سورة يونس

ซูเราะฮ์ที่ 10 · ตอน 4/4 · เล่ม 4 หน้า 290–301

ج4 · ص290

فرعون أن يقتلوا (١) في الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرًا. وكذا قال قتادة، والضحاك.

وقال سعيد بن جبير: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي: يقابل بعضها بعضا.

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٨٨)﴾

هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى، ﵇، على فرعون وَمَلَئه، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين، ظلما وعلوا وتكبرًا وعتوا، قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً) أي: من أثاث الدنيا ومتاعها، (وأموالا) أي: جزيلة كثيرة، (فِي) هذه (الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) -بفتح الياء -أي: أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجا منك لهم، كما قال تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

وقرأ آخرون: (لِيُضِلُّوا) بضم الياء، أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، ليظن من أغويته أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا لحبك إياهم (٢) واعتنائك بهم.

(رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) قال ابن عباس، ومجاهد: أي: أهلكها. وقال الضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت.

وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة.

وقال محمد بن كعب القُرَظي: اجعل (٣) سُكَّرهم حجارة.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، عن أبي مَعْشَر، حدثني محمد بن قيس: أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ) إلى قوله: (اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ) إلى آخرها [فقال له: عمر يا أبا حمزة (٤) أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة] (٥) فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس. [فجاءه بكيس] (٦) فإذا فيه حمص وبيض، قد قطع حول حجارة.

وقوله: (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) قال ابن عباس: أي اطبع عليها، (فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ)

وهذه الدعوة كانت من موسى، ﵇، غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه، الذين تبين له

(١) في ت: "أن يصلوا".

(٢) في ت، أ: "لهم".

(٣) في ت: "جعل".

(٤) في ت: "يا أبا جمرة".

(٥) زيادة من ت، أ.

(٦) زيادة من ت، أ.

ج4 · ص291

أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوح، ﵇، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]؛ ولهذا استجاب الله تعالى لموسى، ﵇، فيهم (١) هذه الدعوة، التي أمَّنَ عليها أخوه هارون، فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾

قال أبو العالية، وأبو صالح، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس: دعا موسى وأمَّنَ هارون، أي: قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون.

وقد يحتج بهذه الآية من يقول: "إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة يُنزل منزلة (٢) قراءتها؛ لأن موسى دعا وهارون أمن".

﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾

وقال تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا [وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ]) (٣) أي: كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري.

قال ابن جُرَيْج، عن ابن عباس: (فَاسْتَقِيمَا) فامضيا لأمري، وهي الاستقامة. قال ابن جريج: يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.

وقال محمد بن علي بن الحسين: أربعين يوما.

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾

يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده؛ فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى، ﵇، وهم -فيما قيل -ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القبط حُلِيّا كثيرا، فخرجوا به معهم، فاشتد حَنَق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة، وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر، وأدركهم فرعون، ولم يبق إلا أن يتقاتل (٤) الجمعان، وألح أصحاب موسى، ﵇، عليه في السؤال كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت أن أسلك هاهنا، ﴿كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]

(١) في ت: "فيما".

(٢) في ت: "يتنزل منزلة".

(٣) زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".

(٤) في أ: "أن يتقابل".

ج4 · ص292

فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا، لكل سبط واحد. وأمر الله الريح فنَشَّفت أرضه، ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك، ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا. وجازت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهم بالرجوع، وهيهات ولات حين مناص، نفذ القدر، واستجيبت الدعوة. وجاء جبريل، ﵇، على فرس -وديق حائل -فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها وتقدم جبريل فاقتحم البحر ودخله، فاقْتحم الحصان وراءه، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئا، فتجلد لأمرائه، وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم وميكائيل في ساقتهم، لا يترك أحدا منهم، إلا ألحقه بهم. فلما استوسقوا فيه وتكاملوا، وهم أولهم بالخروج منه، أمر اللهُ القدير البحرَ أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك: (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فآمن حيث لا ينفعه الإيمان، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥].

وهكذا (١) قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) أي: أهذا (٢) الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه؟ (وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) أي: في الأرض الذين أضلوا الناس، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١]

وهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله (٣) ذاك من أسرار الغيب التي (٤) أعلم الله بها رسوله؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل، ﵀:

حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهْران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قال فرعون: (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) قال: قال لي جبريل: [يا محمد] (٥) لو رأيتني وقد أخذت [حالا] (٦) من حال البحر، فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة"

(١) في ت: "ولهذا".

(٢) في ت: "هذا".

(٣) في ت: "حالة".

(٤) في ت، أ: "الذي".

(٥) زيادة من ت، أ، والمسند.

(٦) زيادة من ت، أ، والمسند.

ج4 · ص293

ورواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم، من حديث حماد بن سلمة، به (١) وقال الترمذي: حديث حسن.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي جبريل: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر، فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة". وقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضا، وابن جرير أيضا، من غير وجه، عن شعبة، به (٢) وقال الترمذي: حسن غريب صحيح.

ووقع في رواية عند ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن عطاء وعَدِيّ، عن سعيد، عن ابن عباس، رفعه أحدهما -وكأن (٣) الآخر لم يرفعه، فالله (٤) أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يَعْلَى الثقفي، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: لما أغرق (٥) الله فرعون، أشار بأصبعه ورفع صوته: (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ) (٦) قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه.

وكذا رواه ابن جرير، عن سفيان بن وَكِيع، عن أبي خالد، به موقوفا (٧)

وقد روي من حديث أبي هريرة أيضا، فقال ابن جرير:

حدثنا ابن حميد، حدثنا حَكَّام، عن عَنْبَسة -هو ابن (٨) سعيد -عن كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطّه وأدس من الحال (٩) في فيه، مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له" يعني: فرعون (١٠)

كثير بن زاذان هذا قال ابن مَعِين: لا أعرفه، وقال أبو زُرْعَة وأبو حاتم: مجهول، وباقي رجاله ثقات.

(١) المسند (١/ ٣٠٩) وسنن الترمذي برقم (٣١٠٧).

(٢) سنن الترمذي برقم (٣١٠٨) وتفسير الطبري (١٥/ ١٩٠ - ١٩٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤٠) من طريق النضر بن شميل عن شعبة به، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لأن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس" ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٣٩٢) فذكرت روايات الرفع والوقف.

(٣) في ت، أ: "فكأن".

(٤) في ت، أ: "والله".

(٥) في ت، أ: "لما غرق".

(٦) في ت: "أن لا إله".

(٧) تفسير الطبري (١٥/ ١٩٣) ورواه السرقسطي في غريب الحديث، كما في تخريج الكشاف (٢/ ١٣٨) عن موسى بن هارون، عن يحيى الحماني عن أبي خالد الأحمر به نحوه.

(٨) في ت، أ: "أبو".

(٩) في ت: "الجبال".

(١٠) تفسير الطبري (١٥/ ١٩١) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٣٩٠) من طريق حكام الرازي به.

ج4 · ص294

وقد أرسل هذا الحديث جماعة من السلف: قتادة، وإبراهيم التيمي، وميمون بن مِهْران. ونقل عن الضحاك بن قيس: أنه خطب بهذا للناس، فالله أعلم.

وقوله: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكُّوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده (١) بلا روح، وعليه درعه المعروفة [به] (٢) على نجوة (٣) من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) أي: نرفعك على نَشز (٤) من الأرض، (بِبَدَنِك) قال مجاهد: بجسدك. وقال الحسن: بجسم لا روح فيه. وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا، أي: لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه. وقال أبو صخر: بدرعك (٥)

وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها، كما تقدم، والله أعلم.

وقوله: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أي: لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك، وأن الله (٦) هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء؛ ولهذا قرأ بعض السلف: " لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَقَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ" (٧) أي: لا يتعظون (٨) بها، ولا يعتبرون. وقد كان [إهلاك فرعون وملئه] (٩) يوم عاشوراء، كما قال البخاري:

حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غُنْدَر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينَة، واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي ﷺ لأصحابه: "أنتم أحق بموسى منهم، فصوموه" (١٠)

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾

يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية ف (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) (١١) قيل: هو بلاد مصر والشام، مما يلي بيت المقدس ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩] (١٢) ولكن

(١) في ت، أ: "بجسده سويا".

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في ت: "نحوه".

(٤) في ت: "يرفعك على بشر".

(٥) في ت: "تذرعك".

(٦) في ت: "وأنه تعالى".

(٧) في ت: "الغافلون".

(٨) في ت: "يتعضون".

(٩) زيادة من ت، أ.

(١٠) صحيح البخاري برقم (٤٦٨٠).

(١١) في ت: "فالمبوأ".

(١٢) في ت، أ: "كم تركوا من جنات وعيون وزروع".

ج4 · ص295

استمروا مع موسى، ﵇، طالبين إلى بلاد بيت المقدس [وهي بلاد الخليل ﵇ فاستمر موسى بمن معه طالبا بيت المقدس] (١) وكان فيه قوم من العمالقة، [فنكل بنو إسرائيل عن قتال العمالقة] (٢) فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه (٣) هارون، ثم، موسى، ﵉، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم (٤) مدة طويلة، وبعث الله عيسى ابن مريم، ﵇، في تلك المدة، فاستعانت اليهود -قبحهم (٥) الله -على معاداة عيسى، ﵇، بملوك اليونان، وكانت تحت أحكامهم، ووشوا عندهم، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا فبعثوا (٦) من يقبض عليه، فرفعه الله إليه، وشُبّه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره (٧) فأخذوه فصلبوه، واعتقدوا أنه هو، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] ثم بعد المسيح، ﵇ بنحو [من] (٨) ثلاثمائة سنة، دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان -في دين النصرانية، وكان فيلسوفا قبل ذلك. فدخل في دين النصارى قيل: تقية، وقيل: حيلة ليفسده، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة وبدعًا أحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبيَع الكبار والصغار، والصوامع والهياكل، والمعابد، والقلايات. وانتشر دين النصرانية (٩) في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف، ووضع وكذب، ومخالفة لدين المسيح. ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامه والقفار، واستحوذت يدُ النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم، وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية، والقُمَامة، وبيت لحم، وكنائس [بلاد] (١٠) بيت المقدس، ومدن حَوْران كبُصرى وغيرها من البلدان بنايات هائلة محكمة، وعبدوا الصليب من حينئذ، وصلوا إلى الشرق، وصوروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من (١١) الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانة الحقيرة، التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين،

وبسط هذا يطول.

والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها (١٢) منهم الصحابة، ﵃، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، ولله الحمد والمنة.

وقوله: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) أي: الحلال، من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا.

وقوله: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي: ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس. وقد ورد في

(١) زيادة من ت، أ.

(٢) زيادة من ت، أ.

(٣) في ت، أ: "في أثنائها".

(٤) في أ: "حكامهم".

(٥) في أ: "لعنهم".

(٦) في ت: "فعثوا".

(٧) في أ: "وقدرته".

(٨) زيادة من ت، أ.

(٩) في أ: "النصارى".

(١٠) زيادة من ت، أ.

(١١) في أ: "في".

(١٢) في ت: "انتزعتها".

ج4 · ص296

الحديث: أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: من هم (١) يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي".

رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ، وهو في السنن والمسانيد (٢) ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ) أي: يفصل بينهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)

﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٩٧)﴾

قال قتادة بن دِعَامة: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا أشك ولا أسأل" (٣)

وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وهذا فيه تثبيت (٤) للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة (٥) في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]. ثم مع هذا العلم يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ) أي: لا يؤمنون إيمانا ينفعهم، بل حين لا ينفع نفسًا إيمانها؛ ولهذا لما دعا موسى، ﵇، على فرعون وملئه قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] ثم قال تعالى:

﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾

(١) في ت: "من هو".

(٢) المستدرك (١/ ١٢٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وجاء من حديث معاوية وأنس وعوف بن مالك قال العراقي: "أسانيدها جياد".

(٣) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١٥/ ٢٠٢) عن معمر عن قتادة به مرسلا.

(٤) في ت: "تتبيت".

(٥) في ت، أ: "صلوات الله وسلامه عليه موجود".

ج4 · ص297

يقول تعالى: فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه، أو أكثرهم كما قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]، ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (١) (٢) وفي الحديث الصحيح: "عرض علي الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي معه الرجل والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد" (٣) ثم ذكر كثرة أتباع موسى، ﵇، ثم ذكر كثرة أمته، صلوات الله وسلامه عليه، كثرة سدت الخافقين الشرقي (٤) والغربي.

والغرض أنه لم توجد (٥) قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى، إلا قوم يونس، وهم أهل نِينَوى، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به، وتضرعوا (٦) لديه. واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم. فعندها ﵏، وكشف عنهم العذاب وأخروا، كما قال تعالى: (إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ).

واختلف المفسرون: هل كُشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين، أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا، كما هو مقيد في هذه الآية. والقول الثاني فيهما لقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٧، ١٤٨] فأطلق عليهم الإيمان، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي، وهذا هو الظاهر، والله أعلم.

قال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، فتركت، إلا قوم يونس، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفَرّقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عَجّوا إلى الله أربعين ليلة. فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم -قال قتادة: وذكر أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل.

وكذا روي عن ابن مسعود، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف، وكان ابن مسعود يقرؤها: "فَهَلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ".

(١) في ت: "وما أرسلنا في قرية من نبي".

(٢) في ت: "مهتدون" وهو خطأ.

(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٧٥٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٢٠) من حديث عبد الله بن عباس ﵁.

(٤) في ت، أ: "والشرقي".

(٥) في ت: "يوجد".

(٦) في ت، أ: "وضرعوا".

ج4 · ص298

وقال أبو عمران، عن أبي الجَلْد قال: لما نزل بهم (١) العذاب، جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا: علمنا دعاء ندعوا به، لعل الله يكشف (٢) عنا العذاب، فقال: قولوا: يا حيّ حين لا حيّ، يا محيي الموتى (٣) لا إله إلا أنت. قال: فكشف عنهم العذاب.

وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾

يقول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ) -يا محمد -لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به، فآمنوا كلّهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]؛ ولهذا قال تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) أي: تلزمهم وتلجئهم (حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي: ليس ذلك عليك ولا إليك، بل [إلى] (٤) الله ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ) (٥) وهو الخبال (٦) والضلال، (عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) أي: حججَ الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك، في هداية من هدى، وإضلال من ضل.

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾

(١) في ت: "لما نزل بقوم يونس".

(٢) في ت: "أن يكشف".

(٣) في ت: "يا محيي الموتى يا حي".

(٤) زيادة من ت.

(٥) في ت: "يؤمن".

(٦) في ت: "الجبال".

ج4 · ص299

يرشدُ تعالى عباده إلى التفكر في آلائه (١) وما خلق في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات (٢) من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير، وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دوابّ مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول (٣) وقفار وعمران وخراب. وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] (٤) مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

وقوله: (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) أي: وأي شيء تُجدي الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها، عن قوم لا يؤمنون، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].

وقوله: (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، (قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) (٥) أي: ونهلك المكذبين بالرسل، (كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) [أي] (٦) حقا: أوجبه تعالى على نفسه الكريمة: كقوله ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] كما جاء في الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت (٧) غضبي" (٨)

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾

يقول تعالى لرسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: قل: يا أيها الناس، إن كنتم في شك من

(١) في أ: "إلى التفكر في الآية لآياته".

(٢) في ت، أ: "السماء".

(٣) في أ: "وهول".

(٤) زيادة من ت، أ.

(٥) في ت: "فإنى".

(٦) زيادة من ت، أ.

(٧) في ت، أ: "تغلب".

(٨) صحيح البخاري برقم (٧٥٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.

ج4 · ص300

صحة ما جئتكم من الدين الحنيف، الذي أوحاه الله إلي، فها أنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم؛ فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله (١) حقا، فأنا لا أعبدها (٢) فادعوها فلتضرني، فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين.

وقوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفا، أي: منحرفا عن الشرك؛ ولهذا قال: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهو معطوف على قوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾

وقوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) إلى آخرها، بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده لا يشاركه (٣) في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده، لا شريك له.

روى الحافظ ابن عساكر، في ترجمة صفوان بن سليم، من طريق عبد الله بن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم" (٤)

ثم رواه من طريق الليث، عن عيسى بن موسى، عن صفوان، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة مرفوعا؛ بمثله سواء (٥)

وقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أيّ ذنب كان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه.

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾

يقول تعالى آمرا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند

(١) في أ: "من دون الله من شيء حقا".

(٢) في ت: "أعبد".

(٣) في ت، "لا يشركه".

(٤) تاريخ دمشق (٨/ ٣٢٨) "المخطوط") ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١١٢١) من طريق عبد الله بن وهب به، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٣٣٩) والبيهقي في شعب الإيمان برقم (١١٢٢) من طريق عمرو بن الربيع بن طاق عن يحيى بن أيوب به نحوه ورمز له السيوطي بالضعف في الجامع.

(٥) تاريخ دمشق (٨/ ٣٢٨ "المخطوط") ورواه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة برقم (٢٧) من طريق رويم بن يزيد عن الليث به مرفوعا، ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١١٢٣) من طريق يحيى بن بكير عن الليث به مرفوعا. وقال البيهقي: "هذا هو المحفوظ دون الأول" والأول حديث أنس.

ج4 · ص301

الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، [ومن ضل عنه (١) فإنما يرجع وبال ذلك عليه (٢)] (٣)

(وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين به، وإنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى.

وقوله: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ) أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه (٤) واصبر على مخالفة من خالفك من الناس، (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ) أي: يفتح بينك وبينهم، (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) أي: خير الفاتحين بعدله (٥) وحكمته.

(١) في ت: "عن ذلك".

(٢) في ت: "على نفسه".

(٣) زيادة من ت، أ.

(٤) في ت، أ: "وأوحاه إليك".

(٥) في ت، أ: "لعدله".