٤)

وقوله: (مَنْضُودٍ) قال بعضهم: منضودة في السماء، أي: معدة لذلك.

وقال آخرون: (مَنْضُودٍ) أي: يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم.

وقوله: (مُسَوَّمَةً) أي مُعْلمَة مختومة، عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه.

(١) في أ: "فكن".

(٢) في ت: "فشده"، وفي أ: "نسده".

(٣) زيادة من ت، أ، والطبري.

(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٥/ ٤٢٩).

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) زيادة من ت، أ.

(٨) في ت: "كما قال تعالى".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في ت، أ: "أمطر".

(١١) في ت: "وحل"، وفي أ: "وجيل".

(١٢) زيادة من ت، أ.

(١٣) في أ: "الأباطيل".

(١٤) صحيح البخاري (٨/ ٣٥٢) "فتح".

ج4 · ص341

وقال قتادة وعِكْرِمة: (مُسَوَّمَةً) [أي] (١) مُطَوّقة، بها نَضْحٌ من حُمّرٍة.

وذكروا أنها نزلت على أهل البلد، وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند (٢) الناس يتحدّث، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس، فدّمره، فتتبعهم (٣) الحجارة من سائر البلاد، حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد.

وقال مجاهد: أخذ جبريلُ قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نُباح كلابهم ثم أكفأهم (٤) [وقال] (٥) وكان حملهم على خوافي (٦) جناحه الأيمن. قال: ولما قلبها كان أول ما سقط منها شُذانها (٧).

وقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة (٨) القرية الوسطى، ثم ألوَى بها إلى جو السماء، حتى سمع أهل السماء (٩) ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض، ثم أتبع شُذّاذ القوم سُخْرًا (١٠) -قال: وذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى، في كل قرية مائة ألف -وفي رواية: [كانوا] (١١) ثلاث قرى، الكبرى منها سَدُوم. قال: وبلغنا أن إبراهيم، ﵇، كان يشرف على سدوم، ويقول: سدوم، يومٌ، ما لَك؟.

وفي رواية عن قتادة وغيره: بلغنا أن جبريل ﵇، لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قُصُورها ودوابها وحجارتها وشجرها، وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها، فأرسلها إلى الأرض منكوسة، وَدَمْدَم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل.

وقال محمد بن كعب القُرَظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات: "سدوم"، وهي العظمى، و"صعبة" (١٢) و"صعوة" و"عثرة" (١٣) و"دوما"، احتملها جبريل بجناحه، ثم صعد بها، حتى إنّ أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها، وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (١٤) فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات.

وقال السدي: لما أصبح قوم لوط، نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في ت، أ: "بين".

(٣) في ت: "فيتبعهم".

(٤) في ت، أ: "أكفأها".

(٥) زيادة من ت.

(٦) في ت، أ: "حوافي".

(٧) في ت: "شرفاتها".

(٨) في ت: "بعزوة".

(٩) في ت، أ: "سمع الملائكة".

(١٠) في ت، أ: "صخرا".

(١١) زيادة من ت، أ.

(١٢) في ت، أ: "صبعة".

(١٣) في ت، أ: "وعمرة".

(١٤) في ت، أ: "فجعلنا".

ج4 · ص342

قوله (١) ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، ومن لم يمت حين سقط للأرض، أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله (٢) ﷿: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: في القرى حجارة من سجيل. هكذا قال السدي.

وقوله: (وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) أي: وما هذه النقمة ممن تَشَبَّه بهم في ظلمهم، ببعيد (٣) عنه.

وقد ورد في الحديث المروي في السنن (٤) عن ابن عباس مرفوعًا (٥) " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٦).

وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل، سواء كان محصنًا أو غير (٧) محصن، عملا بهذا الحديث.

وذهب الإمام أبو حنيفة [﵀ إلى] (٨) أنه يلقى من شاهق، ويُتبَع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط، والله ﷾ أعلم بالصواب.

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾

يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين -وهم قبيلة من العرب، كانوا يسكنون بين الحجاز والشام، قريبًا من بلاد معان، في بلد يعرف بهم، يقال لها "مدين" فأرسل الله إليهم شعيبا، وكان من أشرفهم (٩) نسبًا. ولهذا قال: (أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده، وينهاهم عن التطفيف (١٠) في المكيال والميزان (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) أي: في معيشتكم ورزقكم فأخاف أن تُسلَبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله، (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) (١١) أي: في الدار الآخرة.

(١) في ت، أ: "فذلك حين يقول".

(٢) في ت، أ: "قول الله".

(٣) في ت: "ببعد".

(٤) في ت، أ: "في السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة".

(٥) في ت، أ: "عن رسول الله ﷺ أنه قال".

(٦) سنن أبي داود برقم (٤٤٦٢) وسنن الترمذي برقم (١٤٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٦١)، وقال الترمذي: "وإنما يعرف هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ من هذا الوجه، وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال: "ملعون من عمل عمل قوم لوط" ولم يذكر فيه القتل وذكر فيه: "ملعون من أتى بهيمة".

(٧) في ت، أ: "أو لم يكن محصنا".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) في ت، أ: "أشرافهم".

(١٠) في أ: "الطفيف".

(١١) في ت: "عظيم".

ج4 · ص343

﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾

ينهاهم (١) أولا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العيث (٢) في الأرض بالفساد، وقد كانوا يقطعون الطريق.

وقوله: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) قال ابن عباس: رزق الله خَيْر لكم.

وقال الحسن: رزق الله خير [لكم] (٣) من بخسكم الناس.

وقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم.

وقال مجاهد: طاعة الله [خير لكم] (٤).

وقال قتادة: حظكم من الله خير لكم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "الهلاك" في العذاب، و"البقية" في الرحمة.

وقال أبو جعفر بن جرير: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: ما يفضُل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان (خَيْرٌ لَكُمْ) أي: من أخذ أموال الناس قال: وقد روي هذا عن ابن عباس.

قلت: ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].

وقوله: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله ﷿. لا تفعلوه (٥) ليراكم الناس، بل لله ﷿.

﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾

يقولون له على سبيل التهكم، قَبَّحهم الله: (أَصَلاتُكَ) (٦)، قال الأعمش: أي: قرآنك (٧) (تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) أي: الأوثان والأصنام، (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) فنترك التطفيف (٨) على قولك، هي أموالنا نفعل فيها ما نريد.

[قال الحسن] (٩) في قوله: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) (١٠) إيْ والله، إن صلاته

(١) في ت، أ: "نهاهم".

(٢) في ت: "العيب".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) في ت، "لا تفعلوا".

(٦) في ت: "أصلواتك".

(٧) في أ: "قراءتك".

(٨) في أ: "الطفيف".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في ت: "أصلواتك".

ج4 · ص344

لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم.

وقال الثوري في قوله: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) يعنون الزكاة.

وقولهم: (إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) قال ابن عباس، وميمون بن مِهْرَان، وابن جُرَيْج، وابن أسلم، وابن جرير: يقولون ذلك -أعداء الله -على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته، وقد فَعَلْ.

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾

يقول لهم أرأيتم يا قوم (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي: على بصيرة فيما أدعو إليه، (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) قيل: أراد النبوة. وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين.

وقال الثوري: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) أي: لا أنهاكم عن شيء (١) وأخالف أنا في السر فأفعله خفية (٢) عنكم، كما قال قتادة في قوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأركَبَه (٣) (إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما مرادي إصلاحكم جهدي وطاقتي، (وَمَا تَوْفِيقِي) أي: في إصابة الحق فيما أريده (إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) في جميع أموري، (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) أي: أرجع، قاله مجاهد وغيره.

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قَزْعَةَ سُوَيد بن حُجَير (٤) الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه: أن أخاه مالكًا قال: يا معاوية، إن محمدًا أخذ جيراني، فانطَلق إليه، فإنه قد كلمك وعرفك، فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني، فقد كانوا أسلموا. فأعرض عنه. [فقام مُتَمَعطًا] (٥) فقال: أما والله لئن فَعلتَ إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. وجعلت أجرّه وهو يتكلم، فقال رسول الله ﷺ "ما تقول؟ " فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك. إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: "أوَ قد قالوها -أو قائلهم -ولئن فعلت ذلك ما ذاك إلا عليّ، وما عليهم من ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه" (٦).

وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن بَهْز (٧) بن حكيم، عن أبيه، عن جده

(١) في ت، أ: "الشيء".

(٢) في ت: "خيفة".

(٣) في أ: "وأرتكبه".

(٤) في ت: "ابن حجر".

(٥) زيادة من ت، أ، والمسند.،

(٦) المسند (٤/ ٤٤٧).

(٧) في ت، أ: "شهر".

ج4 · ص345

قال: أخذ النبي ﷺ ناسًا من قومي في تُهَمة فحبسهم، فجاء رجل من قومي إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقال: يا محمد، علام تحبس جيرتي؟ فصَمت رسول الله ﷺ [عنه] (١) فقال: إن ناسًا ليقولون: إنك تنهى عن الشيء وتستخلي به، فقال النبي ﷺ: "ما يقول؟ " قال: فجعلت أعرض بينهما الكلام مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دَعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل رسول الله ﷺ به حتى فهمها، فقال: "أو قد قالوها -أو: قائلها منهم -والله لو فعلتُ لكان عليّ وما كان عليهم، خلوا له عن جيرانه" (٢).

ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله ﷺ: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تُنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه" (٣).

هذا (٤) إسناد صحيح، وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم، افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل: اللهم، إني أسألك من فضلك" (٥).

ومعناه -والله أعلم -: مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ [عَنْهُ]) (٦).

وقال قتادة، عن عَزْرَة (٧) عن الحسن العُرَني، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق، أن امرأة جاءت ابن مسعود قالت (٨) أتنهى عن الواصلة؟ قال: نعم. فقالت [المرأة] (٩) فلعله في بعض نسائك؟ فقال: ما حفظت إذا وصية العبد الصالح: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ).

وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن أبي سليمان العتبي (١٠) قال: كانت تجيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها: وما كانت (١١) من ذلك إلا كما قال العبد الصالح: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).

(١) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٢) المسند (٥/ ٢) ورواه أبو داود في السنن برقم (٣٦٣٠) عن عبد الرزاق والترمذي في السنن برقم (١٤١٧) عن ابن المبارك كلاهما من طريق معمر به مختصرا جدا، وقال الترمذي: "حديث بهز عن أبيه عن جده حديث حسن".

(٣) المسند (٣/ ٤٩٧).

(٤) في ت، أ: "وهذا".

(٥) صحيح مسلم برقم (٧١٣).

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت، أ: "عروة".

(٨) في ت: "فقالت".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) في ت، أ: "الضبي".

(١١) في ت: "وما كنت"، وفي أ: "وما كتب".

ج4 · ص346

﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾

يقول لهم: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي) أي: لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط من النقمة والعذاب.

قال قتادة: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي) يقول: لا يحملنكم فراقي.

وقال السدي: عداوتي، على أن تتمادوا في الضلال والكفر، فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا ابن أبي غَنيَّة، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته، وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان؛ إذ أشرف علينا من داره فقال: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ) يا قوم، لا تقتلوني، إنكم إن تقتلوني كنتم هكذا، وشَبَّك بين أصابعه.

وقوله: (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) [قيل: المراد في الزمان، كما قال قتادة في قوله: (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) يعني] (١) إنما أهلكوا (٢) بين أيديكم بالأمس، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران، (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي: استغفروه من سالف الذنوب، وتوبوا فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) أي: لمن تاب وأناب.

﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾

يقولون: (يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) أي: ما نفهم ولا نعقل كثيرًا من قولك، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب. (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا).

قال (٣) سعيد بن جبير، والثوري: كان ضرير البصر. قال الثوري: وكان يقال له: خطيب الأنبياء.

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) في ت: "هلكوا".

(٣) في ت: "وقال".