سورة المدثر
ซูเราะฮ์ที่ 74 · เล่ม 8 หน้า 261–274
تفسير سورة المدثر
وهي مكية.
﷽
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾
ثبت في صحيح البخاري [من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة] (١) عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)
وخالفه (٢) الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كما سيأتي [بيان] (٣) ذلك هناك.
قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وَكِيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلتُ له مثل ما قلتَ لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحرَاء، فلما قضيت جواري هبطتُ فنُوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا. فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني. وصبوا علي ماء باردا. قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال: فنزلت (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٤)
هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم (٥) من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجَثَثْتُ (٦) منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) إلى: (فَاهْجُرْ) -
قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان -ثم حَميَ الوحيُ وتَتَابع".
هذا لفظ البخاري (١) وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: "فإذا الملك الذي جاءني (٢) بحراء"، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا حجاج، حدثنا لَيْث، حدثنا عُقَيل، عن ابن شهاب (٣) قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء، فإذا الملك الذي جاءني [بحراء الآن] (٤) قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجُثت (٥) منه فَرَقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) ثم حمي الوحي [بعدُ] (٦) وتتابع". أخرجاه من حديث الزهري، به (٧).
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر (٨) البَجَلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مُلَيْكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا. قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم ليس بشاعر. وقال بعضهم: [بل] (٩) سحر يُؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزنَ وقَنعَ رأسه، وتَدَثَّر، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (١٠).
فقوله (قُمْ فَأَنْذِرْ) أي: شمر عن ساق العزم، وأنذر الناس. وبهذا حصل الإرسال، كما حصل بالأول النبوة.
(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أي: عظم.
وقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال الأجلح الكندي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)
(١) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦).
(٢) في م: "الذي كان".
(٣) في أ: "ابن هشام".
(٤) زيادة من م، أ، والمسند.
(٥) في م: "فجثيت".
(٦) زيادة من المسند.
(٧) المسند (٣/ ٣٢٥)، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦)، وصحيح مسلم برقم (١٦١).
(٨) في أ: الحسن بن بشير".
(٩) زيادة من م.
(١٠) المعجم الكبير للطبراني (١١/ ١٢٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣١): "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".
قال: لا تلبسها (١) على معصية ولا على غَدْرَة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:
فَإني بحمد الله لا ثوبَ فَاجر … لبستُ ولا من غَدْرَة أتَقَنَّعُ (٢)
وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس [في هذه الآية] (٣) (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: في كلام العرب: نَقِي الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب. وكذا قال إبراهيم، الشعبي، وعطاء.
وقال الثوري، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم. وكذا قال إبراهيم النخعي.
وقال (٤) مجاهد: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: نفسك، ليس ثيابه. وفي رواية عنه: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) عملك فأصلح، وكذا قال أبو رَزِين. وقال في رواية أخرى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا.
وقال قتادة: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد الله إنه لَمُدنَس (٥) الثياب. وإذا وفى وأصلح: إنه لمطهر الثياب.
وقال عكرمة، والضحاك: لا تلبسها على معصية.
وقال الشاعر (٦)
إذا المرءُ لم يَدْنَس منَ اللؤم عِرْضُه … فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ
وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [يعني] (٧) لا تك ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية.
وقال محمد بن سيرين: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: اغسلها بالماء.
وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه.
وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس:
أفاطمَ مَهلا بعض هَذا التَدَلُّل … وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي
وَإن تَكُ قَد سَاءتك مني خَليقَةٌ … فَسُلّي ثِيَابي مِن ثيابك تَنْسُلِ (٨)
وقال سعيد بن جبير: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) وقلبك ونيتك فطهر.
وقال محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: وخُلقَك فَحسّن.
وقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَالرُّجْزَ) وهو الأصنام، فاهجر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وابن زيد: إنها الأوثان.
وقال إبراهيم، والضحاك: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) أي: اترك المعصية.
وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبو الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: "ولا تمنن أن تستكثر".
وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال خصيف، عن مجاهد في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال تمنن في كلام العرب: تضعف.
وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضا من الدنيا.
فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم.
وقوله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك ﷿، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله تعالى (١).
وقوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) قال ابن عباس، ومجاهد والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد: (النَّاقُورِ) الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القرن.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مُطَرِّف، عن عطية العوفي، عن ابن عباس: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) فقال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ " فقال أصحاب رسول الله ﷺ: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا".
وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط، به (٢) ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن ابن فضيل
وأسباط، كلاهما عن مطرف، به. ورواه من طريق أخرى، عن العوفي، عن ابن عباس، به (١).
وقوله: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) أي: شديد.
(عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) أي: غير سهل عليهم. كما قال تعالى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨].
وقد روينا عن زُرَارة بن أوفى -قاضي البصرة-: أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) شَهِقَ شهقة، ثم خر ميتا، ﵀ (٢).
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾
يقول تعالى متوعدا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم الله، وبدلها كفرا، وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر. وقد عدد الله عليه نعَمه حيث قال: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله،
(مَالا مَمْدُودًا) أي: واسعًا كثيرًا قيل: ألف دينار. وقيل: مائة ألف دينار. وقيل: أرضا يستغلها. وقيل غير ذلك.
وجعل له (وَبَنِينَ شُهُودًا) قال مجاهد: لا يغيبون، أي: حضورا عنده لا يسافرون في التجارات، بل مَواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويتَمَلَّى بهم. وكانوا -فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر بن قتادة-ثلاثة عشر. وقال ابن عباس، ومجاهد: كانوا عشرة. وهذا أبلغ في النعمة [وهو إقامتهم عنده]. (٣)
(وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا) أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك،
(ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا) أي: معاندا، وهو الكفر على نعمه بعد العلم.
قال الله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله
ﷺ قال: "ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصَّعُود: جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدا".
وقد رواه الترمذي عن عبد بن حُمَيد، عن الحسن بن موسى الأشيب، به (١) ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لَهِيعة عن دراج. كذا قال. وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج (٢) وفيه غرابة ونكارة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة وعلي بن عبد الرحمن -المعروف بعلان المصري (٣) -قال: حدثنا مِنْجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدُّهَنِيّ، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال: "هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت".
ورواه البزار وابن جرير، من حديث شريك، به (٤).
وقال قتادة، عن (٥) ابن عباس: صعود: صخرة [في جهنم] (٦) عظيمة يسحب عليها الكافر على وجهه.
وقال السدي: صعودا: صخرة ملساء في جهنم، يكلف أن يصعدها.
وقال مجاهد: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير.
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾
وقوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ) أي: إنما أرهقناه صعودا، أي: قربناه من العذاب الشاق؛ لبعده عن الإيمان، لأنه فكر وقدر، أي: تَرَوَّى ماذا يقول في القرآن حين سُئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق من المقال، (وَقَدَّرَ) أي: تروى، (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) دعاء عليه،
(ثُمَّ نَظَرَ) أي: أعاد النظرة (٧) والتروي. (ثُمَّ عَبَسَ) أي: قبض بين عينيه وقطب، (وَبَسَرَ) أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحُمَير الشاعر:
وَقَد رَابَني منها صُدُودٌ رَأيتُه … وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُورُها
وقوله: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) أي: صُرف عن الحق، ورجع القهقرى مستكبرا عن الانقياد للقرآن،
(فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره عمن قبله ويحكيه عنهم؛
ولهذا قال: (إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ) أي: ليس بكلام الله.
(١) المسند (٣/ ٧٥)، وسنن الترمذي برقم (٣١٦٤).
(٢) تفسير الطبري (٢٩/ ٩٧).
(٣) في م: "البصري".
(٤) تفسير الطبري (٢٩/ ٩٧)، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠٩) "مجمع البحرين" من طريق منجاب بن الحارث به مرفوعًا. وقال الطبراني: "لم يرفع هذا الحديث عن عمار الدهني إلا شريك، ورواه سفيان بن عيينة عن عمار الدهني فوافقه".
(٥) في م: "وقال".
(٦) زيادة من م.
(٧) في م: "النظر".
وهذا المذكور في هذا السياق هو: الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش -لعنه الله-وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي، عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله (١) عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة. فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذْي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله. فلما سمع بذلك النفرُ من قريش ائتمروا فقالوا: والله لئن صبا الوليد لتصْبُوَنَّ قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه. فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا. فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه. فقال الوليد: أقد (٢) تحدث به عشيرتي؟! فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة، ولا عمر، ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر. فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله: (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ)
وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر. فأنزل الله: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) الآية، (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ) قبض ما بين عينيه وكلح.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، أخبرنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر، عن عَبَّاد بن منصور، عن عكرمة: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له. فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال: لم؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمدًا تَتَعَرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يعلم قومك أنك (٣) منكر لما قال، وأنك كاره له. قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من ذلك. والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى. وقال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: هذا سحر يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدا] (٤) حتى بلغ: (تِسْعَةَ عَشَرَ) (٥)
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوا من هذا. وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه، قبل أن يقدم عليهم وفودُ العرب للحج ليصدّوهُم عنه، فقال قائلون: شاعر. وقال آخرون: ساحر. وقال آخرون: كاهن. وقال آخرون: مجنون. كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٨] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: (إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ)
قال الله ﷿: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) أي: سأغمره فيها من جميع جهاته.
ثم قال (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ)؟ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم.
ثم فسر ذلك بقوله: (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ) أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعَصَبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهما.
وقوله: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) قال مجاهد: أي للجلد، وقال أبو رَزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل. وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها. وقال قتادة: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ) أي: حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان.
وقوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) أي: من مقدمي الزبانية، عظيم خلقهم، غليظ خلقهم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حريث، عن عامر، عن البراء في قوله: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) قال إن رهطا من اليهود سألوا رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم. فقال: الله ورسوله أعلم. فجاء رجل فأخبر النبي ﷺ فنزل عليه ساعتئذ: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فأخبر أصحابه وقال: "ادعهم، أما إني سائلهم عن تُربَة الجنة إن أتوني، أما إنها (١) دَرْمكة بيضاء". فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية، ثم قال: "أخبروني عن تربة الجنة". فقالوا: أخبرهم يا ابن سلام. فقال: كأنها خُبزَة بيضاء. فقال رسول الله ﷺ: "أما إن الخبز إنما يكون من الدّرمَك". (٢)
هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله، كما قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا منده، حدثنا أحمد بن عَبدَة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، غلبَ أصحابك اليوم. فقال: "بأي شيء؟ " قال: سألتهم يَهُود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ. قال رسول الله ﷺ: "أفغلب قوم سُئلوا عما لا يدرون فقالوا: لا ندرى (٣) حتى نسأل نبينا؟ عليَّ بأعداء الله، لكن سألوا (٤) نبيهم أن يريهم الله جهرة". فأرسل إليهم فدعاهم. قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة أهل النار؟ قال: "هكذا"، وطبق كفيه، ثم طبق كفيه، مرتين، وعقد واحدة، وقال لأصحابه: "إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدَّرمك". فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله ﷺ: "ما تربة الجنة؟ " فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم. فقال: "الخبز من الدَّرمك".
وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر، عن سفيان، به (٥) وقال هو والبزار:
لا نعرفه (١) إلا من حديث مجالد. وقد رواه الإمام أحمد، عن علي بن المديني، عن سفيان، فقص الدرمك فقط. (٢)
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾
يقول تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ) أي: خُزَّانها، (إِلا مَلائِكَةً) أي: [زبانية] (٣) غلاظا شدادا. وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم (٤)؟ فقال الله: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً) أي: شديدي الخَلْق لا يقاومون ولا يغالبون. وقد قيل: إن أبا الأشدين -واسمه: كَلَدَة بن أسيد بن خلف-قال: يا معشر قريش، اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر، إعجابا منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه. قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي ﷺ مرارا، فلم يؤمن. قال: وقد نَسَب ابنُ إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (٥).
قلت: ولا منافاة بين ما ذكراه، والله أعلم.
(وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعةَ عشرَ اختبارًا منَّا للناس، (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) أي: يعلمون أن هذا الرسول حق؛ فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله.
(وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) أي: إلى إيمانهم. أي بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ، (وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: من المنافقين (وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا)؟ أي: يقولون: ما الحكمة في ذكر هذا هاهنا؟ قال الله
تعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند آخرين، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.
وقوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ) أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين. ومن تابعهم (١) من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة، التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا (٢) صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها، وهو قوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ)
وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما. عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: "فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم" (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحُقَّ لها أن تَئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، ولا تَلَذّذتم بالنساء على (٤) الفُرُشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿". فقال أبو ذر: والله لوددتُ أني شجرة تُعضد.
ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث إسرائيل (٥) وقال الترمذي: حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفًا.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا خير (٦) بن عرفة المصري، حدثنا عُرْوَة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا: سبحانك! ما عبدناك حَقَّ عبادتك، إلا أنا لم نشرك بك شيئًا". (٧).
وقال محمد بن نصر المروزي في "كتاب الصلاة": حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرِز، عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال
(١) في م: "ومن شايعهم".
(٢) في أ: "فما فهموا".
(٣) هذا جزء من حديث أنس الطويل في الإسراء، وهو في صحيح البخاري برقم (٧٥١٧)، وصحيح مسلم برقم (١٦٢). وهذا القدر قد وقع لمسلم من هذا الوجه، وانظر أحاديث الإسراء عند تفسير أول سورة الإسراء.
(٤) في أ: "في".
(٥) المسند (٥/ ١٧٣)، وسنن الترمذي برقم (٢٣١٢)، وسنن ابن ماجة برقم (٤١٩٠).
(٦) في م: "حدثنا حسين".
(٧) المعجم الكبير (٢/ ١٨٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٢): "وفيه عروة بن مروان". قلت: قال الدارقطني: ليس بالقوى.
رسول الله ﷺ: "أسمع أطيط السماء وما تلام أن تَئطّ، ما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد" (١).
وقال أيضا: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ (٢) حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم، يحدث عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصاقات: ١٦٤ - ١٦٦]. (٣).
وهذا مرفوع (٤) غريب جدا رواه (٥) عن محمود بن آدم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال: إن من السماوات سماءً ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائما، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (٦)﴾.
ثم قال: حدثنا أحمد بن سيار: حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عثمان (٧) بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب [من بني] (٨) سالم بن عوف. حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلي، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع، من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء، من بني ساعدة، عن أبيه العلاء بن سعد -وقد شهد الفتح وما بعده-أن النبي ﷺ قال يوما لجلسائه: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال: "أطَّتِ السماء وحقّ لها أن تَئط، إنه ليس فيها موضع قَدَم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد، وقالَ الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (٩)﴾ وهذا إسناد غريب جدا.
ثم قال: حدثنا [محمد بن يحيى، حدثنا] (١٠) إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفَروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة، عن عبد الرحمن عن عبد الله بن ديناره، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر: أن عمر جاء والصلاة قائمة، ونفر ثلاثة جلوس، أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله. فقام اثنان وأبى أبو جحش أن يقوم، وقال: لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين، وأشد مني بطشًا فيصرعني، ثم يَدس وجهي في التراب. قال عمر: فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضبا حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: "ما رَأيَكَ يا أبا حفص؟ ". فذكر له ما كان منه فقال رسول الله ﷺ: "إن رضى
عمر رحمةٌ، والله لوددْتُ أنك جئتني برأس الخبيث"، فقام عمر يُوجّهُ نحوه، فلما أبعد ناداه فقال: "اجلس حتى أخبرك بغنى الرب ﷿ عن صلاة أبي جحش، إن لله في السماء الدنيا ملائكة خشوعًا (١) لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رفعوا رءوسهم ثم قالوا: ربنا، ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجودًا لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم، وقالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك" فقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال: " أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت. وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت. وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت. فقلها يا عمر في صلاتك". فقال عمر: يا رسول الله، فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: "قل هذا مرة وهذا مرة". وكان الذي أمره به أن يقول: "أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخَطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك" (٢) وهذا حديث غريب جدا، بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني. وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقا إلا أنه ذهب بصره فرُبما لقن، وكتبه صحيحة. وقال مرة: هو مضطرب، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي: تكلم فيه أيضا. والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عَرَّف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله؟! غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلا بنحوه. ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلا قريبًا منه، ثم قال محمد بن نصر:
حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطاة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تعالى ملائكة تُرعَد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودًا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعًا لم يرفعوا رءوسهم منذ خلق الله السماوات والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رءوسهم نظروا إلى وجه الله ﷿، قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك" (٣).
وهذا إسناد لا بأس به.
وقوله: (وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) قال مجاهد وغير واحد: (وَمَا هِيَ) أي: النار التي وصفت، (إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)
(١) في م، أ: "خشوع".
(٢) تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٥٦)، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٨٧) من طريق إسحاق الفروي به، وقال: "حديث صحيح الإسناد على شريط البخاري ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي. قلت: "منكر غريب، وما هو على شرط البخاري، وفيه عبد الملك بن قدامة الجحمي ضعيف، تفرد به".
(٣) تعظيم قدر الصلاة برقم (٢٦٠).
ثم قال: (كَلا وَالْقَمَرِ* وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ) أي: ولى، (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ) أي: أشرق، (إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ) أي: العظائم، يعني: النار، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وغير واحد من السلف. (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ* لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) أي: لمن شاء أن يقبل النّذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾
يقول تعالى مخبرًا أن: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) أي: معتقلة بعملها يوم القيامة، قاله ابن عباس وغيره: (إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) فإنهم (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ) أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم:
(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أي: ما عبدنا ربنا ولا أحسنا إلى خلقه من جنسنا،
(وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوي غاو غوينا معه،
(وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) يعني: الموت. كقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وقال رسول الله ﷺ: "أما هو -يعني عثمان بن مظعون-فقد جاءه اليقين من ربه". (١)
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (٥٣) كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾
قال الله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) أي: من كان متصفا بهذه (٢) الصفات فإنه لا تنفعه يوم القيامة شفاعة شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنما تنجع إذا كان المحل قابلا فأما من وافى الله كافرا يوم القيامة فإنه له النار لا محالة، خالدا فيها.
ثم قال تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) أي: فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين،
(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) أي: كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه حُمُر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد، قاله أبو هريرة، وابن عباس -في رواية-عنه وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. أو: رام، وهو رواية (٣) عن
ابن عباس، وهو قول الجمهور.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران (١) عن ابن عباس: الأسد، بالعربية، ويقال له بالحبشية: قسورة، وبالفارسية: شير (٢) وبالنبطية: أويا.
(بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل.
فقوله: (كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ) أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها.
ثم قال تعالى: (كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) أي: حقا إن القرآن تذكرة،
(فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه) كقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) أي: هو أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يَغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد (٣) بن الحباب، أخبرني سهيل -أخو حزم (٤) -حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له".
ورواه الترمذي، وابن ماجه من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافي بن عمران كلاهما عن سُهَيل بن عبد الله القطعي، به (٥) وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هُدْبَة بن خالد، عن سُهَيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى، والبَزار، والبَغَوي، وغيرهم، من حديث سُهَيل القُطَعي، به. (٦)
آخر تفسير سوره "المدثر" ولله الحمد والمنة
[وحسبنا الله ونعم الوكيل] (٧)